الـ«رفوكري» فن إصلاح ما أفسده الزمن

المتخصصون فيه يعتبرون عملة ذهبية تفقد قيمتها بمجرد أن يضعف نظرهم

في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
TT

الـ«رفوكري» فن إصلاح ما أفسده الزمن

في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش

يعتبر رفوكري، وهو إحدى طرق الرتق، واحداً من الفنون النادرة، التي تقوم على فكرة تصليح المنسوجات المهترئة أو الممزقة. وكان أباطرة المغول أول من أولوا اهتماماً كبيراً بهذا الفن. ففي ظل حكمهم كان يجري النظر إلى العاملين بمجال الرفوكري على أنهم سحرة ماهرون.
تضرب جذور فن الرفوكري في بلاد فارس، حيث حرص العاملون بهذا المجال على خوض دراسة مستفيضة لأنواع المنسوجات والألوان، وما إلى غير ذلك. كانوا يركزون على قطعة منسوجة بعينها، ثم رسم الحدود التي سيبدأون منها العمل، بعد مضاهاة الخيوط لتكون النتيجة على نحو يصعب معه رؤية أي أثر للتصليح.
في البداية، كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط، وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش.
في كتابهما المعنون «الزهور والتنانين وأشجار الصنوبر: المنسوجات الآسيوية في متحف سبنسر للفنون»، كتبت ماري إ.دوزنبري وكارول بير، أن «تجميع شال كبير من ثمانية قطع من القماش أمر يتطلب مهارة كبيرة من جانب المصممين وعمال الحياكة؛ لضمان توأمة الأشكال والأحجام مع بعضها بعضاً.
وقد تكونت الشالات من المئات من القطع الصغيرة، التي تعود في معظمها إلى الربع الثالث من القرن التاسع عشر، وقد تطلب تجميع هذه القطع الصغيرة في قطعة واحدة متناغمة مهارة مذهلة».
أما الحرفيون المسؤولون عن إبداع مثل هذه القطع فهم العاملون بمجال الرفوكري أو عمال الحياكة الذين كانوا يتولون نسج كل قطعة من شال على حدة، ثم يتولون تجميعها على نحو يشبه أحجية الصور المقطوعة بدرجة بالغة من المهارة تجعل من الصعب رصد الخيوط الواصلة بين القطع. كانوا يعتمدون في ذلك على أسلوب حياكة يشبه إلى حد كبير أسلوب كاني الشهير؛ وذلك لضمان التناغم والاندماج بين القطع المختلفة.
وتعتبر كشمير وناجي آباد، الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر من دلهي، مركزين لفن الرفوكري في الهند. واللافت أن الغالبية العظمى من العاملين في هذا الفن الدقيق من أحفاد مهاجرين انتقلوا إلى وادي كشمير، قادمين من سمرقند وإيران.
على سبيل المثال، قال سليمان، الذي يعمل في الرفوكري في ناجي آباد، وذكر أن أصوله تعود إلى بخارى: «جميعنا قدمنا من آسيا الوسطى. بدأت تعلم هذه المهنة من والدي وجدي عندما كنت في الـ7، وجميعنا خضنا المشوار ذاته. وعندما كنت طفلاً، كنت أحب مشاهدة يد والدي وهي تعمل على نحو أشبه بالسحر».
أما غالبية زبائن هذا الفن، فمن أبناء العائلات الملكية أو الأرستقراطية السابقة، من الذين يملكون شالات أو قطع ملابس ورثوها عن أجدادهم لا تقدر بثمن، لكن تعرضت لتمزق بسبب العثة، أو اهترأت بفعل الزمن. ومن بين العملاء كذلك هنديات يرغبن في إصلاح شالات «باشمينا» قيّمة لديهن.
وشرح رياض خان، أحد العاملين بمجال الرفوكري أنه: «بينما من الصعب رتق المنسوجات المصنوعة من نسيج (باشمينا)، ويصنع من شعر ماعز جبلي بمنطقة التبت، فإن نسيج (شاتوش) المصنوع من شعر ظبي التبت، هو الأكثر صعوبة على الإطلاق من بين جميع المنسوجات لرقتها المفرطة».
من ناحية أخرى، فإن المتخصصين في رتق منسوجات قديمة وهشة للغاية، يعتمدون على خيوط مشدودة من أطراف قطعة النسيج ذاتها. وقد حرص هؤلاء الحرفيون على حماية أسرار المهنة التي توارثوها أباً عن جد.
في مجال صناعة الشالات، غالباً ما يقال إن العاملين بمجال الرفوكري يجنون أموالاً أكثر عن أي حرفيين آخرين مرتبطين بصناعة الشال. على سبيل المثال، أوضح شابير أحمد، أنه يملك مصنعاً لإنتاج الشالات، ويضم 30 منوالاً. وأضاف أن من يتولى حياكة الشالات يتقاضى نحو 10.000 روبية مقابل الشال الواحد، ويستغرق إنجازه شهراً تقريباً، في حين أنه باستطاعة عامل الرفوكري جني القدر ذاته في غضون 10 أيام فقط أو أقل. ويشرح: «عندما أرصد عيباً في أي شال، فإني أستعين بعامل رفوكري، وتتراوح التكلفة حينها ما بين 1.000 و5.000 روبية لإصلاح عيب، ويستغرق الأمر ما بين يومين وثلاثة أيام حداً أقصى».
أيضاً، يحصل العاملون بمجال الرفوكري على فرص عمل بالخارج. مثلاً، عمل أحمد مع معرض «بالارات فاين آرت غاليري» في فيكتوريا لتصليح وإعادة بناء علم يوريكا أثناء انعقاد دورة ألعاب الكومنولث عام 2006. محمد رفيق زوغار المقيم في دلهي، اسم آخر بارز بمجال الرفوكري، حيث يشتهر بتصليح قطع الشال والساري القديمة منذ 40 عاماً حتى اليوم.
عن مسيرته المهنية، يقول: «تعلمت هذه المهارة من ثلاثة معلمين في سريناغار. وبوجه عام، يتطلب فن الرتق يداً ماهرة ونظراً حاداً. وينتهي مستقبل العامل في مجال الرتق بمجرد أن يضعف نظره».

تاريخ الرفوكري في كشمير

تتميز مهنة الرتق بتاريخ مثير داخل كشمير، وككل شيء في الإقليم، ارتبطت هي الأخرى بالسياسة وبدأت نتاجاً لسياسات حكومية.
في هذا الصدد، شرح سالم بيغ، مسؤول بالصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي، أنه: «في ظل الحكم الأفغاني، فرض الحكام ضرائب باهظة على صناعة الشالات. وقدر المسؤولون قيمة الضرائب تبعاً لحجم الشال. وسعياً لتفادي الضرائب؛ شرع الحرفيون في كشمير في صناعة الشالات بأحجام تعادل نصف حجمها المألوف. وفي وقت لاحق، كان يجري ضم القطعتين أو الثلاث معاً بمهارة على يد عامل متخصص في الرتق. وبذلك، كانت تجري صناعة الشال بحجمه الكامل دون الحاجة إلى دفع ضرائب بفضل عمال الرفوكري.
ومع تعرف مزيد من الحرفيين على هذه الحيلة المبتكرة، انتشرت هذه الممارسة واكتسب العاملون بمجال الرفوكري أهمية أكبر. ومر وقت طويل للغاية قبل أن يكشف الحكام الأفغان الحيلة.
كانت المرة الثانية التي نجح خلالها عمال الرفوكري في إنقاذ صناعة الشال مطلع القرن الـ19، عندما ابتكر تاجر أرميني يدعى الخواجة يوسف بالتعاون مع عامل رتق محلي يدعى علي بابا، شالات «أمليكار» (أي المزخرفة). كان يوسف قد انتقل للعمل في كشمير عام 1803 وكيلاً لشركة «كونستانتنبول» للتجارة. ونجح الرجلان في طرح شالات مزخرفة بأعمال الإبرة في السوق بثلث تكلفة الشالات المصنوعة على منوال صوف. ونجح الشال الجديد المبتكر في توفير ثلث تكاليف الإنتاج ونجحت الشالات المصنوعة بأعمال الإبرة بادئ الأمر في الإفلات من الضرائب التي فرضتها الحكومة على الشالات المصنوعة من الصوف، والتي وصلت عام 1823 إلى 26 في المائة من قيمة المنتج. وبذلك، حقق التجار أرباحاً هائلة، وتوسع هذا المجال من صناعة الشالات سريعاً. عام 1803، انخفض عدد عمال الرفوكري أو العاملين بمجال زخرفة الملابس ممن يملكون المهارات اللازمة للعمل الجديد. إلا أنه في غضون 20 عاماً، قدرت أعداد العاملين بهذا المجال بـ5.000 شخص.
من جانبه، قال محمد سالم بهت، أحد العاملين في هذا المجال في سريناغار: «تبلغ تكلفة صناعة شال رفيع المستوى مئات، بل وآلاف الروبيات. وفي كثير من الأحيان، تتوارث الأسر الهندية الشالات من جيل إلى آخر باعتباره كنزاً قيّماً يفخرون به. وإذا تعرض الشال لأي ضرر، فإنه ليس من السهل التخلي عنه ببساطة وشراء آخر، وإنما يأتون إلينا بها لإصلاحها. ومن جهتنا، نحرص على دراسة الشال بدقة ونمط الرسوم به وألوانه، وما إلى غير ذلك من تفاصيل دقيقة، قبل أن نرسم الحدود التي سنبدأ العمل منها. فالمهم هو مضاهاة الخيوط وإنجاز العمل على نحو يجعل من الصعب رصد أي آثار لعملية التصليح أو الرتق».
أما المفارقة الكبرى اليوم، فهي انحسار أعداد الممتهنين لهذا الفن في وقت يزداد الطلب عليه بأضعاف مضاعفة. وعن هذا، يُعلق سليم بيغ، من الصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي في جامو وكشمير: «هناك عشرات الآلاف من الشالات لدى الأسر الهندية بمختلف أرجاء البلاد. وحتى لو افترضنا أن واحداً في المائة فقط منها في حاجة إلى تصليح، فإن هذا يشكل سوقاً ضخمة لا يخدمها سوى فناني الرفوكري في كشمير. وعادة ما نتلقى في الصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي طلبات من أشخاص لمعاونتهم في تصليح شالات قديمة ونجابه صعوبة في الوصول إلى شخص يملك المهارة اللازمة لإنجاز ذلك».



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.