عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

مهمات دولية لحكومات العالم وكبريات الشركات تهدد بخرق الاتفاقيات القديمة

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟
TT

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

تناقلت الأنباء اتهام رائدة الفضاء آن ماك كلين بارتكاب ما يمكن اعتباره الجريمة الأولى في الفضاء، فقد تقدّمت ضابطة المخابرات الجوية السابقة سامر ووردن ببلاغ أمام هيئة التجارة الفيدرالية حول سرقة الهوية، تدّعي فيه أنّ شريكة حياتها آن ماك لاين استخدمت حسابها المصرفي دون إذنها، وذلك من مقرّ إقامتها في المحطّة الفضائية الدولية، حيث تشارك في بعثة مدّتها ستة أشهر.
وتُنظّم أمور المحطّة الفضائية الدولية بموجب معاهدة تُعرف بالاتفاق الحكومي الدولي المتعلّق بالمحطة الفضائية، وقّعتها الكيانات الخمسة المشاركة في المحطة الفضائية الدولية وهي روسيا، واليابان، وأوروبا، وكندا، والولايات المتحدة. وعند حصول أي جناية في المحطّة، تسنِد المعاهدة صلاحيات التحقيق فيها إلى الدولة التي ينتمي إليها مرتكبها، إلّا في حال تضرّر أشخاص من الدول الأخرى.
ويعدد الخبراء أهم جوانب استكشاف واستغلال الفضاء القريب، وكيفية تأثيره على حياتنا اليومية، وقوانين الفضاء بالإضافة إلى بعض الأمور التي تثير قلق خبراء الفضاء.
- الأرض والفضاء
عندما نفكّر بالفضاء، تتراود إلى مخيلتنا العربات الجوّالة المتّجهة إلى المريخ وهبوط مركبات أبوللو، وليس الأمور المملّة التي تحصل كلّ يوم مثل الاتصالات، ونظم الإرسال الإذاعية والتلفزيونية، ونظم تحديد المواقع والملاحة وتقنية الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء، التي لن تستطيع المؤسسات المالية العمل في حال عدم وجودها. وفي غياب تلك النظم، لن يستطيع الناس إتمام التحويلات المصرفية أو سحب الأموال من آلات الصرّاف الآلي، ولن نحصل على توقعات للأرصاد الجويّة أو على خدمات البثّ والإنترنت التي تعتمد على الأقمار الصناعية. ومن دونها، سيتوقّف عمل أجهزة الاستجابة الجويّة والبحرية، وسيتعطّل تطبيق إنستغرام على بعض الهواتف، ولن نلتقط إذاعات «سيريوس إكس إم». عبر الراديو، هذا فضلاً عن شلّ بعض المستشفيات التي تحتاج إلى الاندماج بالأقمار الصناعية لتعمل.
وفيما يتعلق بالقوانين، تجتمع الدول التي تملك أقماراً صناعية دقيقة بعيدة كالولايات المتحدة واليابان وجنوب أفريقيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، فيما يسمّى ميثاق الكوارث. وبموجب هذا الميثاق، يتوجب على أي دولة تملك قمراً صناعياً يمرّ فوق المنطقة التي تتعرّض لكارثة (بركان، أو زلزال، أو غيرها) قبل أو خلال أو بعد الحدث، مشاركة بياناتها للتقليل من الأضرار، وإنقاذ الأرواح والممتلكات.
- اتفاقيات الفضاء
إن قانون الفضاء حقيقي، ولا يتعلّق بالممتلكات أو المخلوقات الفضائية. ويتألّف قانون الفضاء من مجموعة من الاتفاقيات والقواعد الإرشادية المحليّة والدولية التي تحكم مسائل كالاستكشاف الفضائي، والاستخدام العسكري والتسليحي، والمسؤولية عن الأضرار. كما أنّه يضمّ مجالات قانونية أخرى من الجنائي إلى التجاري وقانون التأمين والملكية والقانون البيئي.
تشارك الولايات المتحدة حالياً في أربع معاهدات مرتبطة بالفضاء وهي: معاهدة الفضاء الخارجي، وميثاق المسؤولية، وميثاق التسجيل، واتفاق العودة والإنقاذ.
معاهدة الفضاء الخارجي، أو كما يسميها البعض «ميثاق الفضاء الأعظم» هي اتفاق عمره 50 عاماً يرسم العناوين العريضة لكيفية الاستكشاف السلمي للفضاء.
ويقول تشارلز ستوتلر، المدير المساعد لبرنامج الطيران والفضاء في جامعة ميسيسيبي في حديث لوسائل الإعلام الأميركية: «تحمل معاهدة الفضاء الخارجي توقيع جميع الدول التي تعمل في استكشاف الفضاء». وتضمّ هذه المعاهدة 109 دول وتشهد انضمام المزيد بشكل دوري.
تشكّل هذه المعاهدة التي أقرّتها الأمم المتحدة أساساً لقانون الفضاء الدولي، وترتكز على مبدأ توجيهي يعتبر أنّ الاستكشاف الفضائي يجب أن يكون مبادرة سلمية وأنّ جميع الدول تملك حقّ الوصول الحرّ إلى الفضاء. يغطّي هذا الاتفاق مسائل متعدّدة ككيفية تحميل الدول مسؤولية نشاطاتها الفضائية وقواعد تفادي تلويث النظام الشمسي. كما أنّه يتولّى تنظيم الاستخدام العادل للفضاء ويمنع أي دولة من «الاستيلاء على الفضاء الخارجي وما يضمّه من أجسام سماوية».
ولكن مع توسّع المجال التجاري في الفضاء، تحوّل تفسير هذا القانون إلى مسألة خلافية، إذ اعتبر ستوتلر أنّ تفسيراته تختلف بين الدول، حيث إن بعضها يعي أنّه لا يستطيع امتلاك أرض خاصة في الفضاء، بينما يعمد البعض الآخر إلى تغييبه لامتلاك ما يريده من الموارد المستخرجة.
- مشاكل الفضاء
-عسكرة الفضاء. بعد ثلاثة عقود من العمل في قانون الفضاء، حذّر رام جاخو، المدير السابق لمعهد قانون الطيران والفضاء، من مسائل كثيرة أخرى تزداد خطورة كعسكرة الفضاء، واستغلال الموارد الطبيعية، والمخلّفات الفضائية. وقال جاخو إنّ «أكبر التغييرات التي حصلت هي تطوّر التكنولوجيا والأعمال التجارية وعسكرة الفضاء. لقد تنامت هذه المشاكل بشكل ملحوظ ولكنّ القانون لم يجار هذا النمو».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن حديثا عن تأسيس القيادة الفضائية التابعة للجيش الأميركي. من جهته، اعتبر جاخو أنّ روسيا والصين، كما الولايات المتحدة، تؤسسان لقوتهما الفضائية الخاصّة، وأنّ «تكريس القوى يعني التحضير للحرب».
-المخلّفات الفضائية. ومن بين المسائل الخطيرة الأخرى التي يحذّر منها الخبراء اليوم، برزت مشكلة المخلّفات الفضائية.
تسبب هذه القطع التي خلّفتها الصناعات البشرية في الفضاء حوادث ارتطام داخل المدار الأرضي. وتختلف أحجام هذه المخلفات وتتراوح بين كبيرة بحجم دراجة نارية وصغيرة بحجم الأدوات التي يستخدمها روّاد الفضاء. تتحرّك هذه المخلّفات بسرعة مخيفة وتهدّد الأشخاص والمحطات الفضائية والأقمار الصناعية المؤثّرة في التجارة العالمية والبعثات التجارية والعسكرية.
هذه المخلّفات، التي ستتضاعف مع ازدياد الاستكشافات والاستخدامات في الفضاء، ستؤدّي إلى حوادث متعمّدة وأخرى غير متعمّدة. فكلّ حدث ارتطام أو انفصال أو تجزئة سينتج مخلّفات إضافية. وعلى سبيل المثال، أطلقت الصين عام 2007 صاروخاً لتدمير أحد أقمارها الصناعية القديمة، مما أنتج آلاف المخلّفات الجديدة.
ويقول ماثيو شايفر، المدير المساعد لبرنامج الفضاء، والاتصالات، والسايبر، في كلية الحقوق في جامعة نبراسكا: «في حال تسببت هذه المخلّفات بأضرار أو خسارة في الأرواح على سطح الأرض، فإن الدولة التي أطلقتها تتحمّل مسؤوليتها». ولكنّه أشار إلى أنّ وقوع الضرر في الفضاء يزيد من ضبابية الموقف.
بلغ عدد الأقمار الصناعية الموجودة في مدار الأرض منذ مارس (آذار) من العام الجاري 2062 قمراً، تعود ملكية 40 في المائة منها للولايات المتحدة الأميركية. ويعرض الاعتماد الكبير لهذه الدولة على رصيدها الفضائي، إلى خطر أكبر على صعيد المخلّفات الفضائية، سواء عن قصد أو غير قصد.
- سياحة وتنقيبات كونية
يرى شايفر أنّ التقنيات الحديثة، وانخفاض تكلفة الوصول إلى الفضاء، والنماذج التجارية الجديدة، تمهّد لازدهار تجاري محتمل، وأنّ تطوّر النشاطات الفضائية التقليدية سيؤدي إلى بروز مسائل قانونية معقّدة ومستجدة.
صحيح أنّ معاهدة الفضاء الخارجي تنصّ على أنّ أي دولة لا يحقّ لها امتلاك أراض في أي مكان في الفضاء، ولكنّ أحداً لا يحرّك ساكناً لتطبيقها في مواجهة الأفراد والشركات.
وقد بدأت الشركات فعلاً في بناء نماذج لفنادق فضائية، وقريباً، سنرى شركات تجارية خاصة تهبط على القمر لأهداف تنقيبية. علاوة على ذلك، يولّد السفر والسياحة إلى القمر حاجة ملحّة للتشريعات التي تضمن التزام الشركات الخاصة بالحدّ الأدنى من المعاهدة، بحسب شايفر، الذي أضاف أنّ قضيّة المسؤولية ستظهر إلى الواجهة مع انطلاق الرحلات دون المدارية في السنة أو السنة والنصف المقبلة. في الوقت الحالي، تخطّط الصين لإطلاق أوّل قمر صناعي يعمل بالطاقة الشمسية في مدار الأرض، بينما تتلقّى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية طلبات لآلاف الأقمار الصناعية الجديدة التي ستستخدم لتوفير خدمات الإنترنت من الفضاء.
من جهة أخرى، يشدّد البعض كميشيل هانلون، المديرة المساعدة لبرنامج قانون الفضاء في كليّة الحقوق في جامعة ميسيسيبي، بأهمية حقوق الإنسان والحاجة إليها في الفضاء. وقد اعتبرت هانلون أنّ عدد السكان الموجودين في الفضاء سيشهد نموّاً مطرداً.
وأضافت «لا يوجد ميثاق لحقوق الإنسان يضمن حقّ البشر بالحصول على الأكسجين أو بفتح خطّ اتصالات من الفضاء إلى الأرض. لا بدّ من تطوير الأوضاع لحماية البشر في الفضاء».


مقالات ذات صلة

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

علوم تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشرا على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة «​​ماركاريان 501» يدوران حول بعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا أعضاء طاقم مهمة «أرتميس 2»: اختصاصية المهمة كريستينا كوخ (يسار) واختصاصي المهمة جيريمي هانسن (أعلى) والقائد ريد وايزمان (يمين) والطيار فيكتور غلوفر (أسفل) وهم يلتقطون صورة جماعية داخل مركبة أوريون الفضائية (أ.ف.ب) p-circle

مشهد نادر... روّاد «أرتيميس 2» يرصدون ارتطام نيازك بسطح القمر

سنحت لروّاد الفضاء الأربعة الأعضاء في بعثة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) «أرتيميس 2»، خلال وجودهم على القمر، فرصة رؤية ارتطام نيازك بسطحه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تكنولوجيا مشهد «غروب الأرض» خلف القمر خلال مهمة «أرتميس 2» التي حطمت الرقم القياسي لبُعد البشر عن الأرض (أ.ف.ب)

40 دقيقة من الصمت… لماذا تفقد «ناسا» الاتصال مع روادها خلف القمر؟

انقطاع الاتصال خلف القمر ظاهرة طبيعية بسبب غياب خط النظر ما يفرض اعتماداً على الأنظمة الذاتية رغم التقدم التكنولوجي.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)

خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

كشف فريق دولي عن توزيع أكثر دقة للجليد على سطح القمر، ممّا قد يساعد روّاد الفضاء مستقبلاً على تحديد أفضل الأماكن للحصول على المياه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

علي بردى (واشنطن)

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».