عندما يتحول التسوّق إلى سياحة وراحة

قرى التسوق العالمية تفتح أبوابها لكل ضروب فنون الحياة

عندما يتحول التسوّق إلى سياحة وراحة
TT

عندما يتحول التسوّق إلى سياحة وراحة

عندما يتحول التسوّق إلى سياحة وراحة

ليس هناك أكثر من سيدة الأعمال اللبنانية الأصل، ديزيريه بولييه، الرئيسة التنفيذية لمجموعة «فاليو ريتايل»، معرفةً بأن التسوق والسياحة أصبحا وجهين لعملة واحدة. ولعها أيضاً واحدة ممن زادوا هذا التداخل قوة، حين نجحت في دمجهما في قرى التسوق التي تنضوي تحت المجموعة. فهي الآن وجْهات لا يفوتها السائح سواء كان في بريطانيا أو إسبانيا أو إيطاليا أو بلجيكا أو آسيا. قرية «بيستر» مثلاً تأتي في المرتبة الثانية بين الوجْهات التي يزورها السيّاح الصينيّون في بريطانيا بعد قصر باكنغهام، بينما تحولت القرى الأوروبية الأخرى مزيجاً ممتعاً من الفن والمعارض وطبعاً التسوق.
تتميّز هذه «القرى» بتصميم هندسي متكامل يحاكي القرى النموذجية، بمعمار تقليدي، أو حديث أحياناً، وشوارع أنيقة مقصورة على المشاة وعلى أطرافها مقاعد للاستراحة تظللها قناطر أو أشجار وارفة، وتتوزّع فيها كل أنواع المتاجر التي توجد عادةً في أوساط المدن، لكن من غير الضجيج والزحمة الخانقة. وبين المتاجر تنتشر المطاعم والمقاهي ومراكز الترفيه، إضافةً إلى مساحات واسعة مخصصة لركن السيارات خارج محيط القرية. وتقدّم هذه القرى خدمات نقل مخصصة للسيّاح من وإلى وسط المدينة، إضافة إلى خدمة «مستشار التسوّق - Personal shopper» لمرافقة الزبائن ومساعدتهم على البحث عن احتياجاتهم في التسوّق واختيار أفضل العروض والفرص.
ما يميّز هذه «القرى» أنها تستقطب العلامات التجارية الفاخرة وأحدث مبتكراتها بأسعار مخفضّة علماً بأنها لا تعرض بضاعة كاسدة من المواسم السابقة أو منتَجة خصيصاً للتنزيلات.
نجحت التجربة بحيث أصبحت «قرى التسوّق» فرصة مريحة وشيّـقة للتسوّق بعيداً عن ضجيج الشوارع وصخبها. وهي أيضاً مناسبة لشراء سلع وبضائع لا تتحمّلها الميزانيات العادية دائماً بالأسعار الموسمية. لكن المزيّة الأهم لهذه القرى أنها أطلقت أسلوباً حياتيّاً جديداً في هذا العصر، يجمع بين السفر والسياحة والتسوّق ضمن صيغة تولّف بين إشباع الفضول السياحي وتلبية الرغبة الاستهلاكية، مع أرفع درجات الخدمات الترفيهية والتسهيلات التي ينتظرها الزبائن في أرقى المتاجر.
وتتعاون هذه القرى مع عدد كبير من الشركات السياحية العالمية لتنظيم رحلات تجمع بين التسوّق الراقي والهادئ والمريح من جهة، وزيارة المعالم التاريخية والمواقع الطبيعية الجميلة من جهة أخرى. وقد تمكّنت في عام 2018 من اجتذاب 42 مليون زائر.
في بريطانيا تعد قرية «Bicester» الوجهة الرئيسية لعشّاق هذه الظاهرة حيث استقبلت في عام 2018 حوالي 7 مليون زائر. وهي تقع على مقربة من لندن، في ضاحية أوكسفوردشاير، وتضمّ أكثر من 160 متجراً معظمها للعلامات التجارية الفاخرة، من ملابس جاهزة إلى أحذية وحقائب ومجوهرات، إضافة إلى عدد من المطاعم والمقاهي الفخمة.
قرية «بيستر» كانت الأولى في بريطانيا، حيث فتحت أبوابها في عام 1995، وقد بلغ عدد زوّارها العام الماضي 6.4 مليون، أكثرهم من الصينيين، ما يجعلها في المرتبة الثانية بين الوجْهات التي يزورها السيّاح الصينيّون في بريطانيا... بعد قصر باكنغهام.
وفي آيرلندا تقع قرية «Kildare» للتسوّق على بُعد ساعة من العاصمة دبلن، وهي مصممة بشكل مستوحى من إسطبلات الخيل والمزارع في المنطقة المحيطة بها.
وتعرض متاجرها التي تزيد على المائة كل العلامات التجارية الآيرلندية المشهورة، ومعظم العلامات الدولية المعروفة، بأسعار مخفضّة بنسبة تصل إلى 60% مقارنةً مع أسعار متاجر العاصمة، إضافةً إلى إعفاءات ضريبية كاملة. وتشهد هذه القرية إقبالاً كبيراً من السيّاح الصينيين الذين تتزايد أعدادهم بكثرة منذ سنوات، إذ يقدّر عدد الطلاب الصينيين الذين يدرسون في المعاهد والجامعات الآيرلندية بما يزيد على 46 ألفاً.
في فرنسا توجد قرية «لافالي - La Vallee» التي تبعد نحو نصف الساعة عن باريس، وتشتهر بأنها، إلى جانب العلامات التجارية الفاخرة للملابس والمنتجات الجلدية الشهيرة ودور المجوهرات الكبرى، تضمّ مجموعة من متاجر المفروشات والحرفيّات المنزلية والتصاميم الحديثة والتحف القديمة.
في ضواحي برشلونة افتتحت قرية «لاروكا - La Roca» التي استلهمت تصميمها الهندسي من أسلوب أنطونيو غاودي الذي ترك آثاره المعمارية الخالدة على العديد من المباني والمؤسسات الرسمية في كاتالونيا. وهي تضمّ أكثر من مائة متجر تعرض العلامات التجارية العالمية، إلى جانب جناح مخصص لأدوات الاتصال الإلكترونية التي تستضيف برشلونة كل عام أهم معرض دولي لآخر مبتكراتها في شهر فبراير (شباط). كما تضمّ هذه القرية فروعاً لعدد من أشهر المطاعم التي تفخر بها العاصمة الكاتالونية، والتي جعلت منها واحدة من أهم وجْهات الذوّاقين في أوروبا والعالم. لكن كما كل القرى، تحرص ديزيريه بولييه على أن تدعم الفن بكل أشكاله، مثل معرض «كريستوبال بالنسياجا» الذي شهدته مدريد مؤخراً.
مدينة «تورينو» الإيطالية انضمّت هي الأخرى إلى نادي قرى التسوّق، فكانت لها قريتها التي تزيد مساحتها على خمسين ألف متر مربّع تتوزّع فيها شوارع أنيقة تظّللها أشجار باسقة تضفي عليها طابع المنتجع السياحي الريفي على بُعد ربع ساعة من المدينة التي شهدت ولادة حركة التصميم الطليعي في إيطاليا. وتعرض متاجر هذه القرية خصومات تصل إلى 70%، وتوفّر خدمات نقل مجانية من وإلى وسط المدينة.
أما الألمان فقد اختاروا أن تكون قريتهم النموذجية للتسوّق في منطقة «Wertheim» الواقعة عند سفح وادي «Tauber» الساحر، حيث تتلاقى «درب القصور» الشهيرة مع «الدرب الرومانسي» الذي وُلدت على أطرافه الحركة الرومانسية الألمانية وعاش في القرى المحيطة به عدد من عباقرة الموسيقى الكلاسيكية من بيتهوفن إلى فاغنر. وتتميّز متاجر هذه القرية بهندسة تقليدية تحاكي المعمار المحلّي الذي تَغلُب عليه البنى الخشبية.
أما قرية التسوّق الأكبر في العالم اليوم فكان لا بد أن تقوم في الصين، قرب مدينة «Dongyuan» الواقعة جنوبي البلاد. وكانت هذه القرية قد أُطلق عليها لقب «الشبح» بعد افتتاحها، لكونها استمرّت شبه خاوية ثلاث سنوات قبل أن تعجّ بالزبائن على مدار العام حالياً.
وتجدر الإشارة إلى أن قرى التسوّق عموماً، وبخاصة في أوروبا، تستقطب أعداداً متزايدة من العرب، مما يجعل المراهنة على هذا المستهلك مضمونة ومجزية، وفي الوقت ذاته استدعى خلق طرق مبتكرة لجذبه ونيل رضاه، من توفير متسوق خاص إلى افتتاح أماكن خاصة بالشخصيات المهمة. كما ترصد فترات الأعياد والعطلات وتكيّف معروضاتها مع أذواقهم، وتُستخدم اللغة العربية في الإشارات والمعلومات التي يستدلّون بها خلال تجوالهم فيها.

سياحة الشراء... من الأسواق البدائية إلى {قرى التسوق}
> كان السفر، وحتى قبل أن يصبح باباً للسياحة والترفيه، وسيلة الناس للبحث عمّا تشتهيه الشعوب وتتطلّع إلى اقتنائه رغبةً في تحسين مستوى حياتها والتمتّع بما تبتكره المجتمعات الأخرى من ضروب العيش ومحاسن الطقوس والعادات.
في البدء كانت المقايضة هي وسيلة التجارة بين أهل المجتمعات القبليّة، يتبادلون بواسطتها الغذاء والسلع الأساسية. ثمّ كانت الحوانيت التي معها صارت تُفرَز البضائع والسلع أصنافاً وفئات مجمّعة، قبل أن تتخصّص على غرار المهن والحِرف في القرون الثلاثة الأولى قبل الميلاد. ومن شائع الخطأ القولُ إن ما نسمّيه «المجتمع الاستهلاكي» يعود ظهوره للقرن العشرين، فقد أثبتت البحوث والآثار التي ما زالت ماثلة أمامنا إلى اليوم، أن «مراكز التسوّق» كانت موجودة أيّام قدامى الرومان والإغريق، وكانت تُعرف في الحواضر اليونانية القديمة باسم «Agora» وهي ساحات واسعة مفتوحة وسط المدن، يعرض فيها التجّار سلعهم ومنتجاتهم، والعديد منها ما زال قائماً إلى اليوم كتلك الساحة التي تقع في وسط أثينا عند أقدام الأكروبوليس.
أما في العصر الحديث، فيقول الباحث صامويل فاينبيرغ إن بداية مراكز التسوّق في الولايات المتحدة تعود إلى مطلع القرن الماضي في ضواحي بالتيمور وميسوري، قبل أن تبدأ بالانتشار على نطاق واسع اعتباراً من الثلاثينات في الشكل الذي نعرفه اليوم، وتتحوّل بعد ذلك إلى مجمّعات ضخمة تحاكي المدن الصغيرة وتتوفّر فيها معظم الخدمات التي يحتاج إليها الزبائن إلى جانب التسوّق، مثل مراكز الترفيه والعناية بالأطفال والرعاية الطبية والمسارح ودور السينما.
لكن الطفرة الكبرى في مراكز التسوّق كانت خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي عندما بُني منها أكثر من 16 ألفاً في الولايات المتحدة وحدها، وصارت أحد المعالم الرئيسية للظاهرة الاستهلاكية الحديثة التي كانت قد دخلت عصرها الذهبي في المجتمعات الصناعية. وسرعان ما انتقلت هذه الظاهرة إلى الدول الأوروبية والآسيوية، وأيضاً إلى عدد من الدول العربية، فيما كان يتراجع عدد المحلات والمخازن التجارية الصغيرة التي لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل هذه المنافسة الشديدة التي تقف وراءها شركات قابضة كبرى.
الخطوة المتقدّمة التالية في مسرى حركة التسوّق جاءت هذه المرة من أوروبا، وكان لا بد لها أن تأتي بخاصيّات ومزايا تختلف عن المنحى الذي اتخذته خلال المراحل السابقة في الولايات المتحدة. العنوان الجديد لهذه الحركة الاستهلاكية هو «قرى التسوّق - Shopping Villages» التي بدأت تنتشر في العواصم والمدن الأوروبية الكبرى، قبل أن تبدأ قفزتها الأولى إلى الخارج في الصين، بانتظار وصولها إلى سوق الولايات المتحدة.



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.