الحلقة (8): أسرار الخلافات مع تونس واستعادة العلاقة بالمغرب والمشاركة في عمليات عسكرية في أفريقيا

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي

قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
TT

الحلقة (8): أسرار الخلافات مع تونس واستعادة العلاقة بالمغرب والمشاركة في عمليات عسكرية في أفريقيا

قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس
قذاف الدم مع الملك المغربي محمد السادس

يواصل أحمد قذاف الدم تذكر الأيام الخوالي في العمل بجوار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي حكم البلاد طوال 42 عاما، وشهدت تلك السنوات عواصف وأنواء وتقلبات في المواقف؛ سواء مع بعض الدول العربية أو الأجنبية. ويقول قذاف الدم في هذه الحلقة لـ«الشرق الأوسط» إن إحدى أكبر العواصف التي مرت على العلاقات الليبية - التونسية كانت تلك التي تتعلق باتفاقية الوحدة بين البلدين عام 1974. كان القذافي يبحث عن «بدائل وحدوية»، وهو يشعر بالمخاطر التي تتعرض لها بلاده مع مصر عقب قرارات وقف إطلاق النار بين القاهرة وتل أبيب، وعدم رضاه عن إجراء مفاوضات الكيلو 101، بعد حرب 1973 على الأراضي المصرية لا الإسرائيلية، بالإضافة إلى تعرض التحالف الثلاثي الوليد بين مصر وليبيا وسوريا، للتصدع.
لكن أطرف واقعة في موضوع تونس وليبيا هو لحاق القذافي بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، حين سافر الأخير إلى أوروبا، لكي يسأله معمر عن سبب نقض الاتفاق.. ومن الطرائف أيضا مطالبة الرئيس بورقيبة للقذافي بأن يعيد له ورقة اتفاق الوحدة التي وقّعها معه، وتمسّكه باستعادة هذه الورقة، ومطالبته بأن يتسلم النسخة بيده، قبل أي حديث مع ليبيا، حيث ظل يلح في هذا الأمر، وفقا لشهادة قذاف الدم، إلى أن أعادها له القذافي في نهاية الأمر.

يقول قذاف الدم: «بدأنا مع الرئيس بورقيبة بداية قوية بالاتحاد العربي الإسلامي.. كان يُطلق عليه (اتفاق جربة)، لكن قوى أخرى كثيرة تدخلت ونسفت هذا الاتفاق، مع أنه كان بالإمكان، وفقا للاتفاق، أن تكون هناك دولة تضم ليبيا وتونس.
وكان الاتفاق يتضمن أن تكون دولة الاتحاد (الليبية التونسية) برئاسة الرئيس بورقيبة، والقذافي نائبا للرئيس، أو وزيرا للدفاع، وعبد السلام جلود منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وأن يكون نائبه محمد المصمودي وزير الخارجية التونسي في ذلك الوقت.
واستمر العمل على هذا، إلى أن فوجئت ليبيا بتوقف تونس، من طرف واحد، عن العمل المشترك. ويتذكر قذاف الدم تلك الأيام بقوله إن الليبيين حين أرادوا أن يعرفوا ماذا يجري من جانب الطرف التونسي، وفهم سبب عدم الاستمرار في العمل على اتفاق الوحدة، لم يتمكنوا من الحديث مع الرئيس بورقيبة، لأنه كان قد ترك تونس فجأة وغادر إلى جنيف.
ويضيف أن القذافي حين علم بخبر مغادرة بورقيبة، قرر اللحاق به إلى هناك، حيث التقى بالرئيس التونسي بالفعل.. «حين ألغى بورقيبة الاتفاق الاتحادي وسافر لجنيف، كنا نحن عقب الثورة الليبية، وكنا متحمسين وفرحانين، وشكل لنا وقف الاتفاق صدمة كبيرة».
وحين قابل القذافي بورقيبة في جنيف عاتبه، وقال له: «كيف هذا، يا سيادة الرئيس.. نحن في ليبيا وتونس وقّعنا اتفاقا، وخرجت الجماهير في البلدين تصفق لهذا الاتفاق، وفجأة تلغون هذا الاتفاق. ماذا حدث بين يوم وليلة؟!». ويتابع قذاف الدم قائلا إنه كانت توجد ضغوطات كبيرة دولية وعربية على الرئيس بورقيبة، ولهذا «تراجع عن الاتفاق، فبدأت العلاقة بين البلدين بين مد وجزر، وأصبحت الثقة بين الجانبين مفقودة، وغذى الخلاف أطراف كثيرة».
ومرت السنوات إلى أن جاءت عملية «قفصة» في المدينة التونسية المعروفة بهذا الاسم، والواقعة في جنوب وسط تونس، عام 1980 وذلك حين قام عشرات المسلحين الذين قيل وقتها إنهم ينتمون لفصائل من المعارضة التونسية، بالاستيلاء على المدينة، ودعوة سكانها للانضمام إلى «الثورة المسلحة»، والدعوة للإطاحة بالرئيس بورقيبة.
واستنجدت السلطات التونسية في ذلك الوقت بفرنسا، وقامت باعتقال معظم المشاركين في العملية، وقدمتهم للمحاكمة، وأعدمت 11 منهم على الأقل، ووجهت أطراف تونسية وفرنسية إصبع الاتهام لليبيا، خاصة أن من بين المتهمين في أحداث قفصة شبان ذوو توجهات قومية وثورية تشبه الحراك السياسي الذي جاء بالقذافي للحكم عام 1969.
وكانت هذه ثاني واقعة للخلافات الكبيرة التي حدثت بين البلدين. ويقول قذاف الدم إنه حين وقعت أحداث قفصة أرادت القوات الفرنسية أن تأتي لتقمع «هذه الانتفاضة، ونحن اعترضنا على هذا، وذهبت أنا إلى باريس، وتكلمت مع الفرنسيين حول هذا الموضوع، وقلت لهم: إذا ما دخلتم إلى تونس، فستجدون القوات الليبية أمامكم، وفي مواجهتكم. وقلت لهم أيضا إننا، نحن، لا نتدخل في تونس.. هذا لأنهم اتهموا ليبيا بهذه العملية، بينما ليبيا لم تكن طرفا فيها. واكتفى الفرنسيون بإرسال بعض الخبراء الفنيين ولم يرسلوا قوات، ونحن توقفنا عند هذا الحد».
ويواصل موضحا: «استمرت الأحوال مع تونس على هذا المنوال، إلى أن توفرت لدينا مزيد من المعلومات عن مشروع المخطط الفرنسي لضرب ليبيا، وهو جزء من المخطط الغربي الذي كنت قد تحدث فيه مع السادات وحذرت منه، من قبل». ويضيف أنه لهذا السبب ذهب إلى تونس، ويقول: «التقيت هناك بالسيدة وسيلة بورقيبة (زوجة رئيس الدولة)، وكان لها نفوذ في القصر الرئاسي.. وكان يوجد أيضا الهادي مبروك، سفير تونس لدى فرنسا، الذي أصبح فيما بعد وزيرا لخارجية بلاده. وتكلمت معهم (مع وسيلة والمبروك) بشأن الزيارة التي كنت قد قمت بها لباريس، بسبب أحداث قفصة وتداعياتها»، وقلت: «لماذا تستعينون بالقوات الفرنسية؟ وتحدثنا مطولا واتفقنا على أساس أن نمتص هذه الخلافات».
وفي هذا اللقاء، دعتني السيدة وسيلة لزيارة تونس مجددا.. وبالفعل، لم يمضِ وقت طويل حتى ذهبت إلى هناك مرة أخرى، والتقيت هذه المرة بالرئيس نفسه، لكن، في الحقيقة، كانت صحته قد بدأت تسوء خاصة في السنوات الأخيرة، وفي هذه الزيارة، حيث التقيت أيضا مع رئيس الوزراء التونسي، ومعه وزير الخارجية أيضا (وكان في ذلك الوقت هو «الباجي قائد السبسي»)، وكان إدريس قيقة وزيرا للداخلية، وهم كانوا مُصرين على أن تعيد ليبيا لتونس وثيقة الاتحاد الموقّعة بين البلدين، ظنا منهم أنه في حالة وفاة الرئيس بورقيبة ستستخدمها ليبيا لفرض الوحدة بالقوة على تونس.. وحدث نقاش كثير حول هذه النقطة.
واستمرت اللقاءات والمناقشات بشأن هذه الوثيقة وحق تونس، أو عدم حقها، في استعادتها، عدة أيام، وفي عدة مواقع في العاصمة، منها القصر ومجلس الوزراء وغيره.. «وأنا قلت في أحد تلك الاجتماعات إن هذه الورقة هي الشيء المضيء الوحيد في تاريخ العلاقات الأفريقية. فردوا: نحن مستعدون لكل أنواع التعاون، لكن الورقة لا بد أن تعود، لأن الرئيس مُصرّ على ذلك، وهو غاضب من هذا الموضع.. ولا حديث إلا باستعادة الورقة».
وغادر قذاف الدم إلى ليبيا، وشرح للقذافي أهمية ورقة وثيقة الاتحاد مع تونس للرئيس بورقيبة، وأن المسؤولين هناك يجمعون على هذا الأمر، فاستغرب القذافي من هذه القضية، لكنه، في النهاية، حسم الأمر، وقال: «هيا.. خذ الورقة وامش لهم، خلاص.. سيأتي يوم تفرض فيه الشعوب العربية هذه الوحدة وتعدل هذا الوضع المقلوب.. أعطهم ورقتهم».
واقترح قذاف الدم على القذافي أن يقوم هو بنفسه بتسليم الورقة للرئيس بورقيبة، على أساس أنه جرى توقيعها بين الرئيسين في السابق. ويقول إنه «بعد أخذ ورد، وافق الأخ معمر على الذهاب إلى تونس.. وذهبنا فعلا، وسلّم الوثيقة، ومدها بيده ليد الرئيس الذي فرح فرحا كبيرا هو والسيدة وسيلة، ولا أعرف لماذا. لكن على أي حال كانت إعادة الورقة بداية لصفحة جديدة في العلاقات الليبية - التونسية إلى أن جاء الرئيس زين العابدين بن علي، حيث سارت الأمور، واستفدنا من كل هذه الأخطاء التي حدثت في السابق».
لكن هل ما زال هناك خلاف لم يُحسم بعد، كما يتساءل البعض، بين ليبيا وتونس، بشأن استغلال «الجرف القاري» الغني بالنفط والغاز، على الحدود بين البلدين. ويحوي هذا الجرف ثروات سمكية وأهمية استراتيجية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية سبق طرحها على محكمة العدل الدولية في «لاهاي» للفصل فيها، منذ عام 1982. وتوجد منذ عام 1988 اتفاقية بين البلدين لاستغلال المنطقة بواسطة شركة بترولية تونسية ليبية.
ويقول قذاف الدم إن مرحلة التعامل مع زين العابدين بن علي الذي تولي حكم تونس منذ عام 1987 إلى عام 2011، اتسمت بالتعايش بين البلدين.. «بدأنا نتعايش، ونتقاسم مع بعض الجرف القاري.. كان هناك خلاف على الجرف القاري، لكن المحكمة حكمت لصالح ليبيا. وهنا رأى الأخ معمر رأيا آخر، وهو أن نتقاسمه مع تونس.. الأخ معمر لم يكن من البداية راضيا عن هذه المحاكمة، وكان يرى من أول يوم أن نتقاسم هذا الجرف مع تونس، إلا أن الإخوة في تونس رفضوا الاقتسام في ذلك الوقت، وساروا للمحكمة، وبعد أن حكمت لصالح ليبيا، ذهبنا نحن للرئيس زين العابدين لتدشين أحد الحقول، وأعلن الآخر معمر في ذلك المكان أن هذا الحقل مناصفة بيننا وبين الأشقاء في تونس».
وعن انطباعه عن الرئيس بن علي، يقول قذاف الدم إنه «استطاع أن يستفيد من الأخطاء التي وقعت فيها العلاقات بين تونس وليبيا في السابق، واستطاع أن يجنب البلدين الخلافات. ولم يشب العلاقات أي شائبة، إلا بعض الأمور البسيطة العابرة. الرئيس زين العابدين كان يركز اهتماماته على الوضع الداخلي في بلاده، ولم يكن لديه أي اهتمامات خارجية إلا فيما يخص تونس».
وكانت البحث عن مثل هذه التحالفات في ذلك الوقت، أي منذ بداية حكم القذافي، تجري على قدم وساق، ولكن بطرق مختلفة، سواء مع الدول العربية، مثل مصر وسوريا وتونس، أو في دول القارة الأفريقية، من تشاد وأفريقي الوسطى، ومن الغابون إلى أوغندا، وهذه الدولة الأخيرة كانت واحدة من عدة دول شارك فيها قذاف الدم نفسه مع ضباط ليبيين آخرين في القتال، ضمن صراع كانت تخوضه ليبيا ضد ما تعتقد أنه معارك مع الاستعمار والرجعية والتمدد الغربي والإسرائيلي في القارة السوداء لخنق الدول العربية، خاصة دول الطوق والمواجهة.
ويبدو من كلام قذاف الدم، في العموم، أن ليبيا كانت تجد مساعدة من مصر في عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات، بشأن محاولة إدارة الأوضاع والصراع مع أطراف أخرى دولية وإقليمية، لكن اتجاه السادات نحو الغرب ودخوله في مفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، جعل ليبيا تلعب بمفردها في ساحة مترامية الأطراف.
وكان أحمد قذاف الدم، وهو ضابط في مقتبل العمر يشارك، سواء بالتدريب أو بنفسه في بعض العمليات في أفريقيا مع ضباط وجنود ليبيين وغير ليبيين، وتعرض لمحاولة اغتيال بقذيفة صاروخية حين كان يمر بسيارته الـ«رانج روفر» في كمبالا، عاصمة أوغندا، على طريق مطار عنتيبي، وكان معه عدد من الضباط، وذلك على خلفية «عملية عنتيبي الشهيرة التي قامت فيها قوات كوماندوز إسرائيلية بأول عملية كبيرة خارج أراضيها لتحرير رهائن إسرائيليين في يوليو (تموز) 1976 كانوا ضمن 248 راكبا على متن طائرة فرنسية جرى خطفها على أيدي عدد من الفلسطينيين، وحطوا بها في المطار الأوغندي.
وفي يوم من تلك الأيام استقل قذاف الدم، ومن معه، سيارة الـ«رانج روفر» ذات اللون المموه، وتوجه إلى الطريق المؤدي للمطار.. ويقول: «في لحظة، والسيارة تجري، أصدرت أمرا لمن معي بالخروج منها فورا.. كان لدي إحساس قوي بأنها ستنفجر بنا، وهو ما كان.. قلت: اقفزوا.. وقفزنا كلنا منها، بينما كان صوت القذيفة يصفر في الهواء في أثر السيارة.. كانت قذيفة من نوع (آر بي جي)، فجّرتها قبل أن نصل الأرض، لكننا نجونا منها».
ويواصل قائلا إن «أوغندا كانت مكانا مهما وحيويا، وكانت أعين اليهود دائما على هذا المكان.. بدأنا منذ أوائل أيام الرئيس الأوغندي عيدي أمين. كان يحرسه اليهود والإسرائيليون، فالتقى بالأخ معمر في أحد مؤتمرات القمة الأفريقية، وهنا دعاه إلى زيارة ليبيا، فجاء وبقي عندنا أياما.. معمر أدخله الإسلام، بعد أن كان رجلا لا دينيا، وقام عيدي أمين، وهو في ليبيا، بقطع علاقته بإسرائيل، وأعلن أيضا فتح سفارة لفلسطين في بلده.. هذا الرجل كانت تتعامل معه وسائل الإعلام الغربية، خاصة البريطانية على أنه بطل من أبطال أفريقيا وزعيم ومناضل، لكن بعد أن قام بما قام به في ليبيا، أصبحت وسائل الإعلام نفسها تصوره على أنه مجرم وآكل للحوم البشر». ويضيف أن الغرب «تآمر عليه وحاول إسقاطه، وكان لا بد من الدفاع عنه، خاصة بعد عملية عنتيبي».
ووفقا للغط الذي دار في وقت العملية، يبدو أن عيدي أمين كان على علم بها منذ البداية، وأنه كان يريد أيضا أن يقدم يد المساعدة لإنجاح الهدف منها. وكانت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية قد أقلعت من مطار اللد في إسرائيل، في طريقها إلى فرنسا، وحين توقفت في مطار أثينا (ترانزيت) قامت عناصر قيل إنها منتمية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالسيطرة عليها، والتحليق بها والهبوط بها في مطار بنغازي في ليبيا للتزود بالوقود، ثم توجهوا بها بعد ذلك إلى مطار عنتيبي. وبعد عدة أيام من المفاوضات، قام الكوماندوز الإسرائيلي باقتحام المطار والاشتباك مع الخاطفين ومع جنود أوغنديين، وتحرير الرهائن.
وبعد انتهاء العملية، بدأ الإعلام الغربي الهجوم على الرئيس عيدي أمين. ويقول قذاف الدم: «أما عسكريا، فقد ساند الغرب هجوما وغزوا بمجموعة مرتزقة يستهدف عيدي أمين لإسقاطه، ولهذا وقفنا معه وقاتلنا معه.. وأنا أيضا قاتلت معه، مثلما قاتلت في أكثر من 5 دول أفريقية أخرى لمساندة استقلالها وتحررها.. وقتها كنا نعلم في ليبيا أن الغرب لديه خرائط يهدف من خلالها للفصل بين العرب في شمال أفريقيا وباقي القارة الأفريقية. أي أفريقيا السوداء وأفريقيا البيضاء.. كان يريد عزلنا في بحيرة الملح في شمال أفريقيا، وننحصر بين أوروبا الموحدة وأفريقيا الموحدة، ونظل نحن كمجموعة دول في شمال أفريقيا غير قابلة للحياة، لأن المنطقة، منطقتنا، ليس فيها مياه ولا إمكانيات، ولهذا عملنا لمواجهة هذا المشروع مع الجميع، بمن في ذلك الرئيس التالي لأوغندا، يوري موسيفيني».
وكان قذاف الدم، قد بدأ، في تلك المرحلة، عمله السياسي الحقيقي مع القذافي، وذلك منذ قرر ندبه من القوات المسلحة لقسم العلاقات الدولية في أواخر السبعينات من القرن الماضي، ولم يكن العمل في قطاع العلاقات الدولية يعني القيام بأعمال وزارة الخارجية نفسها، رغم أن هذا القطاع كان في الحقيقة يتبع الوزارة نفسها.
ويوضح هذه النقطة بقوله: «كنا ضمن وزارة الخارجية، ولكن بحكم أن لدينا قضية نحمل همها وندافع عنها، أو بحكم العلاقات الشخصية مع الآخرين، نستطيع أن نعرض الأشياء بشكل جريء يختلف عن العرض الدبلوماسي أو العرض المبني على البروتوكول الدولي، مثل المفاوضات التي أجراها مع رؤساء كالسادات ومبارك وميتران وحتى ملك المغرب الراحل.
ويقول: «في بعض الأحيان كنت أقوم ببعض المهام وأخطر الأخ معمر بها لاحقا». وحدث هذا في عدة وقائع كان نتيجتها إعادة العلاقات أو توثيقها بين ليبيا وبعض البلدان العربية. على سبيل المثال، قصة عودة العلاقات بين المغرب وليبيا؛ كنا أصدقاء للرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، إلى أن فوجئنا به يسافر إلى المغرب التي كنا على خلاف معها بسبب الجزائر وبن جديد نفسه.. أنت تعرف طبعا أنه كانت هناك مشكلة بين بن جديد والملك الحسن الثاني تتعلق بقضية الصحراء. على أي حال، كنت وقت زيارة الرئيس الجزائري للمغرب موجودا في لندن لبعض المهام، وبعد كثير من التردد، وجدت نفسي بجوار مقر خلوي للملك في منطقة فاس، في شمال المغرب.
ومن المعروف أن القذافي فاجأ الجميع بزيارته للمملكة المغربية في يوليو (تموز) من عام 1983. وكان السبب في المفاجأة أن البلدين كانا على طرفي نقيض ويتبادلان الاتهامات بشأن دعم كل منهما لخصم الآخر.. فالرباط كانت تتهم ليبيا بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء المغربية، بالمال والسلاح إلى درجة أصبح معها مقاتلو البوليساريو، من وجهة نظر المغاربة، يمثلون مصدرا للقلاقل وعدم الاستقرار في المملكة، بينما كانت الجزائر، جارة كل من المغرب وليبيا، تستفيد من الدعم الليبي للبوليساريو. أما ليبيا فكانت تتهم المغرب بمساعدة فرنسا في وجودها بتشاد ضد الوجود الليبي هناك.
ويقول قذاف الدم: «لم نكن نعرف في ليبيا بترتيبات اللقاء الذي جرى بين الملك المغربي وبن جديد. وفوجئنا به. الجزائر، طبعا، كنا حلفاء لها في ذلك الوقت، وكان عداؤنا للمغرب بسبب علاقتنا بالجزائر.. أما قضية الصحراء، فنحن الأساس فيها، ونحن أول من بدأ المقاومة فيها.. نحن من سلح ودرب الأحرار في الصحراء لمقاومة الاستعمار الإسباني إلى أن خرج منها، وبعدها بدأت القضية تأخذ منحى آخر، وهو صراع بين المغرب والجزائر، فنحن انحزنا في تلك المرحلة للجزائر، بحكم العلاقة التي بيننا».
وجاء اللقاء الأول والمفاجئ بين الزعيمين المغربي والجزائري في 1983، وهنا بدأ قذاف الدم في إجراء الاتصالات، وهو في لندن، مع عدد من أصدقائه المغاربة ممن كانوا يدعونه في السابق لزيارة المغرب، بينما كان هو يتردد في ذلك.. ولم يكن قذاف الدم قد سافر إلى المغرب من قبل.. ويقول: «حين دعاني الأخوة المغاربة مجددا، وجدت أنها فرصة أن أذهب إلى هناك.. ولم أخبر الأخ معمر بالزيارة؛ كنا في طائرة أحد الأصدقاء، وعندما دخلت الطائرة الأجواء المغربية جرى توجيهها إلى مدينة فاس، ولم أكن أعرف إن كنا قد اختطفنا أم ماذا. لكنني في النهاية وجدت نفسي وجها لوجه مع ملك المغرب (رحمه الله).
ويتابع موضحا: «نزلنا من الطائرة، وأخذتنا سيارة إلى مزرعة على ربوة جميلة، ولم أكن أعرف أنها للملك الحسن.. كانت هناك خيمة موضوعة فوق الربوة، وقال لي أحد الأصدقاء المغاربة ممن كانوا معي: تفضل.. اذهب إلى هناك، ثم غادر مع السيارة. وقفت ونظرت حولي.. لم يكن هناك أحد في هذه المزرعة الفسيحة؛ وجدت في الخيمة عدة مقاعد، ولم أجد فيها أحدا، فتراجعت ووقفت خارجها».
ويضيف قذاف الدم قائلا: «بعد قليل، جاءت سيارة فجأة، وكانت ماركة مورس (إنجليزية الصنع) صغيرة يقودها سائق يرتدي الملابس المغربية التقليدية. وحين اقتربت السيارة مني، كنت قد أدرت ظهري للجهة الأخرى، لكن حين شعرت أنها اقتربت أكثر وتوقفت قرب الخيمة، التفت إليها وإلى مَن فيها، فإذا به الملك الحسن الثاني شخصيا، وكان هو الذي يقودها بنفسه ووحده. نزل وهو يقول: مرحبا سي أحمد في بلدك. سلمت عليه، وقلت له: أنا جئت.. ثم توجهنا ناحية الخيمة، وقبل أن نجلس داخلها، أخبرته أنني جئت دون علم معمر، وبدأنا بعدها في مناقشة العلاقات الليبية - المغربية، واتفقنا بعدها، أي بعد حوار طويل، على أنه حان الوقت لاستعادة العلاقات بين البلدين. وفي الحقيقة سألني الملك سؤالا مباشرا، وهو: لماذا تعادوننا؟ فقلت له: نحن لا نعاديكم؛ طالما صافحت الرئيس الشاذلي، فأنت صافحت معمر القذافي، فنحن حلفاء للجزائر، وعندما سقطت هذه العداوة بينكم وبين الجزائر، فنحن تلقائيا لم يعد لدينا أي مشكلة معكم. ليس لدينا حدود مشتركة ولا شيء من هذا القبيل.
ومكثت في ضيافة الملك الحسن 3 أيام. واتفقنا على أنه سيجري لقاء مع القذافي، واتفقنا على أن يكون هذا اللقاء في مكان ثالث لأنني أبديت لجلالة الملك عدم رغبتي في أن يجري اللقاء في المغرب، كما أن الملك، من جانبه، تحفظ على موضوع الذهاب إلى طرابلس، وقال: لو ألتقي ساعة مع الأخ معمر سنحل كل مشاكلنا».
وعلى أي شيء انتهى اللقاء؟ يقول قذاف الدم: «اتفقنا على إجراء المقابلة بين جلالة الملك والقذافي في إسبانيا عند فيليب جونزاليس (رئيس وزراء إسبانيا آنذاك) وكان صديقنا. وكان ذلك قبل شهر رمضان بأيام، وعدت إلى طرابلس، وأبلغت الأخ معمر، فكان رد فعله سريعا وعفويا، وتساءل: كيف نلتقي في بلد ثالث.. نحن عرب. إذا كان لا يريد أن يأتي إلينا، فنذهب نحن إليه. وهنا كنت أريد أن أترك الأمور تأخذ مزيدا من الوقت حتى يكون هناك نوع من التفهّم من كل جانب للآخر قبل اللقاء، فقلت له: إن شاء الله بعد شهر رمضان نجهز زيارة للمغرب.
إلا أن القذافي لم يعطني الفرصة ولم يمنحني مزيدا من الوقت، وأجاب في صيغة سؤال: (ولماذا بعد شهر رمضان، ما الذي يمنع أن تكون في رمضان؟)، ولم يكن أمامي أي خيارات، فقلت له: (خلاص، فلتكن يوم الخميس المقبل). وكنا، في ذلك اليوم، يوم أحد أو اثنين على ما أذكر. وعليه سافرت إلى المغرب، وقابلت الملك مرة أخرى، وقلت له: (جلالة الملك.. لقد كسبت الرهان). وبهذا عادت العلاقة بين البلدين.. استقبلنا الملك استقبالا حافلا، وجلس مع القذافي، واتفقا على كثير من الأمور»، حيث استمرت العلاقات الأخوية كذلك أيضا في عهد الملك المغربي الحالي محمد السادس.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.