عشرة أخطاء تاريخية في مسلسل «الجاسوس» إيلي كوهين

قدم معلومات «متخيلة» عن دور حافظ الأسد وأمين الحافظ وميشيل عفلق

البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
TT

عشرة أخطاء تاريخية في مسلسل «الجاسوس» إيلي كوهين

البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)

بعيداً من سعي مسلسل «الجاسوس» الذي تعرضه شبكة «نيتفلكس» عن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين المعروف باسم «كامل ثابت أمين»، إلى تكريس الصورة البطولية لـجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (موساد) مقابل صورة نمطية مليئة بالخيانة والفساد والتآمر عن الطبقة السياسية السورية، فإن الحلقات الست للمسلسل تضمنت الكثير من الأخطاء التاريخية والسياسية... وإهانات اجتماعية.
صحيح أن «نيتفلكس» أشارت إلى أن «الجاسوس» ليس وثيقة تاريخية بل استند إلى الكتاب الفرنسي «الجاسوس الذي جاء من إسرائيل» وأخرجه الإسرائيلي جدعون راف من بطولة الممثل الساخر ساشا بارون كوهين الذي اشتهر بسلسلة «بورات»، لكنه تحول إلى «وثيقة تاريخية» عن تجربة كوهين من وجهة نظر إسرائيلية، مقابل غياب الرواية السورية باستثناء بعض المقالات والكتب ومقابلات كان بينها واحدة مع القاضي صلاح الضللي الذي حكم على كوهين بالإعدام في 1965. وبحسب مؤرخين وكتاب سوريين، يمكن الحديث عن عشرة أخطاء تاريخية في «الجاسوس»، هي:
الأول، الرئيس أمين الحافظ: أظهر المسلسل علاقة خاصة بين كوهين والحافظ تعود إلى فترة عمل الأخير ملحقاً عسكرياً في السفارة السورية في بوينس آيرس في الأرجنتين. لكن الحافظ نفسه نفى ذلك في مقابلة تلفزيونية في عام 2001. إذ أنه لم يصل إلى هناك حتى عام 1962. أي بعد سفر كوهين إلى دمشق وأضاف أنه تعرف على كوهين بعد اعتقاله بداية 1965. رواية الصداقة ظهرت في صحف مصرية لانتقاد أمين الحافظ في مشاحنات سياسية. لكنها نقلت في دمشق وتل أبيب لإظهار أهمية كوهين عشية إعدامه، بحسب خبير سوري.
تم عرض لقاءات علنية بينهما في الأرجنتين ثم في دمشق. لكن ليست هناك وثيقة أو صورة تدل على اجتماعات علنية بين كوهين والحافظ الذي كان ذهب إلى العراق ثم عاد بوساطة إلى دمشق قبل أن يتوفى قبل بضع سنوات.
الثاني، حافظ الأسد وأمين الحافظ: حافظ الأسد لم يكن فريقاً كما ظهر في صورته في مكتب الموساد. كان ضابطاً في مصر ثم تحول إلى منصب مدني بعد الانفصال عن مصر.
لم يتسلم أمين الحافظ السلطة بعد 8 مارس (آذار) 1963. بل عُيّن وزيراً للداخلية في حكومة صلاح الدين البيطار. أما رئاسة مجلس قيادة الثورة، فقد ذهبت للفريق لؤي الأتاسي حتى صيف ذلك العام. وبعدها تسلم الحافظ رئاسة المجلس الرئاسي، وليس رئاسة الجمهورية. والحافظ لم يكن موجوداً في دمشق في 8 مارس ولا علاقة له بالمطلق بالسيطرة على مبنى الأركان العامة في دمشق، كما جاء في «الجاسوس».
الثالث، ميشيل عفلق: لم يجتمع كوهين بعفلق، ولم يعطِه قوائم بشخصيات مثل رئيس الحكومة خالد العظم لدعوتها إلى سهرة في 8 مارس. في تلك الليلة، كان خالد العظم موجوداً في منزل الطبيب مدني الخيمي وليس في دار كوهين الذي لم يزره قط في حياته. إضافة إلى أنه لا علم لعفلق بتحركات الجيش في انقلاب 8 مارس، بحسب الخبراء.
الرابع، اللواء عبد الكريم زهر الدين: رئيس الأركان في عهد الانفصال، لم يدخل منزل كوهين. من دخل المنزل هو ابن أخيه، الضابط الاحتياط معذي زهر الدين. كان صديقاً لكوهين، لكنه سُرح من الجيش يوم 8 مارس وتولى منصب في وزارة هامشية. كان يجتمع مع كوهين، إما في دار الأخير أو في مقهى الكمال وسط دمشق، وقد تم اعتقاله والحكم عليه بالسجن خمس سنوات عام 1965.
الخامس، الضابط معذي زهر الدين والجبهة: أخذ الضابط معذي كوهين إلى خطوط الجبهة السورية في عام 1962، وقيل أنه حصل على معلومات عسكرية كان لها تأثير في نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967. ولكن الفارق بين زيارة الجبهة وهزيمة الحرب هو خمس سنوات، مما طرح سؤالاً عن أهمية «المعلومات القيمة» التي حصل عليها كوهين نهاية عام 1962 ...في نكسة عام 1967.
يذكر أن جميع ضباط الجبهة نقلوا أو سرحوا، وتغيرت كل الحيثيات العسكرية مراراً، بعد 8 مارس 1963 ولاحقاً بعد حركة 23 فبراير (شباط) 1966. وقال خبير غربي أمس: «مهمة كوهين لم تكن لنقل معلومات عن الجبهة، بل لملاحقة الضباط النازيين المقيمين في دمشق ومتابعة أوضاع يهود دمشق».
السادس، نائب وزير الدفاع: أشار المسلسل إلى أن كوهين رشح لمنصب «نائب وزير دفاع» في الحكومة. أولاً، هذا المنصب لم يكن موجوداً في حينها وقد استحدث بعد عام 1970. ثانياً، لأن هذا المنصب هو حكر على العسكر ولا يمكن لمدني أن يتسلمه.
السابع، اللواء أحمد السويداني. أصبح لاحقاً رئيساً لأركان الجيش السوري. لكن لم يكن مديراً لأمن أمين الحافظ في الأرجنتين، وقصة دخول كوهين إلى مكتب الحافظ وتصويره لمستندات سرية خيالية وبوليسية. وأفاد خبير: «السويداني شكك في كوهين من اليوم الأول، وكان له دور محوري في اعتقاله والكشف عن هويته مطلع عام 1965».
الثامن، الإعدام: ظهر الدمشقي ماجد شيخ الأرض يرفع القبعة لكوهين، حزناً واحتراماً، لحظة إعدامه في ساحة المرجة عام 1965. ويقول مؤرخ: «شيخ الأرض، كما هو معروف جيداً وكما ظهر في العمل، كان أحد ضحايا إيلي كوهين، تعرف عليه على متن باخرة متجهة من أوروبا إلى بيروت عام 1962».
كان كوهين تقرب من شيخ الأرض ودخل معه سوريا عبر لبنان بصفته مستثمراً مغترباً يدعى «كامل أمين ثابت». وخدع شيخ الأرض بهذا الرجل، وقام بمساعدة كوهين على استئجار شقة مفروشة بشارع أبو رمانة بدمشق، تعود ملكيتها لرجل يدعى هيثم قطب، وهو موظف في بنك سوريا المركزي، بحسب معلومات تاريخية. وأضاف الخبير: «العلاقة بين كوهين وشيخ الأرض توقفت عند هذا الحد: أولاً، لأن الأخير كان لا يملك أي معلومات تفيد الجاسوس، كونه بعيداً عن عالم السياسة، وتحديداً بعد 8 مارس عام 1963. ثانياً، تحدث أمام كوهين عن إعجابه بهتلر، مما خلق فتوراً فورياً بينهما منذ عام 1962».
شيخ الأرض لم يحضر الإعدام ولم يرفع قبعته احتراماً للجاسوس، لأنه كان معتقلاً في سجن قلعة دمشق يومها، ومحكوم بالسجن المؤبد. نقل لاحقاً إلى سجن تدمر، وتوفي داخل زنزانته بعد سنوات وقيل إنه انتحر.
كما أن زوجة أمين الحافظ، لم ترتعش حزناً على كوهين يوم إعدامه لأنها لم تكن موجودة في ساحة الإعدام أصلاً، لا هي ولا أمين الحافظ ولا ماجد شيخ الأرض. يضاف إلى ذلك، تلك الصورة المبتذلة التي قدمها المسلسل عن علاقة جنسية بين زوجة الحافظ وكوهين في السفارة السورية في الأرجنتين، أمام أعين زوجها ورضاه.
التاسع، اختراق المجتمع وسهرات المجون: أظهر العمل أن كوهين اخترق المجتمع السوري وصادق شخصيات نافذة. بحسب محاضر التحقيق، التي أذيعت وكان بحضور المحامي الفرنسي جاك مرسييه، فإن أصدقاء كوهين من رجالات الصف الثاني والثالث فقط، لأنه تحاشى شخصيات الصف الأول، خوفاً من فضح هويته.
أحدهم كان الصحافي جورج سيف، الذي أعطاه بطاقة صحافية وعرفه على مساعد ملاح جوي في مطار دمشق يدعى إيلي ألماظ. حكم سيف بعشر سنوات أشغال شاقة، وحكم ألماظ بالسجن ستة أشهر. أما بقية الأصدقاء، فمنهم موظف في وزارة الشؤون البلدية، وآخر موظف في وزارة السياحة، والثالث ابن صحافي، كان يريد أن يزوج كوهين، أو «كامل أمين ثابت»، من شقيقة زوجته، بحسب مؤرخين. واقتربت فتيات من كوهين بهدف الزواج لا أكثر، كونه طرح نفسه على أنه مغترب ثري وأعزب. وجميعهن تمت تبرئتهن أمام المحكمة المخصصة.
كان اللواء صلاح الضللي رئيس المحكمة قال لي في حديث صحافي في 22 مارس 2004. إن كوهين لم يكن سوى «جاسوس عادي». وأضاف: «كان مدفوناً بعد إعدامه في كهف على طريق الديماس لكن بعد فترة أخذت الرفات ودفنت في مكان آخر غير معروف» وأن أغلب من يعرف أين دفن «تسرح من الجيش أو ذهب أو ترك منصبه».
العاشر، حي أبو رمانة والسفارات: أظهر المسلسل «حي أبو رمانة» الدمشقي كأنه ميدان طلعت حرب في القاهرة. كما أشار إلى أن ضابطاً روسياً ساهم في الكشف عنه، لكن هناك أربع روايات عن الكشف عن الجاسوس: ضابط روسي، السفارة الهندية في دمشق التي سجلت ترددات لرسائل مشفرة، الاستخبارات المصرية، اللواء سويداني.



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.