المصادفة ومفارقاتها سردياً

حسن عبد الموجود ينوع طرائقها في «حروب فاتنة»

المصادفة ومفارقاتها سردياً
TT

المصادفة ومفارقاتها سردياً

المصادفة ومفارقاتها سردياً

تهيمن المصادفة بمفاجآتها ومفارقاتها العبثية على أغلب قصص المجموعة القصصية «حروب فاتنة» للكاتب القاص حسن عبد الموجود، وتتنقل بتنويعات سردية ومكانية سلسلة في تخوم القص، تحفز القارئ لأن يصبح طرفاً فاعلاً في اللعبة القصصية، وكسر إيهام التوقع لما قد تنتهي إليه. وأيضاً كسر مفهوم الإطلاق التي تفرضه المصادفة بإيقاعها المباغت. لذلك فالكثير من قصص المجموعة هي ابنة المصادفة، أو على الأقل ترتدي أقنعتها، حتى يبدو السرد نفسه وكأنه فعل مصادفة.
فهناك مصادفة المظروف السري، في قصة «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم»، وكيف تتحول من كود سياسي إلى أقنوم عاطفي ينتهي بزواج بطلي القصة. وفي «مِعزة جوركي» تتحول مصادفة المِعزة الضالة إلى حرب صغيرة، تعلو فيها وتيرة العبث والسخرية وظنون التجسس، بين الزوج وزوجته، والأب والأم التي تتوهم أن جارتها تتلصص على هاتفها الجوال فتخفيه في أماكن لا تخطر على البال... وتبلغ المصادفة ذروة السخرية، فالمعزة الرافضة للطعام بعد أن تم حبسها في مكتبة السارد الكاتب تلتهم كل تراث الأدب الروسي بالرف الأول، بينما يقبع تحت أظافرها جزء صغير من أحد الأغلفة عليه اسم مكسيم غوركي؛ فيما يجتر مشهد النهاية المزيد من العبث واللامعنى، فتراث جوركي وعائلته يتحولان إلى روث تلفظه المعزة على هيئة كرات سوداء على أرض الشارع. وفي قصة «النوم مع فتاة مودلياني»، تتضافر مصادفة اللوحة نفسها المعلقة خلف مكتب رئيس البنك، ومصادفة النوم في أثناء اليقظة، ثم يتحول المشهد من مرض يعاني منه البطل الموظف إلى حلم بالنوم في اللوحة نفسها، حتى أنه يجلس أمامها متخيلاً أن المرأة العارية خرجت من الإطار، وسوف تنثني بجذعها على ركبتيه... وفي «العرض الأخير» يصبح المشهد بتوتراته العاطفية والجنسية بين البطل وحبيبته مرآة كاشفة لتناقضات الواقع، في لحظة مفصلية من تاريخه تتقاطع فيها ظلال «ثورة 25 يناير»، مع مصادقة الشقة التي تطل على فناء السجن بضاحية المعادي، والتي تتحول نافذتها وستارتها إلى خشبة مسرح، يتبادل عليها البطلان والمساجين التلصص على بعضهما بعضا.. ثم مصادفة زيارة السلطان المفاجئة وموكبه المهول، وما يفرضه من تغيير خطط السير في شوارع مدينة مسقط العمانية حيث تدور أحداث قصة «إشارات حمراء تفضي إلى البحر»، وسط حالة من الهلع تنتاب البطل الذي يسكن على ربوة في منطقة نائية، لم يتخيل يوماً أن يزورها مسؤول، فيغادرها ومعه صديقته، ويظل يقود عربته في شوارع تحولت فجأة إلى متاهة حتى يجد نفسه على شاطئ البحر... وفي قصة «ليلة العقرب»، تطالعنا مصادفة القردة التي تهبط من بين الأشجار وتقذف بالحجارة أبطالها الثلاثة: الزوج المصري المدرس، وزوجته المدرسة الجديدة التي تهفو لرؤيته، وتحملت مشاقاً في صعود الجبل، وناظر المدرسة اليمني، وهما يهرعان به إلى المشفى بعد أن أصيب بلدغة عقرب في موضع حساس بجسده... ترتطم الزوجة بالأحجار وتسقط دامية، ممزقة ثيابها، لكن ناظر المدرسة المريض المتهم بالتربص جنسياً بها، سرعان ما يخلع قميصه ويسترها به، في مصادفة صنعها وعي الكاتب السارد، ليضفي مسحة من التوتر الدرامي للنص.
تتنوع المصادفة ما بين داخل الحكاية وخارجها، وتشكل ماهية ضمائر السرد وتنقلاتها السلسة، من ضمير المتكلم المفرد المسكون بلذة البوح، إلى ضمير الغائب المفتوح على براح الآخر. بينما تسعى الذات في صراعها العبثي مع العالم إلى كسر العلاقات التراتبية الثابتة بين الأشياء والكائنات، خصوصاً في واقع عبثي، اختلطت فيه الأشياء وتداعت إلى حد الشعور بالتقزز واللامعنى. فبطل قصة «ضحكات التماسيح» الرئيس الشهير لإحدى الصحف الخاصة المحسوبة على المعارضة أصبح بعد تقاعده واعتزاله العمل يقيس حياته بمعدل سيجارتين مسموح له بهما طبياً، وتحت وطأة الشيخوخة وافتقاده الإثارة حتى مع زوجته المسنة الشاردة طوال اليوم، لا يجد بديلاً لكسر طوق العزلة سوى أن يتعمد الإثارة، حين يمشي في الشارع أو يجلس بالمقهى موهماً زبائنه بأن تمساحه كان مربوطاً في رجل الكرسي، ويطلب منهم تحريك أرجلهم ليعرف أين زحف... وفي زيارته المفاجئة الثانية الصاخبة للصحيفة وبعد أن يوبخه رئيس تحريرها لتدخله في العمل، ويطرده رجال الأمن خارج المبني، يكرر حيلة التمساح نفسها مع كوكبة من الصحافيين التفوا حوله، وكأنها مرثية لحياة أصبحت خارج الزمن.
يتعاطف الكاتب مع أبطاله، ويلتمس لهم الأعذار والمبررات، فهي شخصيات مهمشة تعيش على الحافة، فيما تبدو مصادفة السقوط العبثي، وكأنها الإطار الوحيد الذي يحفظ لوجودهم مجرد إشارة مضمرة في المشهد.. يطالعنا هذا على نحو خاص في قصة «غرف منسية»، فالبطل موظف في مكتب الاتصال أيام الوحدة بين مصر وسوريا، وبعد أن رقي إلى درجة مفتش وأصبح رئيساً للمكتب الذي عفا عليه الزمن، وصفصف عليه وزميله، يستعيد ملامح زوجته بعد 30 عاماً من وفاتها في جسد «رغدة» الفتاة الشابة التي جلبها زميله لتنظيف المكتب، فيلاطفها ويضرب لها موعداً غرامياً، لكن صورة الزعيم المعلقة على الحائط في الغرفة تصيبه بالضيق والنفور، ممثلة حاجزاً نفسياً بينه وبين رغبته المشتهاة.
تكشف هذه القصة في ثنايا السرد والوصف سيكولوجية رجال النظام الحاكم المسكونة دوماً بالخوف والخنوع، فمحض صورة صماء معلقة على الحائط تقتل الشهوة الإنسانية في أوج تفجرها... في المقابل وعلى الضفة الأخرى المعارضة للنظام لا تختلف الصورة، فبطل قصة «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم» أحد كوادر العمل السري بالحزب الشيوعي، مضطرب نفسياً، يعاني من أزمة هوية، تتمثل في أن له أكثر من اسم فهو «توفيق»، أو «تو»، وهو «عبد الرسول»، بينما اسمه الحقيقي «عبد الملاك» يكاد ينساه تحت وطأة هويته المفتتة، فلا أحد يتذكره، أو يناديه به، حتى رفيقته «مونيكا» بالحزب التي يسلمها «مظروفاً» به نقود كل فترة، في موعد ومكان متفق عليهما، لا تعرف هذه الأسماء، وهي أيضا بمثابة لغز، فلا يعرف اسمها الحقيقي، إلا بعد أن يقعا في الحب ويتزوجان بشكل سري. يصف الكاتب شخصية «تو» متوغلاً في داخلها على هذا النحو، قائلاً (ص8) «لا يخشى الموت بقدر خوفه من النسيان، لا يرغب في شهرة بقدر رغبته في أن يبقى اسمه أطول وقت، ولو في ذاكرة شخص واحد».
«تو» الذي يسلمه الحزب دراجة كعهدة للتخفيف من عبء المهام المكلف بها، والذي غادر الحزب بلا رجعة، عقب وفاة زوجته في آخر مهمة لهما قبل أن يسلمها المظروف إثر صدمة سيارة لها في شارع عدلي بوسط القاهرة، بعد عشرين عاماً تغير فيها الحزب، يصر على أن يرجع الدراجة خوفاً من أن يتهمه أحد بالسرقة، فيتم استغلاله بفجاجة وهو ودراجته في الدعاية لصالح الحزب في طوره الجديد. حينئذ تتحول الدراجة من مجرد رمز ضمني في القصة إلى بطل حقيقي. لكن رغم ما تشي به هذه القصة من تعرية جوانب معتمة ومهمة في عالم الأحزاب اليسارية السرية، إلا أن نبرة الشعار السياسي كثيراً ما طغت على حركة السرد، فبدا وكأنه مجرد ظل لها. على العكس من ذلك، وفي بعض القصص، خصوصاً قصة «ماء العقرب وتراب العذراء»، ينفتح المشهد القصصي على تعقيدات الواقع سياسياً واجتماعياً بروح مرحة، فبطله الشاب محرر باب الأبراج بصحيفة قومية، يعي أنه يمارس لعبة، تخفف عنه وطأة العيش وحيداً مع والده بعد وفاة أمه وهجر زوجته له... يستثمر البطل ما ينطوي تحت قشرة اللعبة من مصادفات مخاتلة، في توسيع شهرته ومكانته الوظيفية، مدركاً أن حيل الأبراج واللعب معها لا ينفصلان عن حيل اللعب مع الحياة، كما أنها رغم بساطتها تنطوي على مناطق شائكة ممنوع عليه الاقتراب منها، خصوصاً اللعب مع برج «الثور» لأنه برج رئيس الدولة، وخط أحمر يكتبه رئيس التحرير بنفسه... إن قوة الرمز هنا تكمن في مقدرته على التحليق في النص كإشارة خاطفة على تأرجح اللعبة برمتها، ما بين الحضور والغياب، والقوة والضعف.
يعزز الوصفُ وتنوع طرائقه الفضاءَ السردي الرحب في المجموعة، ويبتكر الكاتب ما يمكن تسميته بثنائية «الضخامة والضآلة» لصنع صورة بصرية تكسر الإطار التقليدي في رسم الشخوص، ورصد انعكاسها، ما بين الضوء والعتمة، وضخامة الجسد وضآلة الروح في الحياة... يطالعنا ذلك في وصفه لضخامة جسد العقيد في قصة «حروب فاتنة» في مقابل هشاشة جسد الجندي، الذي يجد صعوبة في ربط بنطال العقيد المفكوك، حتى يساعده العقيد «بشفط أرطال من الدهون بمخزن سري قرب عموده الفقري». وكذلك نظرته لمدير البنك، في «النوم مع فتاة مودلياني»، الذي يشبهه برسوم الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو المعروفة بضخامة هياكلها البشريّة. وفي «ضحكات التماسيح»؛ حيث يصف زوجة البطل المرأة المسنة بأن «وجهها الضخم لا يتناسب مع جسدها الضئيل» وغيرها.
وهكذا، في هذه المجموعة الشيقة، ليس ثمة «حروب فاتنة»، ابنة صراعات فادحة ومصيرية، هناك مآزق إنسانية وشخوصٌ كل همها التعايش مع مصائرها، بينما تبدو المصادفة وكأنها النافذة الوحيدة الباقية أمامها للاستمتاع بلحظة استثنائية على هامش الحياة، بعيداً عن مكابدات هذه المآزق... إنها إذن «مصادفات فاتنة»، فالحياة بلا مصادفة، سواء في حيزها الضيق الخانق، أو المتسع الباهظ، رتيبة إلى حد الضجر والجنون.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.