يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد
TT

يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد

إنه ملياردير هندي، من العلماء المهتمين بالأعمال الخيرية، ومن أقطاب صناعة الأدوية. يُعرف بين العامة باسم «روبين هود» بسبب اهتمامه بتوفير الأدوية منخفضة التكاليف للفقراء المعوزين على مستوى العالم.
يدعى يوسف خواجة حميد، إنّه رجل مسن يبلغ من العمر 83 عاماً، وهو رئيس مجلس إدارة شركة «سيبلا» للمستحضرات الدوائية، وهي أكبر شركة لصناعة الأدوية في الهند. تأثر طيلة حياته بوفاة الملايين من الناس حول العالم بسبب احتياجهم إلى الأدوية بأسعار معقولة تحديداً تلك التي كانت متاحة لدى الشركات متعددة الجنسيات، ولكن بتكاليف باهظة لا يتحمّلها الفقراء.
تأسست شركة «سيبلا» عام 1935 على يد والده السيد خواجة عبد الحميد، بناءً على طلب مباشر من المهاتما غاندي، بهدف تحقيق ميزة الاعتماد الذاتي الهندي في مجال صناعة الأدوية وإنتاجها. وُلد حميد الصغير عام 1936، العام التالي على إنشاء الشركة، ومع رحيل والده عام 1972 ورث حميد، الذي تلقّى تعليمه الجامعي في جامعة كامبريدج البريطانية، رفقة شقيقه مصطفى، أعمال الشركة.
- حملته الخيرية
بدأ الأمر في أوائل عام 2000 حينما تواصَل مجموعة من النشطاء من الولايات المتحدة الأميركية مع حميد هاتفياً، ولم يكن قد التقاهم من قبل في حياته، بغية الوصول إلى طريقة للحصول على عقاقير علاج مرض الإيدز بأسعار معقولة لمن يحتاجون بشدّة إلى تلك الأدوية ولا يتحمّلون تكاليفها الباهظة، ناهيكم بقبضات براءات الاختراع الخانقة.
وبعد مرور أربعة أيام على التواصل الهاتفي مع حميد، تحدّد ميعاد الاجتماع الأول مع مجموعة النشطاء في العاصمة لندن. ووجهوا إليه سؤالاً مباشراً خلال الاجتماع: إلى أي مدى يمكن لسعر عقاقير الإيدز أن ينخفض، وفقاً لتقديره؟ وما حجم ما يمكن إنتاجه من تلك العقاقير لدى شركته؟ وكان حميد يتابع إجراء حساباته الخاصة بالورقة والقلم في أثناء متابعته للاجتماع، وانتهى إلى أنّه يمكنه تخفيض السعر بما يناهز النصف تقريباً، إلى ما يقرب من 800 دولار في العام. وبعد مرور شهر كامل، ومن خلال جهود مجموعة النشطاء الدؤوبة، تلقى حميد دعوة لإلقاء محاضرة في مؤتمر المفوضية الأوروبية في بروكسل عن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز)، والملاريا، والسل، والحد من الفقر.
وقال حميد أمام المؤتمر الدُّولي الذي ضمّ وزراء الصّحة، ورؤساء الوزراء السّابقين، وممثلين عن شركات الأدوية متعدد الجنسيات، إنّه يستطيع بيع مجموعة من ثلاثة عقاقير مضادة للفيروسات العكوسية لعلاج مرض الإيدز مقابل 800 دولار فقط لكل مريض على أساس سنوي. أثار هذا التصريح غضب شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي كانت تبيع نفس المجموعة من العقاقير مقابل 12 ألف دولار للمريض الواحد على أساس سنوي. وكان ذلك في ذروة انتشار وباء الإيدز حول العالم مع الملايين من الفقراء الأفارقة الذين يلقون حتفهم بسبب نقص توافر الأدوية بأسعار معقولة يتحملون تكاليفها.
بحلول عام 2001، عقد حميد العزم من خلال شركته «سيبلا» للمستحضرات الدّوائية على الاستفادة من الثّغرة القائمة في قانون براءات الاختراع الهندي التي كانت تنص في ذلك الوقت على أنّه لا يمكن للمرء تسجيل براءة اختراع المنتجات في المجالات ذات الصّلة بالغذاء والصّحة، ويمكن فقط تسجيل براءات الاختراع الخاصة بالعملية لا بالمنتج. وواجهت شركة «سيبلا» كبريات شركات الأدوية في العالم عن طريق استنساخ العقاقير المضادة للإيدز وبيعها بأبخس الأسعار للمرضى الفقراء بما يقل عن دولار أميركي واحد لكل مريض في اليوم. من ثمّ عادت الشّركة لتخفض هذا السعر إلى 20 سنتاً أميركياً في اليوم منذ ذلك الحين. واليوم، هناك ما يقرب من سبعة ملايين مريض حول العالم يتناولون العقاقير من إنتاج شركة «سيبلا» في العلاج. وسرعان ما ركّزت وسائل الإعلام العالمية اهتمامها على حميد ووصفته بأنّه «روبين هود» العصر الحديث، ومن ثمّ تلقّت شركة «سيبلا» سيلاً هائلاً من أوامر شراء العقاقير.
وصرح حميد قائلاً: «لا أهدف أبداً إلى جني المزيد من الأموال استغلالاً لتلك الأمراض الشّنيعة التي تمزّق نسيج المجتمعات تمزيقاً». ولكنّه تلقّى هجوماً عارماً، كما كان متوقعاّ، من شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي وصمته بـ«قرصان العقاقير»، فانهالت عليه الدّعاوى القضائية العديدة في داخل الهند وخارجها. وقالت شركات الأدوية الدُّولية إنّها تُنفق مليارات الدولارات على الأبحاث وابتكار الأدوية الجديدة، ولذلك ينبغي السّماح لها بالحصول على أرباح معقولة تضاهي تلك الجهود الهائلة المبذولة. ودافع حميد عن موقفه قائلاً إنّ مبتكري الأدوية والعقاقير الحقيقيين نادراً ما يحصلون على حقوقهم المعتبرة وإنّ عمالقة صناعة الأدوية العالمية يشترون حقوق الملكية الفكريّة وبراءات الاختراع لقاء بضعة ملايين من الدُّولارات لا تتناسب أبداً مع ما يحققونه من مليارات هائلة في إنتاج الأدوية نفسها وتوزيعها.
ومن ثم، بدأت شركات الأدوية متعدّدة الجنسيات في خسارة حرب العلاقات العامة على الصّعيد العالمي. كما قرّرت الشّركات الدُّولية تخفيض أسعار عقاقير علاج الإيدز لكنّها لم تتمكّن من مضاهاة أسعار شركة «سيبلا» الهندية أبداً. وفي الهند، يمكن قياس فرق السعر بين أدوية الشركات متعددة الجنسيات وأدوية شركة «سيبلا» من واقع حقيقة أنّ الشركة الهندية تبيع عقار علاج سرطان المعدة اليوم بسعر يبلغ 6500 روبية هندية لكل 30 قرصاً مقابل 280 ألف روبية هندية لنفس العقار بنفس عدد الأقراص تتقاضاها شركات الأدوية متعددة الجنسيات العاملة في البلاد.
وفي عام 2005، وإثر التزام من منظمة التجارة العالمية، تدخّلت الحكومة الهندية بتعزيز قوانين براءات الاختراع لديها اتساقاً مع المعايير العالمية المعمول بها. ويمكن للشركات الهندية اليوم انتهاك براءات الاختراع في حالات الطوارئ الوطنية فقط. ويقول حميد عن ذلك، إنّ قوانين براءات الاختراع الخاصة بكل دولة لا بد أن تستند إلى الاحتياجات الوطنية لذلك البلد، وينبغي لتلك القوانين أن تكون ذات طبيعة وطنية خالصة وليست دولية بحال.
ويوجه حميد الاتهامات عبر تفاعلاته المستمرة مع مختلف وسائل الإعلام إلى صناعة المستحضرات الدّوائية الغربية بأنّها «تحتجز ثلاثة مليارات شخص من سكان العالم الثالث رهائن الحصول على فِدى من خلال استغلال الأوضاع الدّوائية الاحتكارية لفرض قيم سعرية باهظة». كما أنّه تعهد بتكريس نفسه تماماً لصناعة العقاقير المنقذة لحياة الناس، وغير المشمولة بحماية العلامات التجارية الكبرى، والموجهة إلى سكان البلدان الأكثر فقراً على مستوى العالم. هذا، وكانت مجموعة «سيبلا» قد تمكّنت من إنتاج عقار مضاد لمرض الملاريا بسعر أدنى من دولار أميركي واحد. كما أنّها توفر التقانة المجانية للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية لمعاونة الشركات الأخرى التي ترغب في إنتاج الأدوية الخاصة بها. ومن المنتجات القادمة على حملة شركة «سيبلا» هناك عقار منخفض التكاليف لعلاج مرض السرطان.
وبرز دور حميد في معركة الإنتاج الجماعي للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية في أفريقيا ضمن الفيلم الوثائقي بعنوان «حرائق الدماء». وفي حديثه للفيلم الوثائقي قال حميد، كما نقلت صحيفة «إنديا توداي» عنه: «إن قصة يوسف حميد سوف تجعل كل مواطن هندي يشعر بالفخر، فهو الرجل الوحيد الذي قرّر السّباحة ضدّ التيار العالمي وبيع العقاقير بهدف إنقاذ أرواح الناس بصرف النّظر تماماً عن الأرباح المادية».
- الحياة الشخصية
على الصعيد الشّخصي، يملك يوسف حميد قصة إثنية مثيرة للاهتمام، فهو نجل أحد العلماء الهنود ووالدته كانت تعتنق الديانة اليهودية. ويمتد نسبه من خلال الارتباطات الروحية إلى أباطرة الأسر المغولية حتى «خواجة عبيد الله أحرار»، (1403 - 1490)، العالم الصوفي النقشبندي الكبير من أوزبكستان. كما لقي أجداده لوالدته حتفهم في الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق اليهود في ألمانيا النازية.
تلقّى حميد تعليمه في جامعة كامبريدج، ونال درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية تحت إشراف العالم ألكسندر تود الحائز على جائزة نوبل في عام 1960، من ثمّ عاد أدراجه إلى الهند لينضم إلى شركة والده الدّوائية. كان ذلك عندما تواجه وجهاً لوجه مع قوانين براءات الاختراع الهندية ضمن الحقبة البريطانية التي كانت تفرض القيود الكثيرة على شركات صناعة الأدوية المحلية. ولقد اضطلع يوسف حميد، رفقة أقرانه، بدور بارز في تشكيل رابطة صنّاع الأدوية في الهند، ومارسوا الضغوط على الحكومة بشأن تغيير قوانين براءات الاختراع في البلاد، التي دخلت حيّز التنفيذ في خاتمة المطاف اعتباراً من عام 1972 في استهلال حقبة ذهبية جديدة في قطاع صناعة الأدوية في شبه القارة الهندية.
يقول حميد في عدد من المقابلات الشّخصية التي أُجريت معه: «لست معارضاً لبراءات الاختراع، ولكنّني عدو لدود للاحتكار».
وما وراء عالم المال والأعمال، معروف عن الدكتور حميد شغفه بالأعمال الخيرية، وإدخال المرونة اللازمة في مجال الطّب من خلال صناديق «سيبلا» الخيرية التي تمارس عملها في مجالات توفير الدّعم المالي والرّعاية الصّحية والتعليم للجماهير المحرومة من هذه الميزات. وحصل الدكتور حميد على ثالث أرفع وسام مدني هندي: وسام بادما بهوشان، في عام 2005، وهو زميل فخري لكلية كرايست في جامعة كامبريدج، وكان واحداً من بين 25 شخصية حازت جائزة أعظم الشّخصيات الهندية العالمية الحيّة، وذلك بالإضافة إلى تكريمه الشّخصي في عام 2019 الجاري، في قائمة الزملاء البارزين الجدد في الجمعية الملكية البريطانية، وهي الأكاديمية العلمية المستقلة في المملكة المتحدة ودول الكومنولث، المكرسة جهودها لتعزيز التميز في مختلف العلوم.
كما كانت شخصية الدكتور حميد موضوعاً لمقالات ذات مغزى نُشرت على صفحات الصّحف والمجلات العالمية مثل: «صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة تايم، وصحيفة الغارديان، وصحيفة لوموند، ومجلة إيكونوميست، وفاينانشيال تايمز، وتايمز لندن، وكورير ديلا سيرا، ودير شبيغل، ومجلة وايرد»، إلى جانب العديد من المطبوعات الصّحافية الكبيرة الأخرى، فضلاً عن المنافذ الإعلامية الأخرى مثل شبكات «إيه بي سي»، و«هيئة الإذاعة البريطانية»، و«سي إن إن» الإخبارية، وبرنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» الإخبارية.
والدكتور حميد متزوج من فريدة ذات الأصول الأفغانية وليس لديه منها أطفال. وهما يعيشان متنقلين بين لندن ومومباي. أمّا شقيقه الأصغر مصطفى حميد، فيشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي لشركة «سيبلا». وله ثلاثة أولاد، بما في ذلك سامينا فازيرالي، التي من المنتظر أن تتولى قيادة المؤسسة الدوائية الكبيرة في المستقبل.
وعلى الرّغم من ذلك، فلقد تقاعد الدكتور يوسف حميد عن الإدارة النّشطة للمجموعة، وقال في مقابلة إعلامية أُجريت مؤخراً: «أعتقد، إنْ كنت تعمل في قطاع الرعاية الصحية، فهو ليس مجالاً مدرّاً للأرباح بالمعنى الصِّرف ذلك لأنك تساعد بالأساس في إنقاذ أرواح الناس. فأنت لا تعمل في صناعة مواد البناء أو اللوازم الكهربائية. لذلك، عندما تحاول إنقاذ أرواح الآخرين، فلا بد أن تعتني بإنسانيتك أولاً».
«فماذا عن المستثمرين الأجانب؟ هل يوافقونك الرؤية؟»، أجاب الدكتور حميد بحزم: «إن كان لا يعجبهم الأمر، فليتوفقوا عن الاستثمار، أقولها لهم بكل صراحة».



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.