خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

الشبيلي والعوامي في ندوة بالقطيف عن حياته تستحضر دوره في الاندماج الوطني

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج
TT

خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج

أعادت ندوة أدبية في القطيف، شرقي السعودية، إلى الواجهة سيرة الشاعر خالد الفرج، أحد أهم الشخصيات الأدبية التي أثرت على الحياة الشعرية والثقافية على ساحل الخليج خلال النصف الأول من القرن الماضي.
هذه الندوة أقيمت عشية اليوم الوطني السعودي، وهدفت إلى استجلاء سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين، والتواصل العابر للحواجز والانقسامات، وكانت فترة حياته التي توثقت صلة بالملك المؤسس عبد العزيز، عنوانا لقدرة الإداري المثقف على تعزيز التلاحم وبناء الثقة.
حملت الندوة عنوان: «خالد الفرج: الشاعر والوطن»، وحضرها نخبة من المثقفين السعوديين حضر كثير منهم من الرياض، وبعضهم من الكويت، مع جمهور غفير من المنطقة الشرقية، ونظمها «منتدى الثلاثاء» الذي يديره الكاتب المهندس جعفر الشايب، بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز في الرياض، وشارك في الندوة كل من: الدكتور عبد الرحمن الشبيلي والأديب عدنان العوامي.
ولد الشاعر خالد الفرج، في الكويت، منتصف ربيع الثاني عام 1898، وذكر الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي أنه «ينحدر من أصول سعودية تعود إلى البدارين من الدواسر، وقد ولد من أسرة ميسورة الحال، ووالدته هي شيخة بنت ثنيان عبد الرحمن الثنيان من قبيلة الخليفات القطرية، عاش في الهند، فالبحرين، ثم في المنطقة الشرقية السعودية، وأمضى العامين الأخيرين من عمره في بلاد الشام»، وتوفي في أحد مستشفيات لبنان سنة 1954.
وفي ترجمة معجم البابطين لشعراء العربية، يشير إلى أن اسمه الكامل هو: خالد بن محمد بن فرج الصراف الدوسري، وأنه ولد في الكويت وتوفي في لبنان، وقضى حياته العملية متنقلا من الكويت إلى مومباي والبحرين والسعودية (القطيف والأحساء والدمام) وتلقى علومه المبكرة في الكتاب، وعند افتتاح المدرسة المباركية عام 1911 التحق بها، ونشط في الاطلاع على كتب التراث المختلفة، ثم بدأ حياته العملية مدرسا في المباركية، فكاتبًا عند أحد كبار الكويتيين في الهند، وأسس في مومباي المطبعة العمومية التي طبع فيها مجموعة من الكتب كان بعضها على نفقة الملك عبد العزيز، وقد درس اللغة الإنجليزية والهندسة خلال عمله هناك، ثم انتقل إلى البحرين ليصبح مدرسا بمدرسة الهداية الخليفية في البحرين، وعضوا في المجلس البلدي البحريني، ثم صار مسؤولا في بلدية الأحساء ورئيسا لبلدية القطيف.

* شاعر الخليج
* ولذلك، فإن عددا من الأقطار الخليجية والعربية تتنازع انتماء هذا الشاعر إليها، هي الكويت والبحرين والسعودية. وكانت الفترة الذهبية في حياته التي عرفته على الشعراء والأدباء في السعودية والبحرين، خلال تكليفه من قبل الملك عبد العزيز بتولي بلدية القطيف. وعن هذه المرحلة يتحدث المؤرخ الراحل محمد سعيد المُسلم، صاحب كتاب «ساحل الذهب الأسود»، قائلا: «إن خالد الفرج قضى معظم حياته في القطيف، وكان لها الفضل في استقراره النفسي، وقد منحها في المقابل إخلاصه ووفاءه وعصارة أفكاره، واندمج في مجتمعها، وأصبح فردا منهم، وغذى الحركة الأدبية فيها، وترك أثرا كبيرا في تطور الحياة الفكرية، وكان يلتقي الأدباء والمثقفين من أبناء القطيف».
الشاعر والمحقق عدنان العوامي، ناقش في دراسته عن سيرة الشاعر خالد الفرج، ما يثار غالبا بشأن هويته وانتمائه، ففي حين جزم أن الشخصيات الأدبية تنسب لبلد المنشأ غالبا، فقد أعطى تفسيرا اقتصاديا لاجتذاب الشخصيات الأدبية في الخليج، وقال: «قبل ظهور النفط في منطقتنا الشرقية هذه لم تكن الظروف مهيأة لنشوء حركة ثقافية أو صحافية، وإن كان فيها أدباء وعلماء، وشعراء متابعون للحركة الثقافية، وتصلهم الصحف والكتب من الخارج، ومنهم من مارس النشر في صحف تصدر في الخارج كالعراق والبحرين ولبنان، وكان المؤلفون يُضطرون للسفر إلى العراق أو الهند لطباعة مؤلفاتهم». ويضيف: «لكن حين تفجر النفط، واتجهت المنطقة نحو النهوض والازدهار باتساع موارد الرزق فيها، بدأ الناس يتقاطرون عليها من كل حدَب وصوب، فكان فيهم التاجر، والأديب، والشاعر، والمثقف. فانتقل إليها شخصيات أدبية وصحافية، وأخرى مثقفة لم تكن منها في الأصل، لكنها استوطنتها، وشاركت في صنع نهضتها الثقافية والصحافية التي نشهدها اليوم»، وبينهم بالطبع خالد الفرج.
وكان العلامة حمد الجاسر من أقدم من تناول سيرته ومؤلفاته وشعره بالتفصيل؛ إذ رثاه بُعيد وفاته بمقال مطول في مجلة «اليمامة» عام 1954 استعرض فيه أبرز محطات حياته وإنتاجه الفكري، متتبعا هجرة أسرته - ولأسباب غير معروفة - في أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) من بلدة نزوى في وادي الدواسر لتستقر في بلدة الزبارة في شمالي شبه جزيرة قطر، ثم رحلت إلى عُمان، ومنها اتجهت إلى الكويت، وقد خرج من هذه الأسرة ابنُ عمه الأديب الكويتي المعروف عبد الله محمد الفرج المتوفى في الكويت عام 1902 وهو موسيقي وملحن، وله ديوان شعر بالفصحى والعامية أعده وطبعه خالد الفرج عندما كان في الهند في حدود عام 1338هـ (1919م) ثم أعيد طبعه مرارا.
وكما كان لخالد الفرج دور مهم في ترسيخ الاهتمام بالأدب، فقد اهتم أيضا بالنشر. يقول الدكتور الشبيلي: «بحكم هوايته للطباعة من خلال تجربته السابقة في الهند، بادر الفرج إلى تبني إنشاء أول مطبعة في المنطقة الشرقية (المطبعة السعودية بالدمام) التي سعى إلى تأسيسها بدعم من الملك سعود، وقد سافر إلى ألمانيا من أجل شرائها، وتابع تركيبها خلال إقامته الاستشفائية في سوريا ولبنان في العامين الأخيرين من حياته، لكنه لم يحضر تشغيلها، وقد أتاح تأسيسها للصحف الأهلية الناشئة في المنطقة الشرقية آنذاك أن تطبع محليا».
يقول الشبيلي: «عاش خالد الفرج نحوا من ثمانية وخمسين عاما من التنقل المكاني عبر كل إمارات الخليج تقريبا، ليجد ضالته في التوطن أخيرا في المنطقة الشرقية حيث تكونت أسرته، ووجد من الاستقرار النفسي والمعيشي والوظيفي والأسري ما جعله يتفرغ للفكر والإبداع، مع أنه أقام في الكويت والبحرين والهند والأحساء والقطيف والدمام وتردد عليها، ثم أقام في بلاد الشام قبيل وفاته».
وعن إقامته في القطيف يقول: «كانت إقامته في المنطقة الشرقية الفترة الأكثر خصوبة وحيوية في حياته الفكرية والإدارية، والأطول من الناحية الزمنية؛ قرابة نصف عمره».
أما سفر وتنقلات خالد الفرج، فقال عنه الشبيلي، إنه جسد وحدة المنطقة، وإن أشعاره عبرت عن هموم الأمة، «وكان في زمنه ملء السمع والبصر.. كوّن صداقات، وتبادل المراسلات والقصائد الإخوانية مع عدد من رموز الثقافة في الكويت من أمثال عبد اللطيف النصف، وعبد الرحمن النقيب، ويوسف القناعي، وخالد العدساني، وصقر الشبيب.. وفي البحرين من أمثال قاسم الشيراوي، وعبد الله الزايد، وفي المنطقة الشرقية من أمثال آل الجشي، وآل الخنيزي، والعوامي والخطي، علاوة على زميل دربه هاشم الرفاعي مدير الجمارك».
كلف خالد الفرج من قبل الملك عبد العزيز بإنشاء بلدية القطيف، لكنه وجد هناك بيئة ثقافية وشعرية وعلمية، فتأثر بها وتفاعل معها.
يذكر خالد سعود الزيد أن الفرج استجاب لتشجيع هاشم الرفاعي (الكاتب آنذاك في الديوان السلطاني) للعمل في المملكة، وأن السلطان عبد العزيز (حينها) استقبله أحسن استقبال واختاره مشرفا على بلدية الأحساء ثم القطيف، بينما يُستفاد من سيرة الفرج التي كتبها بنفسه أنه كُلف ببلدية القطيف وكان مؤسسها سنة 1346هـ. يقول الشبيلي: «وبتتبع علاقته بالمجتمع الثقافي في أثناء إقامته، التي قيل إنها امتدت نحو خمسة وعشرين عاما في المنطقة الشرقية، تذكر المراجع أنه قدم من البحرين مع النزوح الجماعي المعروف لعشيرة الدواسر مطلع الأربعينيات من القرن الهجري الماضي (العشرينات الميلادية)».

* تأثيره الثقافي
* الشاعر عدنان العوامي، اهتم في دراسته بتتبع العلاقة الوثيقة التي ربطت خالد الفرج بشخصيات القطيف العلمية والأدبية، والإخوانيات والمساجلات التي ربطت بينه وبينهم، والقصائد التي نظمها في مناسبات متعددة خاصة ما يتعلق بمراسلاته الشعرية مع الشيخ فرج العمران، أو الشيخ ميرزا حسين البريكي، أو نظمه قصائد رثائية في مناسبات وفاة أحد، كرثاء الشيخ منصور الزاير، ورثائه السيد سعيد العوامي، أو تأبينه السيد ماجد العوامي. وفي سنة 1363هـ توفي الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي، الذي عرف بلقب زعيم القطيف، فرثاه خالد الفرج بقصيدة قال فيها:
ابكوا بدمع أو نجيع
شيخا يعز على الجميع
وتصوروا البدر اختفى
في غامض الليل المريع
يضيف العوامي: «نلمس مبلغ تفاعل الفرج بالبيئة الأدبية في القطيف في رثائه كذلك الشاب أحمد البيات، إبن صديقه الشيخ منصور البيات:
اقرأوا، خاشعين، أمَّ الكتاب
ثم ضجوا بالنوح والاكتئاب
واملأوا موضع الخشوع عويلا
في عظيم الأحزان والاكتئاب
الشاعر عدنان العوامي، قال إن «ارتباط خالد الفرج بالقطيف لم يقف عند حده هو، بل كان السبب في ارتباط غيره من الشخصيات بالقطيف ومثقفيها وأدبائها كالشيخ حمد الجاسر، حيث اصطحب الفرج الجاسر إلى مجلس الأديب أحمد بن حسين السنان، وكان بمثابة الصالون الأدبي لمثقفي القطيف، فكان ذلك اللقاء بداية صلة امتدت بين الشيخ الجاسر ومثقفي القطيف حتى وفاته».

* رائد الملاحم
* في الجانب الشعري لخالد الفرج، تحدث الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي عن الحياة الشعرية لخالد الفرج، فـ«هو مثقف وشاعر ومؤرخ اشتهر من نظمه ملحمة (أحسن القصص) التي طبعت في القاهرة في 130 صفحة في حدود عام 1929 من تقديم محمد علي الطاهر، ثم راجعها عالم قطر الشيخ عبد الله الأنصاري وطبعت في الدوحة عام 1982، وهي مطولة شعرية غطت العقود الخمسة الأولى من حياة الملك عبد العزيز منذ ولادته سنة 1876، وحتى دخل الحجاز في حكمه سنة 1925.
وأضاف الشبيلي: «والملحمة مقسمة إلى 20 فصلا تشتمل على 800 بيت (..) وقد نظمها وطبعها إبان عهد الملك عبد العزيز عندما كان ملك الحجاز ونجد وملحقاتها».
يضيف الشبيلي: «كما اشتهر من آثاره الشعرية القصيدة البائية (الخبر والعيان في تاريخ نجد) في خمسمائة بيت، نظمها على مرحلتين في عامي 1367 و1368هـ (1947 و1948م) قائلا في مطلعها:
إلى مجدك العلياءُ تُعزى وتنسبُ
وفي ذكرك التاريخُ يُملى ويُكتبُ».
ويرى الشبيلي أن خالد الفرج أبدع في شعر الملاحم، «بل إنه ربما كان الأسبق من بين عدد من الشعراء الذين عرفوا بهذا الفن، أمثال أصحاب الملاحم: محمود شوقي الأيوبي، وبولس سلامة، وفيكتور البستاني، ومحمد عبد الله العوني، وعبد الله العلي الزامل، وأحمد إبراهيم الغزاوي، وحسين سرحان، وخير الدين الزركلي، وعبد الله بالخير، وفؤاد شاكر، ومحمد بن عبد الله العثيمين.. وغيرهم»، ورجح أن «يكون الفرج الأسبق بينهم في هذا النوع من الشعر الملحمي ذي الطابع السردي التاريخي».
ويضيف: «تضمن التراث الفكري لخالد الفرج مجموعةً من الكتب المطبوعة والمقالات التي نشرها في حياته، وبعض مخطوطات لم يتمكن من استكمالها أو من طباعتها قبل وفاته». وقد تولى الباحث عبد الرحمن الشقير تحقيقها ونشرتها مكتبة «العبيكان» عام 1420 هـ (2000م) في مجلد يزيد على 500 صفحة. وبحسب المحقق خالد سعود الزيد، توجد للفرج قصيدة لامية طويلة ثالثة سماها «الملحمة الذهبية» نظمها بمناسبة الذكرى الخمسين لدخول الرياض.

* شاعر عروبي
* تحدث الشبيلي عن عقيدة خالد الفرج الشعرية، فقال إنه عاش بدايات المخاض السياسي في الوطن العربي، «ومن يتابع سيرته يجد أنه تفاعل مع التحولات السياسية التي مرت بتلك الحقبة، كالاحتلال البريطاني للخليج، وقيام الشيوعية، واغتصاب فلسطين، وبروز القومية العربية، والحربين العالميتين، وقضية الجزائر. وغلبت على شعره نبرة التندر أحيانا تجاه بعض التيارات، لكنه لم ينهج في تفكيره منهجا متطرفا..».
ويستحضر الشبيلي ما ذكره حمد الجاسر في هذا الشأن: «خرج في شعره إلى مجال أرحب، فعالج النواحي الاجتماعية العامة للأمة العربية، وتعدى ذلك إلى الإشادة بعظماء العالم الذين خدموا بلادهم، فرثى شاعر العروبة أحمد شوقي، وصديقه أمين الرافعي، ومجد الزعيم الهندي غاندي. وبجانب مديحه للزعماء العرب وجه نقدا لاذعا لآخرين رأى فيهم اعوجاجا، وكانت له خبرة بمسألة إصلاح الحروف العربية وألّف في ذلك».
عن وعد بلفور قال خالد الفرج:
ما وعد بلفور إلا بدء سلسلة
من المظالم في التاريخ كالظـلم
وما فلسطين إلا مثل أندلسٍ
قضى على أهلها بغي وعدوان
وله قصيدة طويلة معروفة باسم «الشرق والغرب» ألقاها بمناسبة احتفاء النادي الأدبي في الكويت به (31 – 8 – 1927) جاء فيها:
الغَرْبُ قد شدّدَ في هَجْمَتِهْ
والشَرْقُ لاهٍ بعدُ في غَفْلَتِهْ
وكُلّمَا جَدَ بأعْمَالِهِ
يَسْتَسْلِمُ الشَرْقُ إلى رَاحَتِهْ
فيجمعُ الغربِي وحْدَاتِهِ
والشرق مقسوم على وحدتِهْ
وذاكَ يبني العِلْمَ في بحثِهِ
وذا يُضيعُ الوقتَ في نظرته
ومنها:
يا قومُ في أحوالنا عِبرَةٌ
فليقم النائم من رقدته
فَمَنْ تَغدّى بأخي ضحوةً
حتما تعشَى بي في ليلتِهْ
وكلنا يُنشِدُ في سِرِهِ
ما قالَهُ الشاعرُ في حِكمتِهْ:
«مَنْ حُلِقتْ لِحْيةُ جارٍ لَهُ
فلْيسكبِ الماءَ على لِحيتِهْ»



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended