حين يأتي الشعر ثانياً

مارست الأحزاب السياسية منذ أواسط القرن العشرين الطريقة نفسها التي مارستها القبيلة

حين يأتي الشعر ثانياً
TT

حين يأتي الشعر ثانياً

حين يأتي الشعر ثانياً

لم يُحسم الصراع إلى هذه اللحظة بين من ينظرون إلى الشعر على أنَّه أداة للتغيير في شتَّى ضروب المجتمع، ومن يرونه حالة خاصة يجب أنْ تبتعد عن كل غرضٍ أو هدفٍ، سواءٌ أكان اجتماعياً أو دينياً أو سياسياً، أو أي هدفٍ آخر، وهذا الأمر - بل هذه النظرة - مرتبط بولادة الشعر، فقد سجَّل الاحتفال الذي تقيمه القبيلة سابقاً لولادة شاعر فيها أول بصمات التجيير للشاعر، لأنَّها ستركن له يوماً ما، وتنام مطمئنة تحت لسانه السليط.
إنَّ هذه الرؤية ترى أنَّ الشعر سلاحٌ يذبُّ عن القبيلة، وأنَّ الشاعر ناطقٌ إعلامي يدافع عنها. وضمن هذا التوجه، ظهر شعراء كثيرون، ارتبطت شعريتهم بشتم الآخر، والدفاع عن القبيلة، وما عنترة العبسي وعمرو بن كلثوم إلَّا نموذجان صارخان لهذا التوجه، حيث يقول عمرو:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا
فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا
ومهما بلغت القصيدة من بناءٍ محكمٍ واشتغالٍ فنيٍ، فإنَّها ستبقى في الدرجة الثانية، لأنَّها منقادة للموضوع مستسلمة لتفاصيله، بل إنَّ قدحة الكتابة جاءت بسبب الموضوع، وإنَّ الشاعر جعل وظيفة محددة للقصيدة، إمَّا أنْ تكون سياسية في التغلب على بقية القبائل، أو اجتماعية، أو وعظية، أو هجائية لشتم الآخر، المهم أنْ تكون للقصيدة وظيفة يُنتفعُ منها. وبهذه الطريقة، يتحول الشعر إلى وسيلة لغاياتٍ غيرِ شعرية. وقد حدد «أدونيس» في مختاراته (ديوان الشعر العربي)، في مقدمة الجزء الأول منها، وهي مقدمة مهمة للغاية، خمسة اتجاهات استطاع أنْ يرصدها، ما بين الجاهلية وأواسط القرن الثامن الميلادي؛ أحد هذه الاتجاهات هو الاتجاه الآيديولوجي الذي يستبطن تبشيراً بقيم وأفكار معينة، والشاعر ضمن هذه الخانة يكون ملتزماً بقضايا أهله وناسه وقبيلته، والاهتمام الذي يحظى به الشاعر ليس بوصفه منتجاً للجمال، إنَّما بوصفه أداة يمكن استعمالها في يوم من الأيام، ويُنتفعُ منها، وهذا ما حدث في بداية الدعوة الإسلامية، حين ظهرت طبقة من الشعراء يمثلون الجانب الشعري المدافع عن قضايا الدين الجديد ومفاهيمه، فكان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وآخرون كثر، ومنهم من كتب الأراجيز لحظة المعارك، وهي تُشبه - إلى حد ما - الأناشيد التي تُبثُّ على الشاشات لحظة معاركنا الحديثة، لشحذ الهمم.
لقد بقي هذا التوجه في كتابة القصيدة قوياً مستمراً لا يقبل المناقشة، لأنَّه كان أما مرتبطاً بالسلطة، مادحاً أو هاجياً، أو مرتبطاً بعامة الناس وحقوقهم، أو مرتبطاً بالدين ومناسباته الكثيرة، أو بالطقوس وتفرعاتها، وكل هذه الموضوعات تشكل الخط الأول، أو الهدف الرئيسي من كتابة الشعر، وتأتي فيما بعد القصيدة وهمومها الذاتية.
لقد ازدهر هذا التوجه في كتابة القصيدة في العصر الحديث، وبالتحديد في بداية عصر النهضة ومقاومة الاحتلال، وفي فترة ما يُسمَّى بالحكومات الوطنية التي أُنشئت تحت الانتدابات الأجنبية. وانتعش هذا التوجه أكثر فأكثر بعد تأسيس الأحزاب السياسية، فظهر الشعر السياسي والأخلاقي والاجتماعي، وظهر الشعر الذي يتابع حركة الناس ومظاهراتهم ومطالبهم، من البارودي لحافظ إبراهيم، ومن الرصافي إلى الزهاوي، إلى عشرات غيرهم، ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ومعظم ذلك الشعر يقع في خانة النصوص السياسية والاجتماعية والتاريخية والوعظية، حيث تتقدم الموضوعات، ويتراجع الشعر إلى المرتبة الأخيرة.
ومثلما استثمرت القبيلة الشاعر سابقاً، في أنْ يكون لسانها، راحت تمارس الأحزاب السياسية، ومنذ أواسط القرن العشرين، الطريقة نفسها التي مارستها القبيلة، فالحزب أياً كان ينتعش ويفرح ويهلل ويطبل حين ينتمي له شاعر من الشعراء، وواضح أنَّ هذا الفرح نابعٌ من الفكرة المتخيلة للشاعر، في أنْ يكون لسان حال الجماعة، أي جماعة، وأنْ يحوَّل مبادئ الحزب إلى نصوصٍ شعرية، وأن يكون لسان ذلك الحزب، ذاباً ومدافعاً عنه وعن توجهاته ومبادئه، وكثيراً ما كانت الأحزاب تتنافس على الشعراء، فمثلاً الحزب الشيوعي العراقي كان يشيع فكرة أن «الجواهري» أحد كوادره، فيما ينفي الجواهري نفسه أي انتماء له لأي حزب، ولكن القصائد التي كتبها الجواهري، والتي تحمل نَفَسَاً قريباً من هموم الناس ومطالبهم، وهي نصوص كثيرة، جعلت من هذه الفكرة قريبة من التصديق والواقع، فيما بقي الحزب الشيوعي إلى هذه اللحظة غيرَ راضٍ عن «السيَّاب» لأنَّه انتمى لهم مدة من الزمن، ومن ثم انقلب عليهم إلى جهة أخرى، وكتب مجموعة مقالاتٍ تهجَّم فيها على الحزب الشيوعي، طُبعت فيما بعد كتاباً باسم «كنتُ شيوعياً». وأذكر أنَّي استضفت في عام 2010 في برنامج ثقافي الشاعر «الفريد سمعان»، وهو شيوعي قديم، كان يحمل السيَّاب على ظهره أيَّام المظاهرات في نهاية الأربعينات، وسألته عن السياب وكتابه «كنتُ شيوعياً»؛ وقتها، تهجَّم الفريد على السيَّاب، نافياً صحة حديثه في هذا الكتاب. وقد مضى على تلك المقالات أكثر من خمسين عاماً، مما يعني أنَّ منطلق «الفريد سمعان» هو منطلق آيديولوجي، لأنَّ السيَّاب اختلف مع رفاق الأمس، لذلك لم يحظ السياب - على عظمة شعره - بالاهتمام النقدي أو الإعلامي الذي حظي به منافسه «عبد الوهاب البيَّاتي» الذي بسبب الماكينة الحزبية استطاع أنْ يُصبح شاعراً عالمياً، وأن يُتداول اسمُه في معظم الدول الشيوعية سابقاً، وأنْ يُترجم شعرُه إلى معظم اللغات. ولكي لا نظلم تجربة البياتي، فإنَّه استطاع أنْ يتحول من شاعرٍ يكتب عن الواقع السياسي والاجتماعي إلى شاعرٍ ينظر إلى تجربته الخاصة بروح المتأمل العارف، ولكن فيما بعد طبعاً.
إنَّ هذا الأمر ينطبق على عشرات الشعراء، ومن مختلف البلدان العربية، وبالتحديد البلدان التي ظهرت فيها الأحزاب، وانتعشت لديها الحركات التحررية، وأصابتها عدوى الانقلابات على أنظمتها التقليدية التي تأسست الدول الحديثة على أيديها، وكأن التجربة الحزبية تُجري عملية خصاءٍ للشاعر، تحوّله من غزالٍ بري إلى حصان مروَّضٍ، وضِعَ على عينيه لجامٌ خاصٌ، لا ينظر للعالم إلّا من خلاله، وهذا الأمر ينطبق على جميع الأحزاب والمنظمات والحركات الثورية والدينية، التي تُغري الشعراء بالانتماء لها ليكونوا أدواتٍ بيدها، وليس بعيداً عن هذا الأمر حزب البعث الذي يعدُّ من أكثر الأحزاب استقطاباً للشعراء، بوصفه حكم العراق ما يقارب أربعين عاماً، استطاع خلالها أنْ يُخصي عدداً كبيراً من الشعراء، بأنْ يكونوا جزءاً من منظومته، بل إنَّ عدداً من الشعراء الشيوعيين تحوَّلوا من لجام الشيوعية إلى لجام البعث، فخسروا بذلك أشياء كثيرة. وحين أتحدث عن الخسارة، فأنا أتحدث عن الخسارة الشعرية الكبيرة، حيث أطلق صدام حسين على جموع المثقفين (من شعراء ومغنين ورسامين و...و...و...) لقب الفيلق السادس أو السابع، ذلك أن صدام حسين عدهم قوة رديفة للجيش، واستثمر كتاباتهم للمعركة. وبهذا، فإنَّ الشعر تراجع في كل الحالات، ولم يستطع أولئك الشعراء أنْ يُنتجوا شعراً منفلتاً من كل شيء، متحرراً من القيود، هائماً في فضاءات البرية. لهذا، فالالتزام مهما كان نوعُه هو سبب رئيسي لتخثر القصائد، وانسداد شرايينها بالقضايا وبالتعبئة. وهذا ينطبق أيضاً على «محمود درويش» الذي كتب عن القضية الفلسطينية، وحفر اسمه لدى العامة والخاصة، ولكنّه انتقل - فيما بعد - ليكتب عن الشعر نفسه، بوصفه ضوءاً قابلاً لحوار الروح وهمومها الخاصة، وللتأمل والانشداد حول فانوسه، وقد حاول مراراً ألّا يقرأ نصوصه القديمة التي كتبها أيَّام التعبئة والدفاع عن القدس، وتبيان مظلومية الفلسطينيين، حتى أن أحد الأصدقاء ذكر مرة أن «درويش» في إحدى أماسيه الشعرية المتأخرة، أي في نهاية التسعينات، صاح عليه أحد الجمهور أنْ يقرأ «سجِّل أنا عربي»، فتغاضى «درويش» عن طلبه، فرجع يلحُّ عليه، فصرخ درويش بوجهه وقال له «سجِّل أنت». هذا يعني أنَّ النظرة العميقة للشعر وصلت إلى أعلى مناسيبها لدى «درويش»، فلم يعد يهتم بالقشور الشعرية التي يرددها الناس، وهذا الأمر يحيلنا إلى المئات، بل الآلاف من الشعراء الموجودين في عالمنا العربي، إلا أنه «ما أكثر الشعراء، ولكن ما أقلّ الشعر»، لأنّ الشعر هو العملة النادرة جداً جداً في هذا الفضاء الكتابي، فجلُّ ما يُكتب هو منطلقٌ لأغراض ووظائف محددة، سواءٌ كانت هجاءً سياسياً، أو مدحاً سياسياً، أو وعظاً أخلاقياً أو اجتماعياً، أو مطالبات وعرض لمشكلات الناس، أو حتى الكتابة للظفر بامرأة حسناء؛ كل تلك الأنواع من الكتابة الشعرية هي خارج حلبة الشعر، لأنَّ الشعر يأتي في الأخير، بينما الأغراض والأسباب هي التي تتقدم. وللأسف، فإنَّ معظم النماذج التي تُدرَّس، أو التي أصبحت أمثلة على ألسنة الناس، هي تلك النماذج التي يأتي الشعر تابعاً فيها للموضوع، فما زالت الناس تحفظ «سجل أنا عربي» لدرويش، بينما تغفل الجدارية العظيمة، وما زالت الناس تحفظ أبياتاً كثيرة للمتنبي بوصفها حكماً ومواعظ، مثل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
بينما يغفلون عن لذة شعر أبي نؤاس:
مساحب من جر الزقاق على الثرى
وأضغاث ريحان جني ويابس
وما زال الناس يحفظون «نامي جياع الشعب نامي» للجواهري، ولكنهم يغفلون عن:
يا نديمي، وهمتُ بالشجرِ وسواي استبد بالثمرِ



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».