احتجاجات العراق... أزمة مفتوحة من دون أفق

مخاوف من اتخاذها منحى مسلحاً واستغلالها من الميليشيات الموالية لإيران

عادل عبد المهدي - الصدر
عادل عبد المهدي - الصدر
TT

احتجاجات العراق... أزمة مفتوحة من دون أفق

عادل عبد المهدي - الصدر
عادل عبد المهدي - الصدر

غرق العراق في حلقة جديدة من عدم الاستقرار قد تكون أخطر ما يواجهه، بعد عامين بالكاد من إعلان النصر على تنظيم «داعش» في حرب تركت نحو ثلث البلاد وسط ركام الأنقاض وشردت عشرات الآلاف.
ولفتت وكالة «أسوشييتدبرس» الأميركية في تقرير، أمس، عن الأزمة التي تعكسها المظاهرات الأخيرة إلى «الرد القاسي» لقوات الأمن العراقية التي قتلت أكثر من 100 شخص بالرصاص الحي خلال أقل من أسبوع، رداً على مظاهرات «شبان مطالبين بالوظائف والكهرباء والمياه النظيفة ومكافحة الفساد».
وقالت الوكالة إنه «ما زال من غير الواضح لماذا اختارت الحكومة مثل هذا الرد القاسي على بضع مئات من المتظاهرين العزل الذين تجمعوا للمرة الأولى الأسبوع الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاج». لكنها أشارت إلى أن الرد العنيف على الاحتجاجات «دفع بالعراق نحو مسار خطير قد يكون من الصعب التراجع عنه».
ومع استمرار الاحتجاجات العفوية - مع عدم وجود قيادة سياسية واضحة - في الاشتباك مع قوات الأمن في المدن والبلدات، بدت الحكومة منقوصة الشرعية وفشلت في تقديم حلول للمشاكل الراسخة، مما أثار المخاوف من أن دولة عربية أخرى ستسقط في أزمة مفتوحة من دون أفق.

وكتب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «مجموعة أورآسيا» أيهم كامل أن «استخدام القوة إلى جانب التنازلات الشكلية سيعمل على تخفيف الضغط مؤقتاً، لكنه لن ينهي الأزمة». وقال: «يمكن احتواء دورة الاحتجاجات هذه، لكن النظام السياسي سيواصل فقدان شرعيته».
ولا يختلف المحتجون في مطالبهم بتحسين الخدمات ووضع حدٍ للفساد، عن أولئك الذين قاموا بأعمال شغب في مدينة البصرة الجنوبية بسبب انقطاع التيار الكهربائي المزمن وتلوث المياه الصيف الماضي. أو في عام 2016. عندما قام المتظاهرون الغاضبون بتسلق الجدران في المنطقة الخضراء شديدة التأمين في بغداد واقتحام البرلمان العراقي، وهتفوا: «لصوص».
لكن على عكس ما حدث في عام 2016 عندما قاد الاحتجاجات رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، لم يشترك أي حزب سياسي في احتجاجات اليوم. معظم المتظاهرين من الشباب في العشرينات. ليست لديهم خطة أو قائمة واضحة بالمطالب، وليس لديهم متحدث ينطق باسمهم. وبعضهم من المراهقين أو خريجي الجامعات الجدد غير القادرين على العثور على وظائف في بلد يعاني من الفساد ويملك بعض أكبر احتياطيات النفط في العالم.
هذا الحراك ليست له ملامح واضحة أو حلول سريعة. يقول المتظاهرون إنهم سئموا من الطبقة السياسية الكاملة لما بعد عام 2003 واستفادتها من الرشاوى والمحسوبية والفساد بينما يشرب العراقيون المياه الملوثة ويتحملون بطالة هائلة. والأكثر لفتاً للنظر أن الاحتجاجات هي في الغالب مظاهرات شيعية ضد حكومة يقودها الشيعة.
وعد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بمعالجة مطالب المحتجين. لكن الرجل البالغ من العمر 77 عاماً بدأ فترة ولايته العام الماضي في مواجهة مجموعة من التحديات المتراكمة، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفساد على نطاق واسع والخدمات العامة المتداعية وضعف الأمن، وقد أخبر المتظاهرين أنه «لا يوجد حل سحري» لذلك كله.
اندلعت الأزمة مطلع الشهر الحالي بعد أن نظم المتظاهرون عبر دعوة على وسائل التواصل الاجتماعي، مظاهرة طالبوا فيها بحقوقهم. وقوبلت بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص. اندلعت المظاهرات جزئياً بسبب الغضب من الإقالة المفاجئة لقائد قوات مكافحة الإرهاب الفريق عبد الوهاب الساعدي الذي قاد معارك ضد مقاتلي «داعش»، وكان ينظر إليه إلى حد كبير على أنه جنرال غير فاسد ومحترم. لكن المتظاهرين حملوا قائمة طويلة من المظالم.
وتأتي الاحتجاجات في لحظة حرجة بالنسبة إلى العراق الذي وقع في خضم التوترات المتصاعدة بين حليفيه الولايات المتحدة وإيران. ومما زاد من حدة التوتر، توعد إيران باستهداف القوات الأميركية المتمركزة في العراق، بعد غارات غامضة استهدفت قواعد عسكرية وذخائر في العراق تابعة لميليشيات «الحشد الشعبي» التي تدعمها طهران.
وعندما بدأت الاحتجاجات، انتشرت بسرعة من بغداد إلى معاقل الشيعة في الجنوب، بما في ذلك البصرة. وفرضت الحكومة حظر تجول على مدار الساعة، وأوقفت الإنترنت لبضعة أيام، في محاولة يائسة لإخماد الاحتجاجات.
وقال الناطق باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن، الأحد الماضي، إن 104 أشخاص على الأقل قتلوا وجُرح أكثر من 6 آلاف في الاضطرابات. وأشار إلى أن ثمانية من أفراد قوات الأمن كانوا بين القتلى وأن 51 من المباني العامة وثمانية مقار للأحزاب السياسية قد أحرقت من قبل المتظاهرين.
ويبدو أن الحملة الأمنية الضخمة نجحت في تقليص عدد المتظاهرين في الوقت الحالي، رغم استمرار الاشتباكات المتقطعة بين المتظاهرين وقوات الأمن على نطاق أصغر، بما في ذلك تبادل لإطلاق الرصاص استمر لساعات ليلة الاثنين قرب حي مدينة الصدر المضطرب في بغداد.
لكن بين العراقيين والمراقبين، هناك إجماع على أن حاجزاً قد تم كسره وأنه مع مقتل الكثير من المتظاهرين، فمن المرجح أن تعود حركة الاحتجاج، وأن تصبح أكثر تنظيماً في المرة المقبلة، كلما كان ذلك ممكناً. وفي بلد مليء بالأسلحة، هناك مخاوف من أن يؤدي العنف ببعض المتظاهرين إلى تسليح أنفسهم، على غرار ما حدث في سوريا. وهناك قلق أيضاً من دخول بعض الميليشيات المتشددة الموالية لإيران المعركة واستغلال الفوضى.
ودعا زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر الذي تحظى ذراعه السياسية بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان، الحكومة إلى الاستقالة بسبب العدد الكبير من القتلى. كما علق مشاركة كتلته في الحكومة حتى يتم التوصل إلى «برنامج إصلاحي». وإذا انضم الصدر إلى حركة الاحتجاج، فسيعطيها المزيد من الزخم وربما يؤدي إلى مزيد من العنف.
وتنقل «أسوشييتدبرس» عن مدوّن عراقي قوله إن «الحكومة ربما نجحت في وضع حد للوضع في الوقت الحالي... لكن سيكون مثل جمر جاهز للاشتعال في أي وقت ومكان. وعندما يحدث ذلك، سيحرق الجميع».



الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
TT

الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)

في وقت تشهد فيه المناطق اليمنية المحررة حراكاً مستمراً على خلفية تجدد الخطاب المرتبط بـ«القضية الجنوبية»، برزت دعوات رئاسية إلى تغليب التهدئة والحوار، بالتوازي مع تحذيرات أمنية من أي تحركات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وسط مؤشرات على سعي موالين لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي تم حلّه، إلى إعادة التموضع السياسي والشعبي.

وفي هذا السياق، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الفريق الركن محمود الصبيحي، على أن وحدة الصف بين مختلف القوى الوطنية تمثل المدخل الأساسي لعبور المرحلة الراهنة، مؤكداً أن تعزيز حضور مؤسسات الدولة، وإنهاء مظاهر الانقسام، وتحسين الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، تمثل أولويات لا تقل أهمية عن المسارات السياسية المرتبطة بمستقبل التسوية الشاملة في البلاد.

وقال الصبيحي، في تصريحات رسمية، إن «القضية الجنوبية ستظل أولوية وطنية»، غير أنه ربط معالجتها بانتهاج «مسار يقوم على الحوار البنّاء، وتعزيز التعددية السياسية، وترسيخ ثقافة القبول بالآخر، وبناء مؤسسات دولة قوية وفاعلة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين وتحقيق العدالة وسيادة النظام».

وبدا لافتاً أن الصبيحي أعاد التأكيد على خيار «الحوار الجنوبي - الجنوبي الشامل» بوصفه مدخلاً للوصول إلى حل عادل ومستدام، مشيراً إلى أن «هذا المسار ينبغي أن يتم برعاية سعودية، وبما يضمن مشاركة مختلف المكونات الجنوبية»، في صيغة تعكس توجهاً رسمياً نحو احتواء أي محاولات لفرض تمثيل أحادي للقضية الجنوبية أو احتكار الحديث باسم الجنوب.

تحذير من توظيف الشارع

في موازاة هذا الخطاب السياسي، حملت تصريحات الصبيحي رسائل واضحة بشأن طبيعة الحراك المتوقع في الشارع الجنوبي؛ إذ أكد الصبيحي التزام الدولة حماية حق التظاهر السلمي وتأمين المتظاهرين، بوصفه حقاً مشروعاً تكفله القوانين والقيم الوطنية، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة ممارسة هذا الحق في إطار من المسؤولية واحترام النظام العام، بما يحافظ على الأمن والاستقرار.

وتعكس هذه الرسائل، وفق مراقبين، مخاوف متنامية لدى السلطات اليمنية من محاولة استغلال حالة السخط الشعبي الناجمة عن تدهور الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه، والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية، لإعادة إنتاج اصطفافات سياسية سابقة، أو الدفع باتجاه مواجهات داخلية في المحافظات المحررة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (إكس)

ويذهب تقدير سياسي في عدن إلى أن «أي تصعيد ميداني خارج الأطر السلمية سيضاعف من هشاشة الوضع القائم، ويمنح خصوم الحكومة الشرعية فرصة إضافية للاستفادة من الانقسامات الداخلية، في وقت يُفترض أن تتجه فيه الجهود نحو توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية وتهديد الجماعة الحوثية».

تأهب في حضرموت

وفي حضرموت (شرق اليمن)، بدت السلطات المحلية أوضح في رسم حدود التعامل مع أي تحركات شعبية أو سياسية؛ إذ أكدت «اللجنة الأمنية» في المحافظة أن حرية التعبير عن الرأي حق أصيل يكفله الدستور والقوانين والمواثيق الدولية، وأن السلطة المحلية تنظر إلى هذا الحق بوصفه إحدى ركائز المشاركة المجتمعية.

لكن «اللجنة» شددت، في المقابل، على أن الحفاظ على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي يمثل «خطاً أحمر لا تهاون فيه»، مؤكدة أنها لن تسمح «تحت أي مبرر بأي أعمال من شأنها المساس بأمن المواطنين أو تعطيل مصالحهم أو الإخلال بالنظام العام أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة».

وأوضحت «اللجنة» أن ممارسة حرية التعبير تظل مرتبطة بالتزام القانون، وعدم الإضرار بالسلم الاجتماعي، أو استغلال التجمعات لأهداف تتجاوز إطار التعبير السلمي المسؤول، مؤكدة أنها ستتعامل بحزم مع أي محاولات للعبث بأمن المحافظة أو ترويع السكان.


اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
TT

اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)

في جريمة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الرسمية والتنموية والحقوقية، هزَّ اغتيال مسؤول تنموي بارز العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في حادثة أعادت إلى الواجهة التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها الحكومة، وأثارت تساؤلات حول تداعيات استهداف الكفاءات الوطنية العاملة في المجالات الإنسانية والتنموية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تثبيت الاستقرار، واستعادة ثقة المانحين الدوليين ببيئة العمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأعلنت الحكومة اليمنية تحركاً عاجلاً على المستويين الأمني والعسكري، عقب اختطاف واغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، في حادثة وصفتها الأوساط الرسمية بأنها «جريمة غادرة وجبانة» تستهدف مؤسسات الدولة وجهود التنمية، وتستوجب ملاحقة سريعة وحاسمة للمتورطين فيها، وكشف كل ملابساتها أمام الرأي العام.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

وشهدت الساعات التي أعقبت الإعلان عن العثور على جثة المسؤول اليمني تصعيداً رسمياً؛ إذ تابع رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني تطورات القضية، واطَّلع من الأجهزة الأمنية على تقارير أولية بشأن ظروف الحادثة، موجهاً برفع مستوى الجاهزية الأمنية، وتعزيز التنسيق المشترك بين مختلف الوحدات المختصة لتعقب الجناة وضبطهم دون تأخير.

وأكد الزنداني أن الجريمة تمثل اعتداءً مباشراً على مؤسسات الدولة والجهود التنموية والإنسانية التي تُبذل في البلاد، مشدداً على أن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات لزعزعة الأمن أو استهداف الكوادر الوطنية، وأن العدالة ستطول كل من خطط أو نفَّذ أو ساهم في هذه العملية.

كما وجَّه رئيس الحكومة اليمنية بتسخير الإمكانات كافة لدعم جهود التحقيق والرصد والمتابعة، مع الالتزام بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية.

تعبئة أمنية واسعة

بالتوازي مع تحركات رئاسة الحكومة، أصدر وزير الداخلية إبراهيم حيدان توجيهات عاجلة إلى القيادات الأمنية في محافظات عدن ولحج وأبين وتعز، تقضي برفع الجاهزية إلى أعلى مستوياتها، وتكثيف العمليات الميدانية لتعقب العناصر المتورطة، مع توسيع نطاق التنسيق بين الأجهزة الأمنية في المحافظات المجاورة لمنع فرار المشتبه بهم أو انتقالهم إلى مناطق أخرى.

واطَّلع وزير الداخلية من مدير شرطة عدن على تفاصيل أولية بشأن واقعة الاختطاف والاغتيال، والإجراءات التي بدأت فور تلقي البلاغ، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية لن تدَّخر جهداً في ملاحقة «العناصر الإجرامية» وردع أي محاولات للمساس بأمن واستقرار البلاد، في إشارة تعكس جدية رسمية في التعامل مع القضية، بوصفها اختباراً لقدرة الدولة على فرض القانون.

مجهولون في عدن قاموا باختطاف المسؤول التنموي اليمني وسام قائد واغتياله (إكس)

وحسب معلومات أولية، فقد تعرَّض وسام قائد للاختطاف من جوار منزله في مدينة إنماء، بعد دقائق من وصوله إلى المنزل بسيارته؛ حيث أقدم مسلحون مجهولون كانوا يستقلون سيارة زرقاء على اعتراضه تحت تهديد السلاح، واقتياده بالقوة، بينما تولى أحد المسلحين قيادة سيارته الخاصة. وبعد ساعات، عثرت الأجهزة الأمنية على جثته داخل مركبته في منطقة الحسوة غرب عدن.

وأظهر تسجيل مصوَّر متداول لحظة تنفيذ عملية الاختطاف، في مشهد أثار موجة غضب واستياء واسعين، وسط مطالبات بتسريع التحقيقات، والكشف عن هوية المنفِّذين والجهة التي تقف خلف العملية؛ خصوصاً أن الضحية لم يكن شخصية سياسية ولا أمنية؛ بل كان أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمشروعات التنمية والتمويل المجتمعي في اليمن.

خسارة ثقيلة

ويمثل اغتيال وسام قائد خسارة كبيرة لقطاع التنمية في اليمن؛ إذ يُعد من أبرز الكفاءات الوطنية التي كرَّست مسيرتها لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً. وكان قد أسس عام 2005 وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أبرز المؤسسات التنموية الداعمة لعشرات الآلاف من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة في مختلف المحافظات اليمنية.

صورة يظهر فيها الضحية وسام قائد إلى جوار مسؤولة أممية (إكس)

وفي عام 2019، عُيِّن نائباً للمدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية، ثم تولى لاحقاً مهام القائم بأعمال المدير التنفيذي؛ حيث أشرف على برامج تنموية ممولة من مانحين دوليين، تستهدف تعزيز التماسك المجتمعي ودعم سبل العيش والخدمات الأساسية، في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي.

كما عُرف الضحية -وفقاً للمصادر اليمنية- بعلاقاته المهنية الواسعة مع المؤسسات الدولية، وبخبرته الأكاديمية؛ إذ حصل على درجة الماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام البريطانية.


استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)

استنفار رسمي وإعلامي في مصر لمواجهة رواج بدا لافتاً لما يُعرف بـ«نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل، الذي يقوم على رفض العلاج من الأمراض بالأدوية التقليدية، واستبدالها بواسطة نظام غذائي غير علمي، وذلك رغم وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي في الإمارات قبل نحو أسبوعين.

وفي خطوة لاحتواء «الظاهرة»، التي حذّرت منها وزارة الصحة المصرية، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، الأحد، إصدار قرار بحظر نشر أو بث أو تداول أي مواد مصورة أو مسموعة أو مكتوبة للطبيب الراحل، مؤكداً أن محتواها قد يضر بالصحة العامة، ويمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين. كما ألزم القرار جميع الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بعدم إعادة نشر أو تداول تلك المواد.

وقرّر المجلس رصد المخالفات تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع إحالة الروابط المخالفة إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإزالتها، إلى جانب التنسيق مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء لإصدار لائحة تنظم الظهور الإعلامي للأطباء خلال الشهر الحالي.

سبق القرار الرسمي حملة انتقادات واسعة قادها إعلاميون مصريون ضد نظام العوضي. وطالب الإعلامي عمرو أديب النائب العام باتخاذ إجراءات ضد من يروجون لهذا النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً خلال برنامجه على قناة «إم بي سي مصر» إن «أي شخص يروج لنظام الطيبات مجرم».

كما دعا الإعلامي أحمد موسى الجهات المعنية إلى حذف جميع الفيديوهات المرتبطة بالنظام الغذائي من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، عادّاً أنها تُشكّل خطراً على المواطنين، ومتهماً العوضي بالترويج لنظام غذائي يؤدي إلى تفاقم الأمراض والتسبب في وفاة بعض المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري، وذلك خلال برنامجه التلفزيوني.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

وكان العوضي، وهو استشاري تخدير وعناية مركزة، ممنوعاً من ممارسة المهنة قبل وفاته، وفق ما أعلنته نقابة الأطباء المصرية، التي شطبت عضويته من جداولها بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم «نظام الطيبات» الذي روّج له العوضي على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم، وأخرى «غير ملائمة» يجب الامتناع عنها. ومن بين الممارسات التي دعا إليها شرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، دون الإكثار منه.

كما أثار الجدل بعد تحذيره من تناول الدواجن، وزعمه أن منتجات الألبان تحتوي على مواد خطيرة، إلى جانب تفضيله الإفطار بـ«النوتيلا» بدلاً من الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من تناول الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

ورغم وفاة العوضي، فإن الانقسام المجتمعي حول نظامه الغذائي لا يزال متصاعداً، إذ يواصل بعض مؤيديه الترويج له بشكل جماعي، بينما يعده آخرون «خرافة» و«دجلاً».

وازدادت مؤشرات القلق الرسمي مع ارتفاع معدلات تداول المقاطع المصورة التي تروج للنظام الغذائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والدفاع المستميت من مؤيديه عن هذا النظام.

وكشف صاحب أحد المخابز المتخصصة في إنتاج خبز الشعير والحبة الكاملة عن زيادة ملحوظة في الإقبال على هذا النوع من الخبز (الذي روج له العوضي لفوائده) في تصريحات تداولتها وسائل إعلام محلية، حيث أكد أن الطلب امتد إلى محافظات عدة بينها سوهاج والإسكندرية وأسيوط والمنيا، وأن بعض الزبائن يشترون كميات تصل إلى 35 و40 كيلوغراماً لتوزيعها على أسرهم.

تحذير الصحة

وسارع المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار إلى التحذير من إعادة تقديم الأفكار أو الممارسات التي سُحبت مشروعيتها رسمياً، بوصفها محل جدل أو اختلاف، لما تمثله من خطورة على المجتمع، حسب منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، السبت.

ومن دون الإشارة المباشرة إلى العوضي، أكد عبد الغفار أن سحب ترخيص مزاولة المهنة من أي طبيب «يمثل إعلاناً واضحاً بأن استمرار مثل هذه الممارسات يُشكّل خطراً حقيقياً لا يمكن التغاضي عنه، ويستوجب تدخلاً حاسماً لحماية الصحة العامة».

البرلمان

ولم يغب البرلمان المصري عن موجة التحرك ضد انتشار هذه الظاهرة، إذ كشفت لجنة الصحة بمجلس النواب عن إعداد تعديلات تشريعية تستهدف تغليظ العقوبات بحق مروجي المعلومات الطبية غير المثبتة علمياً، أو من يدفعون المرضى إلى التخلي عن العلاجات المعتمدة.

في المقابل، رأى الدكتور مجدي مرشد، وكيل اللجنة، أن التشريعات المنظمة لمواجهة التصريحات والوصفات الطبية العشوائية موجودة بالفعل، مشدداً على أن الأزمة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين على أرض الواقع.

بدورها، أكدت عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة إليزابيث شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن صحة المواطنين «لا تقبل المساومة»، محذرة من مخاطر الترويج لأنظمة غذائية غير معتمدة علمياً. وقالت البرلمانية المصرية إن أي نظام غذائي لا يستند إلى أبحاث ودراسات موثقة ومعترف بها عالمياً من مراكز بحثية ذات مصداقية قد يشكّل تهديداً مباشراً للصحة العامة، خصوصاً مع الانتشار الواسع للمحتوى الغذائي والطبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون رقابة كافية.

وأيدت بدء تحرك تشريعي عاجل لتنظيم كل من المحتوى الطبي والغذائي، ومحاسبة مروجي المعلومات المضللة، إلى جانب إطلاق حملات توعية موسعة لتعريف المواطنين بمخاطر اتباع الأنظمة الغذائية غير الموثوقة، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى الأطباء والمتخصصين قبل تبني أي نظام علاجي أو غذائي متداول عبر الإنترنت.

نقيب الأطباء

وسط هذه التحركات يذهب نقيب الأطباء المصريين أسامة عبد الحي إلى الاعتقاد بأن التحركات الحكومية لمواجهة ما وصفه بـ«ظواهر الدجل الطبي» كان ينبغي أن تبدأ مبكراً، محذراً من خطورة الترويج لأنظمة علاجية أو غذائية غير معتمدة علمياً، خصوصاً في القرى والأرياف التي تنتشر فيها بعض أساليب العلاج الشعبي والاعتماد على مواد غذائية بوصفها بديلاً للعلاج الطبي.

وأكد عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الممارسات قد تتسبب في أضرار صحية «مدمرة» للمواطنين، مشيراً إلى أن نقابة الأطباء تحركت مبكراً ضد الطبيب الراحل في مارس (آذار) الماضي.

وسط هذا الاستنفار، تبقى التحركات الأمنية مهمة وتأتي من منظور الخبير الأمني اللواء إيهاب يوسف، لملاحقة هذه الظواهر، إلى جانب تضافر جهود وزارة الصحة ونقابة الأطباء والتوعية المجتمعية لتجفيف المنابع، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».