نظام «الاستثمار الأجنبي».. رحلة الأطوار الأربعة في السعودية

شهدت مسيرة تطور من اقتصاد مغلق وغير متنوع إلى بيئة استثمار مفتوحة ومرنة

جانب من مدينة الجبيل
جانب من مدينة الجبيل
TT

نظام «الاستثمار الأجنبي».. رحلة الأطوار الأربعة في السعودية

جانب من مدينة الجبيل
جانب من مدينة الجبيل

شكلت مسيرة تطور نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية رحلة مثيرة من التطور وسط تطلع السعودية لاستيعاب مجالات الاقتصاد الحديث بما يحويه من إمكانات وقدرات وتصنيع وتنمية مستفيدة من تجارب الأمم ومستجدات خبراتهم.
ومرت السعودية بأربعة أطوار من أنظمة الاستثمار الأجنبي، قبل أن تقّر الدولة نظاما متطورا قبل 14 عاما، لتكشف تلك المسيرة أن السعودية شهدت نقلة نوعية حيث بدأت باقتصاد مغلق غير متنوع ثم تحولت إلى اقتصاد مفتوح متنوع ومرن.
وساهمت تلك الأنظمة مع تطوراتها في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة، جعلت السعودية في المرتبة الـ22 عالميا من حيث سهولة أداء الأعمال بحسب تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
ويرصد هذا التقرير تطور الأنظمة المتعلقة بالاستثمار الأجنبي في السعودية:
أربعة أنظمة للاستثمار
النظام الأول للاستثمار الأجنبي في السعودية صدر في منتصف الخمسينات ميلادية في عام 1957 (1376هـ)، ولم يكن جاذبا لرؤوس الأموال الأجنبية في حينه، ليصدر نظام آخر بعد سبع سنوات في عام 1963 (1383هـ) يتميز بحوافر تشجيعية للمستثمر الأجنبي، مشترطا ألا تقل نسبة رأس المال السعودي في إجمالي المشروع عن 25 في المائة، وهو ما اعتبر قفزة كبيرة في القوانين المنظمة لعمل الاستثمار الأجنبي في السعودية آنذاك.
إلا أن مسيرة التطوير والنهضة في المملكة وتحديات المرحلة فرضت إصدار نظام ثالث للاستثمار الأجنبي تحت مظلة وزارة الصناعة والكهرباء في عام 1978 (1399هـ) كان أكثر انفتاحا وتنظيما، واستمر العمل به نحو 22 عاما، وصولا إلى نظام الاستثمار الحالي، والذي اقترن بقرار تأسيس الهيئة العامة للاستثمار.
والنظام الجديد الذي صدر في عام 2000 اشتمل على عدد من المحفزات النوعية للاستثمار، فقد نص في مادته الرابعة على أن منشآت الاستثمار الأجنبي تتمتع بالمزايا والحوافز والضمانات التي تتمتع بها المنشآت الوطنية، وفقا للأنظمة المعمول بها في المملكة، ومنها حرية تدفق الأموال من المملكة وإليها واحترام الملكية الخاصة، بما في ذلك عدم جواز مصادرة الاستثمارات إلا بحكم قضائي أو نزع ملكيتها إلا للمصلحة العامة مقابل تعويض عادل، والحصول على القروض الميسرة والإعفاءات الجمركية المتاحة.
بالإضافة إلى ذلك، يحق لهذه المنشآت تملك العقارات اللازمة لمزاولة النشاط المرخص أو لسكن العاملين بها وفقا لأحكام نظام تملك غير السعوديين للعقار، كما يحق لها استقدام وكفالة المستثمر الأجنبي وموظفيه غير السعوديين. كما أن للاستثمار في المملكة مزايا وحوافز نوعية أخرى جعلت من المملكة بيئة جاذبة للاستثمار، أبرز هذه المزايا انخفاض أسعار الطاقة وتوفرها، واستقرار الريال السعودي، والهامش الربحي الكبير للاستثمارات، ونسبة المخاطرة المنخفضة، وموقع المملكة الجغرافي، والامتيازات الضريبية، وتوفر الأيدي العاملة، وانخفاض المصاريف التشغيلية، وسهولة الإجراءات وغيرها.
ويمكن القول إن المملكة خلال المراحل الأربعة لنظام الاستثمار الأجنبي بدأت باقتصاد مغلق غير متنوع، ثم تحولت إلى اقتصاد مفتوح متنوع ومرن، ويفسر هذا إيمان الدولة بأهمية الاستثمار وفوائده، وهو حل لمشكلات أيضا غير مباشرة، مثل ارتفاع بند الرواتب والأجور في الميزانية، كون الحكومة هي صاحب العمل الرئيس للمواطنين بنسبة تقارب 90 في المائة، مما يزيد من أعباء التضخم، لذا؛ فالحل يكمن في خلق وظائف جديدة عبر جلب الاستثمارات، وزيادة إيرادات الدولة غير النفطية، وكذلك تحفيز المستثمر المحلي، وتسهيل الإجراءات لممارسة العمل الحر سواءً كان على مستوى المشاريع الكبرى أو المشاريع الصغيرة، وإنشاء الحاضنات المتخصصة.
* الأرقام تتحدث
* ككل دول العالم تسعى المملكة لجذب الاستثمار الأجنبي إليها، لأن ما يميز هذا النوع من الاستثمار نقله للتقنية والتكنولوجيا الحديثة إلى داخل البلاد، فضلا عن توفير فرص عمل للشباب السعودي وإكسابهم المهارات والخبرات التي تؤهلهم لفتح استثماراتهم الخاصة، وإدخال مفاهيم إدارية حديثة، ناهيك عن المزايا الأخرى كتنويع القاعدة الإنتاجية وانعكاسه على خزانة الدولة والاقتصاد الوطني، ودفع عجلة الحراك الاقتصادي، والأرقام التي تخرج بها الهيئات والمؤسسات الحكومية تعكس مدى استفادة اقتصاد المملكة من هذه الاستثمارات، ففي تقرير للهيئة العامة للاستثمار - الجهة المخولة بتنظيم الاستثمار الأجنبي - يظهر أن المملكة تحتضن 11 ألف شركة أجنبية، وأن التدفقات الاستثمارية الأجنبية تجاوزت مائتي مليار دولار سنويا، وفي تقارير اقتصادية أخرى تضاعف حجم الاقتصاد السعودي أربع مرات خلال العشر سنوات الماضية، ليصبح في المركز الأول بين دول المنطقة، وفي المركز التاسع عشر عالميا.
وتقول الأرقام أيضا إن المملكة استحوذت على 38 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المتجهة إلى دول غرب آسيا خلال الخمس سنوات الماضية، كما سجل الاقتصاد السعودي نموا بلغت نسبته 6.8 في المائة. كما بلغ حجم هذا الاقتصاد 2.7 تريليون ريال في عام 1433هـ، وهو ما يدل على تكامل الاستثمارات الأجنبية مع النمو الاقتصادي والنهضة الشاملة التي تشهدها الدولة.
أما عالميا، فتحتل المملكة المرتبة الـ23 ضمن الاقتصادات الخمسة والعشرين الأكبر في العالم، ما يعني أن الاستثمار المحلي فاعل وحاضر بقوة في المشهد الاقتصادي، وربما عزز ذلك ما ينعم به المستثمرون السعوديون من مزايا تمويلية، كبرامج الإقراض من الصناديق التمويلية الصناعية والزراعية والعقارية وصندوق المئوية والبنوك المحلية، وبرامج تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
يضاف لذلك وجود أراض ببنية تحتية وخدمات لوجستية مهيأة للاستثمار في المدن الاقتصادية وعشرات المدن الصناعية بإيجارات تحفيزية سنوية تبدأ من ريال واحد للمتر المربع، والحصول على الخدمات بأسعار مخفضة (مياه، كهرباء، غاز، ديزل، بنزين)، وكذلك الإعفاء الجمركي وينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة تشمل مواد أولية، ومكائن وآلات ومعدات، وقطع غيار المكائن والمعدات والآلات، وفق نظام لحماية وتشجيع الصناعات الوطنية.
القيمة المضافة والعمالة الوطنية
يتوفر الاستثمار في المملكة على الكثير من عناصر القيمة المضافة التي تجعل من هذا الاستثمار أكثر نجاحا وربحية، والتي تشكل بحد ذاتها مزايا رئيسة تضاف إلى مزايا الاستثمار في المملكة.
فعلى صعيد توفر المواد الخام اللازمة للصناعات المستهدفة، تأتي الصناعات البتروكيماوية كأكبر المستفيدين من وضع المملكة كأكبر بلد منتج ومصدر للبترول الذي يصل إلى المستهلك بأسعار تشجيعية تفيد هذا القطاع الصناعي الأكبر في المملكة بشكل خاص، إلى جانب توفر الغاز الطبيعي أو المصاحب كمصدر إضافي للطاقة النظيفة، إلى جانب كونه كمادة لقيم للكثير من الصناعات. كما أن من الممكن القول إن السوق السعودية التيتمتاز بارتفاع القوة الشرائية فيها تعد من عناصر القيمة المضافة للاستثمار في المملكة.
غير أن الأكثر أهمية مما سبق، هو الجهود الحثيثة التي تبذل حاليا لتوفير كوادر وطنية قادرة على المشاركة بقوة في قطاع الإنتاج الصناعي الذي توفره الاستثمارات الجديدة. فالأيدي العاملة الوطنية تعد من أهم عناصر القيمة المضافة في أي اقتصاد.
إن تطور البحث العلمي الذي تجسده جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وانتشار الجامعات في مختلف مناطق المملكة، سيسهم بلا شك في تطوير صناعات جديدة، وتوفير كوادر سعودية شابة وكفؤة قادرة على تحدي غيرها من الكفاءات.
كما أن السياسات والبرامج التي تتبعها الدولة في توسيع مجالات الاستثمار، والاستفادة من المعادن الأخرى التي تختزنها أراضي المملكة، ستوفر بدورها مجالات جديدة رحبة للاستثمار الذي سيعزز من متانة الاقتصاد السعودي.
البحث عن حل المعوقات
في مواجهة ذلك تبقى هناك بعض معوقات الاستثمار التي قد تحد من تنافسية المملكة باعتبارها بيئة جاذبة للاستثمار، ولا شك أن المعنيين بقطاع الاستثمار يدركون هذه المعوقات التي تتطلب البحث عن حلول لها.
ويشكل منتدى التنافسية الذي يعقد اليوم في الرياض منبرا للمكاشفة والبحث عن الحلول اللازمة لهذه المعوقات.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.