يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد
TT

يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد

إنه ملياردير هندي، من العلماء المهتمين بالأعمال الخيرية، ومن أقطاب صناعة الأدوية. يُعرف بين العامة باسم «روبين هود» بسبب اهتمامه بتوفير الأدوية منخفضة التكاليف للفقراء المعوزين على مستوى العالم.
يدعى يوسف خواجة حميد، إنّه رجل مسن يبلغ من العمر 83 عاماً، وهو رئيس مجلس إدارة شركة «سيبلا» للمستحضرات الدوائية، وهي أكبر شركة لصناعة الأدوية في الهند. تأثر طيلة حياته بوفاة الملايين من الناس حول العالم بسبب احتياجهم إلى الأدوية بأسعار معقولة تحديداً تلك التي كانت متاحة لدى الشركات متعددة الجنسيات، ولكن بتكاليف باهظة لا يتحمّلها الفقراء.
تأسست شركة «سيبلا» عام 1935 على يد والده السيد خواجة عبد الحميد، بناءً على طلب مباشر من المهاتما غاندي، بهدف تحقيق ميزة الاعتماد الذاتي الهندي في مجال صناعة الأدوية وإنتاجها. وُلد حميد الصغير عام 1936، العام التالي على إنشاء الشركة، ومع رحيل والده عام 1972 ورث حميد، الذي تلقّى تعليمه الجامعي في جامعة كامبريدج البريطانية، رفقة شقيقه مصطفى، أعمال الشركة.
- حملته الخيرية
بدأ الأمر في أوائل عام 2000 حينما تواصَل مجموعة من النشطاء من الولايات المتحدة الأميركية مع حميد هاتفياً، ولم يكن قد التقاهم من قبل في حياته، بغية الوصول إلى طريقة للحصول على عقاقير علاج مرض الإيدز بأسعار معقولة لمن يحتاجون بشدّة إلى تلك الأدوية ولا يتحمّلون تكاليفها الباهظة، ناهيكم بقبضات براءات الاختراع الخانقة.
وبعد مرور أربعة أيام على التواصل الهاتفي مع حميد، تحدّد ميعاد الاجتماع الأول مع مجموعة النشطاء في العاصمة لندن. ووجهوا إليه سؤالاً مباشراً خلال الاجتماع: إلى أي مدى يمكن لسعر عقاقير الإيدز أن ينخفض، وفقاً لتقديره؟ وما حجم ما يمكن إنتاجه من تلك العقاقير لدى شركته؟ وكان حميد يتابع إجراء حساباته الخاصة بالورقة والقلم في أثناء متابعته للاجتماع، وانتهى إلى أنّه يمكنه تخفيض السعر بما يناهز النصف تقريباً، إلى ما يقرب من 800 دولار في العام. وبعد مرور شهر كامل، ومن خلال جهود مجموعة النشطاء الدؤوبة، تلقى حميد دعوة لإلقاء محاضرة في مؤتمر المفوضية الأوروبية في بروكسل عن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز)، والملاريا، والسل، والحد من الفقر.
وقال حميد أمام المؤتمر الدُّولي الذي ضمّ وزراء الصّحة، ورؤساء الوزراء السّابقين، وممثلين عن شركات الأدوية متعدد الجنسيات، إنّه يستطيع بيع مجموعة من ثلاثة عقاقير مضادة للفيروسات العكوسية لعلاج مرض الإيدز مقابل 800 دولار فقط لكل مريض على أساس سنوي. أثار هذا التصريح غضب شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي كانت تبيع نفس المجموعة من العقاقير مقابل 12 ألف دولار للمريض الواحد على أساس سنوي. وكان ذلك في ذروة انتشار وباء الإيدز حول العالم مع الملايين من الفقراء الأفارقة الذين يلقون حتفهم بسبب نقص توافر الأدوية بأسعار معقولة يتحملون تكاليفها.
بحلول عام 2001، عقد حميد العزم من خلال شركته «سيبلا» للمستحضرات الدّوائية على الاستفادة من الثّغرة القائمة في قانون براءات الاختراع الهندي التي كانت تنص في ذلك الوقت على أنّه لا يمكن للمرء تسجيل براءة اختراع المنتجات في المجالات ذات الصّلة بالغذاء والصّحة، ويمكن فقط تسجيل براءات الاختراع الخاصة بالعملية لا بالمنتج. وواجهت شركة «سيبلا» كبريات شركات الأدوية في العالم عن طريق استنساخ العقاقير المضادة للإيدز وبيعها بأبخس الأسعار للمرضى الفقراء بما يقل عن دولار أميركي واحد لكل مريض في اليوم. من ثمّ عادت الشّركة لتخفض هذا السعر إلى 20 سنتاً أميركياً في اليوم منذ ذلك الحين. واليوم، هناك ما يقرب من سبعة ملايين مريض حول العالم يتناولون العقاقير من إنتاج شركة «سيبلا» في العلاج. وسرعان ما ركّزت وسائل الإعلام العالمية اهتمامها على حميد ووصفته بأنّه «روبين هود» العصر الحديث، ومن ثمّ تلقّت شركة «سيبلا» سيلاً هائلاً من أوامر شراء العقاقير.
وصرح حميد قائلاً: «لا أهدف أبداً إلى جني المزيد من الأموال استغلالاً لتلك الأمراض الشّنيعة التي تمزّق نسيج المجتمعات تمزيقاً». ولكنّه تلقّى هجوماً عارماً، كما كان متوقعاّ، من شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي وصمته بـ«قرصان العقاقير»، فانهالت عليه الدّعاوى القضائية العديدة في داخل الهند وخارجها. وقالت شركات الأدوية الدُّولية إنّها تُنفق مليارات الدولارات على الأبحاث وابتكار الأدوية الجديدة، ولذلك ينبغي السّماح لها بالحصول على أرباح معقولة تضاهي تلك الجهود الهائلة المبذولة. ودافع حميد عن موقفه قائلاً إنّ مبتكري الأدوية والعقاقير الحقيقيين نادراً ما يحصلون على حقوقهم المعتبرة وإنّ عمالقة صناعة الأدوية العالمية يشترون حقوق الملكية الفكريّة وبراءات الاختراع لقاء بضعة ملايين من الدُّولارات لا تتناسب أبداً مع ما يحققونه من مليارات هائلة في إنتاج الأدوية نفسها وتوزيعها.
ومن ثم، بدأت شركات الأدوية متعدّدة الجنسيات في خسارة حرب العلاقات العامة على الصّعيد العالمي. كما قرّرت الشّركات الدُّولية تخفيض أسعار عقاقير علاج الإيدز لكنّها لم تتمكّن من مضاهاة أسعار شركة «سيبلا» الهندية أبداً. وفي الهند، يمكن قياس فرق السعر بين أدوية الشركات متعددة الجنسيات وأدوية شركة «سيبلا» من واقع حقيقة أنّ الشركة الهندية تبيع عقار علاج سرطان المعدة اليوم بسعر يبلغ 6500 روبية هندية لكل 30 قرصاً مقابل 280 ألف روبية هندية لنفس العقار بنفس عدد الأقراص تتقاضاها شركات الأدوية متعددة الجنسيات العاملة في البلاد.
وفي عام 2005، وإثر التزام من منظمة التجارة العالمية، تدخّلت الحكومة الهندية بتعزيز قوانين براءات الاختراع لديها اتساقاً مع المعايير العالمية المعمول بها. ويمكن للشركات الهندية اليوم انتهاك براءات الاختراع في حالات الطوارئ الوطنية فقط. ويقول حميد عن ذلك، إنّ قوانين براءات الاختراع الخاصة بكل دولة لا بد أن تستند إلى الاحتياجات الوطنية لذلك البلد، وينبغي لتلك القوانين أن تكون ذات طبيعة وطنية خالصة وليست دولية بحال.
ويوجه حميد الاتهامات عبر تفاعلاته المستمرة مع مختلف وسائل الإعلام إلى صناعة المستحضرات الدّوائية الغربية بأنّها «تحتجز ثلاثة مليارات شخص من سكان العالم الثالث رهائن الحصول على فِدى من خلال استغلال الأوضاع الدّوائية الاحتكارية لفرض قيم سعرية باهظة». كما أنّه تعهد بتكريس نفسه تماماً لصناعة العقاقير المنقذة لحياة الناس، وغير المشمولة بحماية العلامات التجارية الكبرى، والموجهة إلى سكان البلدان الأكثر فقراً على مستوى العالم. هذا، وكانت مجموعة «سيبلا» قد تمكّنت من إنتاج عقار مضاد لمرض الملاريا بسعر أدنى من دولار أميركي واحد. كما أنّها توفر التقانة المجانية للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية لمعاونة الشركات الأخرى التي ترغب في إنتاج الأدوية الخاصة بها. ومن المنتجات القادمة على حملة شركة «سيبلا» هناك عقار منخفض التكاليف لعلاج مرض السرطان.
وبرز دور حميد في معركة الإنتاج الجماعي للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية في أفريقيا ضمن الفيلم الوثائقي بعنوان «حرائق الدماء». وفي حديثه للفيلم الوثائقي قال حميد، كما نقلت صحيفة «إنديا توداي» عنه: «إن قصة يوسف حميد سوف تجعل كل مواطن هندي يشعر بالفخر، فهو الرجل الوحيد الذي قرّر السّباحة ضدّ التيار العالمي وبيع العقاقير بهدف إنقاذ أرواح الناس بصرف النّظر تماماً عن الأرباح المادية».
- الحياة الشخصية
على الصعيد الشّخصي، يملك يوسف حميد قصة إثنية مثيرة للاهتمام، فهو نجل أحد العلماء الهنود ووالدته كانت تعتنق الديانة اليهودية. ويمتد نسبه من خلال الارتباطات الروحية إلى أباطرة الأسر المغولية حتى «خواجة عبيد الله أحرار»، (1403 - 1490)، العالم الصوفي النقشبندي الكبير من أوزبكستان. كما لقي أجداده لوالدته حتفهم في الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق اليهود في ألمانيا النازية.
تلقّى حميد تعليمه في جامعة كامبريدج، ونال درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية تحت إشراف العالم ألكسندر تود الحائز على جائزة نوبل في عام 1960، من ثمّ عاد أدراجه إلى الهند لينضم إلى شركة والده الدّوائية. كان ذلك عندما تواجه وجهاً لوجه مع قوانين براءات الاختراع الهندية ضمن الحقبة البريطانية التي كانت تفرض القيود الكثيرة على شركات صناعة الأدوية المحلية. ولقد اضطلع يوسف حميد، رفقة أقرانه، بدور بارز في تشكيل رابطة صنّاع الأدوية في الهند، ومارسوا الضغوط على الحكومة بشأن تغيير قوانين براءات الاختراع في البلاد، التي دخلت حيّز التنفيذ في خاتمة المطاف اعتباراً من عام 1972 في استهلال حقبة ذهبية جديدة في قطاع صناعة الأدوية في شبه القارة الهندية.
يقول حميد في عدد من المقابلات الشّخصية التي أُجريت معه: «لست معارضاً لبراءات الاختراع، ولكنّني عدو لدود للاحتكار».
وما وراء عالم المال والأعمال، معروف عن الدكتور حميد شغفه بالأعمال الخيرية، وإدخال المرونة اللازمة في مجال الطّب من خلال صناديق «سيبلا» الخيرية التي تمارس عملها في مجالات توفير الدّعم المالي والرّعاية الصّحية والتعليم للجماهير المحرومة من هذه الميزات. وحصل الدكتور حميد على ثالث أرفع وسام مدني هندي: وسام بادما بهوشان، في عام 2005، وهو زميل فخري لكلية كرايست في جامعة كامبريدج، وكان واحداً من بين 25 شخصية حازت جائزة أعظم الشّخصيات الهندية العالمية الحيّة، وذلك بالإضافة إلى تكريمه الشّخصي في عام 2019 الجاري، في قائمة الزملاء البارزين الجدد في الجمعية الملكية البريطانية، وهي الأكاديمية العلمية المستقلة في المملكة المتحدة ودول الكومنولث، المكرسة جهودها لتعزيز التميز في مختلف العلوم.
كما كانت شخصية الدكتور حميد موضوعاً لمقالات ذات مغزى نُشرت على صفحات الصّحف والمجلات العالمية مثل: «صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة تايم، وصحيفة الغارديان، وصحيفة لوموند، ومجلة إيكونوميست، وفاينانشيال تايمز، وتايمز لندن، وكورير ديلا سيرا، ودير شبيغل، ومجلة وايرد»، إلى جانب العديد من المطبوعات الصّحافية الكبيرة الأخرى، فضلاً عن المنافذ الإعلامية الأخرى مثل شبكات «إيه بي سي»، و«هيئة الإذاعة البريطانية»، و«سي إن إن» الإخبارية، وبرنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» الإخبارية.
والدكتور حميد متزوج من فريدة ذات الأصول الأفغانية وليس لديه منها أطفال. وهما يعيشان متنقلين بين لندن ومومباي. أمّا شقيقه الأصغر مصطفى حميد، فيشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي لشركة «سيبلا». وله ثلاثة أولاد، بما في ذلك سامينا فازيرالي، التي من المنتظر أن تتولى قيادة المؤسسة الدوائية الكبيرة في المستقبل.
وعلى الرّغم من ذلك، فلقد تقاعد الدكتور يوسف حميد عن الإدارة النّشطة للمجموعة، وقال في مقابلة إعلامية أُجريت مؤخراً: «أعتقد، إنْ كنت تعمل في قطاع الرعاية الصحية، فهو ليس مجالاً مدرّاً للأرباح بالمعنى الصِّرف ذلك لأنك تساعد بالأساس في إنقاذ أرواح الناس. فأنت لا تعمل في صناعة مواد البناء أو اللوازم الكهربائية. لذلك، عندما تحاول إنقاذ أرواح الآخرين، فلا بد أن تعتني بإنسانيتك أولاً».
«فماذا عن المستثمرين الأجانب؟ هل يوافقونك الرؤية؟»، أجاب الدكتور حميد بحزم: «إن كان لا يعجبهم الأمر، فليتوفقوا عن الاستثمار، أقولها لهم بكل صراحة».



«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
TT

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب قديم تحنّط طبيعياً في جليد سيبيريا الدائم (الأرض دائمة التجمّد).

ووفق «الغارديان»، كانت البقايا المحفوظة بشكل مدهش لجرو ذئب أنثى يبلغ من العمر شهرين قد اكتُشفت عام 2011 قرب قرية تومات في شمال شرقي سيبيريا. ويُعتقد أن الحيوان قد نفق قبل نحو 14 ألفاً و400 عام، بعدما أدّى انهيار أرضي إلى تدمير جحره واحتجاز الجرو وأفراد آخرين بداخله.

وقد ساعدت الظروف شديدة البرودة على حفظ جسد الذئب لآلاف السنوات، وعند فحص البقايا لاحقاً، تبيَّن للعلماء أنّ محتويات معدته كانت محفوظة أيضاً. وكان جزء من آخر وجبة تناولها الذئب قطعة من لحم وحيد القرن الصوفي، وهو حيوان عاشب ضخم انقرض قبل نحو 14 ألف عام.

وقال الدكتور كاميلو تشاكون دوكي، الباحث السابق في «مركز علم الوراثة القديمة»، وهو تعاون بين جامعة استوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، إنّ هذا الاكتشاف شكّل فرصة نادرة. وأضاف أنه إذا أمكن استخراج التركيب الوراثي لوحيد القرن من هذه القطعة من اللحم المهضوم جزئياً، فقد يتيح ذلك فهماً أعمق لحالة هذا النوع في لحظاته الأخيرة قبل الانقراض.

وأوضح تشاكون دوكي أن الحصول على عيّنات محفوظة جيداً من الأيام الأخيرة لعدد من الأنواع المُنقرضة يُعدّ أمراً نادراً، كما أنّ استعادة التركيبات الوراثية لحيوانات عاشت قبيل انقراضها مباشرةً تُعد «مهمّة صعبة». ومع ذلك، قد تحمل الشيفرة الوراثية، لجهة المبدأ، دلائل مهمّة حول الأحداث التي أدَّت إلى انقراض هذه الكائنات.

وفي دراسة نُشرت في مجلة «بيولوجية التركيب الوراثي والتطوّر»، شرح الباحثون كيف تمكّنوا من فكّ شيفرة التركيب الوراثي لوحيد القرن الصوفي من قطعة اللحم المتشابكة. وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يتحقَّق فيها مثل هذا الإنجاز الخاص بكائن من العصر الجليدي يُعثَر عليه داخل معدة حيوان آخر. وقال تشاكون دوكي: «وفق علمنا، يُعدّ هذا أصغر وحيد قرن صوفي نعرف تركيبه الوراثي حتى الآن».

وكان العلماء يتوقّعون العثور على دلائل لما يُعرف بـ«تآكل الجينوم»، وهي ظاهرة تفقد فيها الأنواع المتراجعة تنوّعها الوراثي نتيجة تقلّص أعدادها، والتزاوج الداخلي، والضغوط البيئية في أسوأ الأحوال، وهو ما يؤدّي غالباً إلى تراكم طفرات ضارّة تجعل الأنواع أكثر عرضة للانقراض. مع ذلك، جاءت هذه النتائج مُخالفة للتوقعات.

وتابع تشاكون دوكي: «ما وجدناه لم يكن كذلك إطلاقاً». وبعد مقارنة الحمض النووي لوحيد القرن الصوفي مع التركيب الوراثي لعيّنتين أقدم تعودان إلى 18 ألفاً و49 ألف عام، خلص الباحثون إلى أنّ أعداد هذا النوع ظلّت كبيرة ومستقرّة نسبياً قبل أن تنقرض بسرعة لافتة. وأضاف: «أيّاً كان السبب الذي قضى على هذا النوع، فقد حدث على نحو سريع نسبياً»، مُرجّحاً أن يكون ذلك خلال 300 إلى 400 عام سبقت اختفاء وحيد القرن الصوفي.

من جانبه، قال أستاذ علم الجينوم التطوّري في مركز علم الوراثة القديمة، لوف دالين، إنّ وحيد القرن الصوفي يبدو أنه احتفظ بتعداد قابل للحياة لمدة 15 ألف عام بعد وصول البشر الأوائل إلى المنطقة، ممّا يشير إلى أنّ التغيُّر المناخي، وليس الصيد، كان السبب الرئيسي لانقراضه. ولفت إلى أنّ العامل الأبرز كان مرحلة الاحترار المفاجئ في أواخر العصر الجليدي، المعروفة باسم «المرحلة الدافئة بولينغ أليرود»، التي غيَّرت ملامح المشهد الطبيعي بين 14 ألفاً و700 و12 ألفاً و900 عام مضت.

ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بجرو الذئب إلى التهام لحم وحيد القرن الصوفي، وإنما الباحثون يرجّحون أنه ربما تغذَّى على جثة الحيوان بعدما اصطاده قطيع من الذئاب، أو أنه تلقّى هذه «الوجبة» من أحد أفراد القطيع الذي تقيّأ قطعة اللحم ذات الشعر.

وعام 2015، عُثر في الموقع نفسه على بقايا جرو ذئب ثانٍ يُعتقد أنه شقيق الأول. وأظهرت الفحوص أنّ كليهما كانا قد بدآ بتناول الطعام الصلب، لكنهما ظلّا يعتمدان أيضاً على حليب الأم.


دراسة تكشف عن سر الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة

الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
TT

دراسة تكشف عن سر الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة

الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)

هل تبحثين عن طريقة لتحسين صحتك النفسية بعد الولادة؟ تشير دراسة جديدة إلى أن الرضاعة الطبيعية لا تقتصر على فوائد الطفل فقط، بل يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب والقلق لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد الولادة.

ويسلط تقرير لصحيفة «نيويورك بوست» على التفاصيل العلمية حول تأثير الرضاعة على الصحة النفسية للأمهات وأهم النصائح لممارسة الرضاعة الطبيعية بشكل فعال.

كثير من النساء يمررن بتقلبات مزاجية بعد الولادة، من «حزن ما بعد الولادة» البسيط إلى الاكتئاب بعد الولادة الأكثر حدة.

وفي حين تتوفر عدة طرق علاجية، وجد الباحثون أن الرضاعة الطبيعية يمكن أن تقلل من مخاطر المشكلات النفسية لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد الحمل.

دراسة صغيرة نُشرت مؤخراً في مجلة «BMJ Open» رصدت سلوكيات الرضاعة الطبيعية وصحة 168 أماً خلال حملهن الثاني. تم إجراء فحوصات طبية للأمهات بعد ثلاثة وستة أشهر، ثم بعد سنتين وخمس سنوات وعشر سنوات من الولادة.

الأمهات اللواتي مارسّن الرضاعة الطبيعية بانتظام أبلغن عن أعراض أقل للقلق والاكتئاب على مدار عقد كامل.

وتم سؤال المشاركات عن صحتهن الجسدية والنفسية، وعن مدة الرضاعة الطبيعية أو التعبير عن الحليب، وعدد الأسابيع التي رضعن خلالها أطفالهن، والفترات الإجمالية للرضاعة.

من بين نحو ثلاثة أرباع النساء اللاتي أجبن بأنهن قمن بالرضاعة، أبلغ 13 في المائة فقط عن علامات القلق أو الاكتئاب عند المتابعة بعد عشر سنوات. بينما أبلغ نحو 21 في المائة عن أعراض اكتئابية أو شعور بالقلق في فترة ما خلال السنوات.

وكشفت النتائج عن أن النساء اللواتي عانين من تقلبات مزاجية بعد عشر سنوات كن أقل احتمالاً لأن يكن قد مارسن الرضاعة الطبيعية أو مارسنها لفترات قصيرة، إضافة إلى أنهن كن أصغر سناً وأقل نشاطاً بدنياً، وهما عاملان يزيدان خطر الاكتئاب واضطرابات المزاج الأخرى.

ورغم أن الدراسة كانت ملاحظة فقط (ما يعني أنه لا يمكن استخلاص استنتاجات حاسمة)، يقترح الباحثون أن الرضاعة الطبيعية لا تزال توفر فوائد لصحة الأم النفسية، إلى جانب العديد من الفوائد الصحية للأم والطفل.

إلا أن الكثير من النساء لا يستطعن الرضاعة الطبيعية لأسباب مختلفة، منها مشاكل جسدية أو سياسات ضعيفة في مكان العمل أو إجازة الأمومة، أو التوتر، أو صدمات سابقة.

يأمل الباحثون أن تلهم نتائج الدراسة التغيير في السياسات.

وقالوا في بيان إن «احتمالية أن تقلل الرضاعة الطبيعية من العبء الكبير للاكتئاب على الأفراد والعائلات ونظم الرعاية الصحية والاقتصادات يزيد من ضرورة تحسين الدعم للرضاعة الطبيعية من قبل صناع القرار».

وفي الوقت نفسه، يشهد سوق حليب الأم نمواً متسارعاً، حيث تقوم بعض الأمهات ببيع «الذهب السائل» للرياضيين للاستفادة من الفيتامينات والمعادن الموجودة فيه، بما في ذلك «أ» و«بي 12» و«د» والكالسيوم والنحاس والحديد والزنك.

وحتى بعض المشاهير، مثل كورني كارداشيان (46 عاماً)، يشاركن في ظاهرة الحليب المبكر (الكولستروم) من خلال الترويج لمكملات مستوحاة من حليب الأم البشري.


«الغياب الصامت»... لماذا يختفي البعض فجأة من العلاقات؟

تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
TT

«الغياب الصامت»... لماذا يختفي البعض فجأة من العلاقات؟

تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)

«الغياب الصامت»، أو ما يُعرف بـ«Ghosting»، ليس نادراً هذه الأيام. ومع ذلك، أن يتم تجاهلك فجأة، حين يختفي الطرف الآخر دون أي تفسير، يمكن أن يكون صادماً، مؤلماً ومرتبكاً لمَن يُترك في حالة انتظار.

مسألة بقاء أكثر منها قسوة

ووفق تقرير نشرته مجلة «نيوزويك»، تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة، وأكثر ارتباطاً بمحاولة البقاء على قيد الحياة على المستوى النفسي.

وفي هذا الإطار، قال المتخصص النفسي السريري تشارلي هيريوت-ميتلااند، إن الغياب الصامت هو أحد السلوكيات اليومية التي تحركها استجابة الدماغ القديمة للتهديد، المُصمَّمة لحمايتنا من المخاطر المحتملة، وليس لتعزيز السعادة أو العلاقات الصحية.

الغياب الصامت بوصفه سلوكاً دفاعياً

في كتابه الجديد،« تفجيرات محسوبة في الصحة النفسية» (Controlled Explosions in Mental Health)، استكشف هيريوت-ميتلااند كيف أن السلوكيات التي غالباً ما يُنظر إليها على أنها تدمير للذات، مثل التسويف، والمثالية المفرطة، والنقد الذاتي القاسي، والغياب الصامت، هي في الواقع محاولات من الجهاز العصبي لإدارة الخوف.

وقال هيريوت-ميتلااند لـ«نيوزويك»: «من منظور البقاء، الغياب الصامت يمثل مقايضة. يمنح شعوراً بالراحة على المدى القصير من خلال تقليل التوتر الفوري أو التهديد، لكنه يفعل ذلك على حساب الضرر طويل المدى. الجهاز العصبي يفضل ما يشعر بأنه الأكثر أماناً الآن، حتى لو كانت تلك الاختيارات تقوّض العلاقات تدريجياً مع الوقت».

«تفجيرات محسوبة»: الطريقة التي يبرر بها الدماغ الغياب

يصف الكتاب هذه اللحظات بأنها «تفجيرات محسوبة »، اضطرابات صغيرة يسببها الشخص لنفسه؛ بهدف منع كارثة عاطفية أكبر. تماماً كما قد يؤجل شخص ما عملاً؛ خوفاً من الفشل، أو ينسحب اجتماعياً لتجنب الرفض، يصبح الغياب الصامت طريقة للبقاء تحت السيطرة عندما يشعر الشخص بأن التواصل محفوف بالمخاطر.

كيف يستجيب الدماغ للغياب الصامت؟

يحدث كل شيء بسرعة وبشكل تلقائي على المستوى العصبي.

وشرح هيريوت-ميتلااند أنه «في لحظة الغياب الصامت، يستجيب الدماغ للتهديد الفوري بدلاً من العواقب طويلة المدى. الرد قد يثير القلق أو النزاع أو الشعور بالحرج، لذا يوفر الصمت راحة فورية».

المخاطر طويلة المدى

المشكلة هي أن هذه السلوكيات غالباً ما تتحقَّق ذاتياً.

تجنب الشخص الآخر خوفاً من أنه قد لا يقدرك في النهاية يؤدي إلى عدم تشكيل أي علاقة على الإطلاق. مع مرور الوقت، يتحقق «الأمان القصير المدى» على حساب الوحدة، والشعور بالذنب، أو تضرر الثقة.

الابتعاد عن الحكم الأخلاقي

حذر هيريوت-ميتلااند من الاستجابة للغياب الصامت، سواء كنت مَن يختفي أو مَن يُترك، بالحكم الأخلاقي، وقال: «تصنيف السلوك على أنه كسول أو فظ أو سام قد يزيد من الشعور بالذنب ويعمّق العادة».

وأضاف: «بدلاً من ذلك، يكمن المفتاح في فهم ما إذا كان الغياب الصامت يخدم غرضاً وقائياً، أو يتلف حياة الشخص بهدوء».