خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

الشبيلي والعوامي في ندوة بالقطيف عن حياته تستحضر دوره في الاندماج الوطني

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج
TT

خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج

أعادت ندوة أدبية في القطيف، شرقي السعودية، إلى الواجهة سيرة الشاعر خالد الفرج، أحد أهم الشخصيات الأدبية التي أثرت على الحياة الشعرية والثقافية على ساحل الخليج خلال النصف الأول من القرن الماضي.
هذه الندوة أقيمت عشية اليوم الوطني السعودي، وهدفت إلى استجلاء سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين، والتواصل العابر للحواجز والانقسامات، وكانت فترة حياته التي توثقت صلة بالملك المؤسس عبد العزيز، عنوانا لقدرة الإداري المثقف على تعزيز التلاحم وبناء الثقة.
حملت الندوة عنوان: «خالد الفرج: الشاعر والوطن»، وحضرها نخبة من المثقفين السعوديين حضر كثير منهم من الرياض، وبعضهم من الكويت، مع جمهور غفير من المنطقة الشرقية، ونظمها «منتدى الثلاثاء» الذي يديره الكاتب المهندس جعفر الشايب، بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز في الرياض، وشارك في الندوة كل من: الدكتور عبد الرحمن الشبيلي والأديب عدنان العوامي.
ولد الشاعر خالد الفرج، في الكويت، منتصف ربيع الثاني عام 1898، وذكر الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي أنه «ينحدر من أصول سعودية تعود إلى البدارين من الدواسر، وقد ولد من أسرة ميسورة الحال، ووالدته هي شيخة بنت ثنيان عبد الرحمن الثنيان من قبيلة الخليفات القطرية، عاش في الهند، فالبحرين، ثم في المنطقة الشرقية السعودية، وأمضى العامين الأخيرين من عمره في بلاد الشام»، وتوفي في أحد مستشفيات لبنان سنة 1954.
وفي ترجمة معجم البابطين لشعراء العربية، يشير إلى أن اسمه الكامل هو: خالد بن محمد بن فرج الصراف الدوسري، وأنه ولد في الكويت وتوفي في لبنان، وقضى حياته العملية متنقلا من الكويت إلى مومباي والبحرين والسعودية (القطيف والأحساء والدمام) وتلقى علومه المبكرة في الكتاب، وعند افتتاح المدرسة المباركية عام 1911 التحق بها، ونشط في الاطلاع على كتب التراث المختلفة، ثم بدأ حياته العملية مدرسا في المباركية، فكاتبًا عند أحد كبار الكويتيين في الهند، وأسس في مومباي المطبعة العمومية التي طبع فيها مجموعة من الكتب كان بعضها على نفقة الملك عبد العزيز، وقد درس اللغة الإنجليزية والهندسة خلال عمله هناك، ثم انتقل إلى البحرين ليصبح مدرسا بمدرسة الهداية الخليفية في البحرين، وعضوا في المجلس البلدي البحريني، ثم صار مسؤولا في بلدية الأحساء ورئيسا لبلدية القطيف.

* شاعر الخليج
* ولذلك، فإن عددا من الأقطار الخليجية والعربية تتنازع انتماء هذا الشاعر إليها، هي الكويت والبحرين والسعودية. وكانت الفترة الذهبية في حياته التي عرفته على الشعراء والأدباء في السعودية والبحرين، خلال تكليفه من قبل الملك عبد العزيز بتولي بلدية القطيف. وعن هذه المرحلة يتحدث المؤرخ الراحل محمد سعيد المُسلم، صاحب كتاب «ساحل الذهب الأسود»، قائلا: «إن خالد الفرج قضى معظم حياته في القطيف، وكان لها الفضل في استقراره النفسي، وقد منحها في المقابل إخلاصه ووفاءه وعصارة أفكاره، واندمج في مجتمعها، وأصبح فردا منهم، وغذى الحركة الأدبية فيها، وترك أثرا كبيرا في تطور الحياة الفكرية، وكان يلتقي الأدباء والمثقفين من أبناء القطيف».
الشاعر والمحقق عدنان العوامي، ناقش في دراسته عن سيرة الشاعر خالد الفرج، ما يثار غالبا بشأن هويته وانتمائه، ففي حين جزم أن الشخصيات الأدبية تنسب لبلد المنشأ غالبا، فقد أعطى تفسيرا اقتصاديا لاجتذاب الشخصيات الأدبية في الخليج، وقال: «قبل ظهور النفط في منطقتنا الشرقية هذه لم تكن الظروف مهيأة لنشوء حركة ثقافية أو صحافية، وإن كان فيها أدباء وعلماء، وشعراء متابعون للحركة الثقافية، وتصلهم الصحف والكتب من الخارج، ومنهم من مارس النشر في صحف تصدر في الخارج كالعراق والبحرين ولبنان، وكان المؤلفون يُضطرون للسفر إلى العراق أو الهند لطباعة مؤلفاتهم». ويضيف: «لكن حين تفجر النفط، واتجهت المنطقة نحو النهوض والازدهار باتساع موارد الرزق فيها، بدأ الناس يتقاطرون عليها من كل حدَب وصوب، فكان فيهم التاجر، والأديب، والشاعر، والمثقف. فانتقل إليها شخصيات أدبية وصحافية، وأخرى مثقفة لم تكن منها في الأصل، لكنها استوطنتها، وشاركت في صنع نهضتها الثقافية والصحافية التي نشهدها اليوم»، وبينهم بالطبع خالد الفرج.
وكان العلامة حمد الجاسر من أقدم من تناول سيرته ومؤلفاته وشعره بالتفصيل؛ إذ رثاه بُعيد وفاته بمقال مطول في مجلة «اليمامة» عام 1954 استعرض فيه أبرز محطات حياته وإنتاجه الفكري، متتبعا هجرة أسرته - ولأسباب غير معروفة - في أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) من بلدة نزوى في وادي الدواسر لتستقر في بلدة الزبارة في شمالي شبه جزيرة قطر، ثم رحلت إلى عُمان، ومنها اتجهت إلى الكويت، وقد خرج من هذه الأسرة ابنُ عمه الأديب الكويتي المعروف عبد الله محمد الفرج المتوفى في الكويت عام 1902 وهو موسيقي وملحن، وله ديوان شعر بالفصحى والعامية أعده وطبعه خالد الفرج عندما كان في الهند في حدود عام 1338هـ (1919م) ثم أعيد طبعه مرارا.
وكما كان لخالد الفرج دور مهم في ترسيخ الاهتمام بالأدب، فقد اهتم أيضا بالنشر. يقول الدكتور الشبيلي: «بحكم هوايته للطباعة من خلال تجربته السابقة في الهند، بادر الفرج إلى تبني إنشاء أول مطبعة في المنطقة الشرقية (المطبعة السعودية بالدمام) التي سعى إلى تأسيسها بدعم من الملك سعود، وقد سافر إلى ألمانيا من أجل شرائها، وتابع تركيبها خلال إقامته الاستشفائية في سوريا ولبنان في العامين الأخيرين من حياته، لكنه لم يحضر تشغيلها، وقد أتاح تأسيسها للصحف الأهلية الناشئة في المنطقة الشرقية آنذاك أن تطبع محليا».
يقول الشبيلي: «عاش خالد الفرج نحوا من ثمانية وخمسين عاما من التنقل المكاني عبر كل إمارات الخليج تقريبا، ليجد ضالته في التوطن أخيرا في المنطقة الشرقية حيث تكونت أسرته، ووجد من الاستقرار النفسي والمعيشي والوظيفي والأسري ما جعله يتفرغ للفكر والإبداع، مع أنه أقام في الكويت والبحرين والهند والأحساء والقطيف والدمام وتردد عليها، ثم أقام في بلاد الشام قبيل وفاته».
وعن إقامته في القطيف يقول: «كانت إقامته في المنطقة الشرقية الفترة الأكثر خصوبة وحيوية في حياته الفكرية والإدارية، والأطول من الناحية الزمنية؛ قرابة نصف عمره».
أما سفر وتنقلات خالد الفرج، فقال عنه الشبيلي، إنه جسد وحدة المنطقة، وإن أشعاره عبرت عن هموم الأمة، «وكان في زمنه ملء السمع والبصر.. كوّن صداقات، وتبادل المراسلات والقصائد الإخوانية مع عدد من رموز الثقافة في الكويت من أمثال عبد اللطيف النصف، وعبد الرحمن النقيب، ويوسف القناعي، وخالد العدساني، وصقر الشبيب.. وفي البحرين من أمثال قاسم الشيراوي، وعبد الله الزايد، وفي المنطقة الشرقية من أمثال آل الجشي، وآل الخنيزي، والعوامي والخطي، علاوة على زميل دربه هاشم الرفاعي مدير الجمارك».
كلف خالد الفرج من قبل الملك عبد العزيز بإنشاء بلدية القطيف، لكنه وجد هناك بيئة ثقافية وشعرية وعلمية، فتأثر بها وتفاعل معها.
يذكر خالد سعود الزيد أن الفرج استجاب لتشجيع هاشم الرفاعي (الكاتب آنذاك في الديوان السلطاني) للعمل في المملكة، وأن السلطان عبد العزيز (حينها) استقبله أحسن استقبال واختاره مشرفا على بلدية الأحساء ثم القطيف، بينما يُستفاد من سيرة الفرج التي كتبها بنفسه أنه كُلف ببلدية القطيف وكان مؤسسها سنة 1346هـ. يقول الشبيلي: «وبتتبع علاقته بالمجتمع الثقافي في أثناء إقامته، التي قيل إنها امتدت نحو خمسة وعشرين عاما في المنطقة الشرقية، تذكر المراجع أنه قدم من البحرين مع النزوح الجماعي المعروف لعشيرة الدواسر مطلع الأربعينيات من القرن الهجري الماضي (العشرينات الميلادية)».

* تأثيره الثقافي
* الشاعر عدنان العوامي، اهتم في دراسته بتتبع العلاقة الوثيقة التي ربطت خالد الفرج بشخصيات القطيف العلمية والأدبية، والإخوانيات والمساجلات التي ربطت بينه وبينهم، والقصائد التي نظمها في مناسبات متعددة خاصة ما يتعلق بمراسلاته الشعرية مع الشيخ فرج العمران، أو الشيخ ميرزا حسين البريكي، أو نظمه قصائد رثائية في مناسبات وفاة أحد، كرثاء الشيخ منصور الزاير، ورثائه السيد سعيد العوامي، أو تأبينه السيد ماجد العوامي. وفي سنة 1363هـ توفي الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي، الذي عرف بلقب زعيم القطيف، فرثاه خالد الفرج بقصيدة قال فيها:
ابكوا بدمع أو نجيع
شيخا يعز على الجميع
وتصوروا البدر اختفى
في غامض الليل المريع
يضيف العوامي: «نلمس مبلغ تفاعل الفرج بالبيئة الأدبية في القطيف في رثائه كذلك الشاب أحمد البيات، إبن صديقه الشيخ منصور البيات:
اقرأوا، خاشعين، أمَّ الكتاب
ثم ضجوا بالنوح والاكتئاب
واملأوا موضع الخشوع عويلا
في عظيم الأحزان والاكتئاب
الشاعر عدنان العوامي، قال إن «ارتباط خالد الفرج بالقطيف لم يقف عند حده هو، بل كان السبب في ارتباط غيره من الشخصيات بالقطيف ومثقفيها وأدبائها كالشيخ حمد الجاسر، حيث اصطحب الفرج الجاسر إلى مجلس الأديب أحمد بن حسين السنان، وكان بمثابة الصالون الأدبي لمثقفي القطيف، فكان ذلك اللقاء بداية صلة امتدت بين الشيخ الجاسر ومثقفي القطيف حتى وفاته».

* رائد الملاحم
* في الجانب الشعري لخالد الفرج، تحدث الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي عن الحياة الشعرية لخالد الفرج، فـ«هو مثقف وشاعر ومؤرخ اشتهر من نظمه ملحمة (أحسن القصص) التي طبعت في القاهرة في 130 صفحة في حدود عام 1929 من تقديم محمد علي الطاهر، ثم راجعها عالم قطر الشيخ عبد الله الأنصاري وطبعت في الدوحة عام 1982، وهي مطولة شعرية غطت العقود الخمسة الأولى من حياة الملك عبد العزيز منذ ولادته سنة 1876، وحتى دخل الحجاز في حكمه سنة 1925.
وأضاف الشبيلي: «والملحمة مقسمة إلى 20 فصلا تشتمل على 800 بيت (..) وقد نظمها وطبعها إبان عهد الملك عبد العزيز عندما كان ملك الحجاز ونجد وملحقاتها».
يضيف الشبيلي: «كما اشتهر من آثاره الشعرية القصيدة البائية (الخبر والعيان في تاريخ نجد) في خمسمائة بيت، نظمها على مرحلتين في عامي 1367 و1368هـ (1947 و1948م) قائلا في مطلعها:
إلى مجدك العلياءُ تُعزى وتنسبُ
وفي ذكرك التاريخُ يُملى ويُكتبُ».
ويرى الشبيلي أن خالد الفرج أبدع في شعر الملاحم، «بل إنه ربما كان الأسبق من بين عدد من الشعراء الذين عرفوا بهذا الفن، أمثال أصحاب الملاحم: محمود شوقي الأيوبي، وبولس سلامة، وفيكتور البستاني، ومحمد عبد الله العوني، وعبد الله العلي الزامل، وأحمد إبراهيم الغزاوي، وحسين سرحان، وخير الدين الزركلي، وعبد الله بالخير، وفؤاد شاكر، ومحمد بن عبد الله العثيمين.. وغيرهم»، ورجح أن «يكون الفرج الأسبق بينهم في هذا النوع من الشعر الملحمي ذي الطابع السردي التاريخي».
ويضيف: «تضمن التراث الفكري لخالد الفرج مجموعةً من الكتب المطبوعة والمقالات التي نشرها في حياته، وبعض مخطوطات لم يتمكن من استكمالها أو من طباعتها قبل وفاته». وقد تولى الباحث عبد الرحمن الشقير تحقيقها ونشرتها مكتبة «العبيكان» عام 1420 هـ (2000م) في مجلد يزيد على 500 صفحة. وبحسب المحقق خالد سعود الزيد، توجد للفرج قصيدة لامية طويلة ثالثة سماها «الملحمة الذهبية» نظمها بمناسبة الذكرى الخمسين لدخول الرياض.

* شاعر عروبي
* تحدث الشبيلي عن عقيدة خالد الفرج الشعرية، فقال إنه عاش بدايات المخاض السياسي في الوطن العربي، «ومن يتابع سيرته يجد أنه تفاعل مع التحولات السياسية التي مرت بتلك الحقبة، كالاحتلال البريطاني للخليج، وقيام الشيوعية، واغتصاب فلسطين، وبروز القومية العربية، والحربين العالميتين، وقضية الجزائر. وغلبت على شعره نبرة التندر أحيانا تجاه بعض التيارات، لكنه لم ينهج في تفكيره منهجا متطرفا..».
ويستحضر الشبيلي ما ذكره حمد الجاسر في هذا الشأن: «خرج في شعره إلى مجال أرحب، فعالج النواحي الاجتماعية العامة للأمة العربية، وتعدى ذلك إلى الإشادة بعظماء العالم الذين خدموا بلادهم، فرثى شاعر العروبة أحمد شوقي، وصديقه أمين الرافعي، ومجد الزعيم الهندي غاندي. وبجانب مديحه للزعماء العرب وجه نقدا لاذعا لآخرين رأى فيهم اعوجاجا، وكانت له خبرة بمسألة إصلاح الحروف العربية وألّف في ذلك».
عن وعد بلفور قال خالد الفرج:
ما وعد بلفور إلا بدء سلسلة
من المظالم في التاريخ كالظـلم
وما فلسطين إلا مثل أندلسٍ
قضى على أهلها بغي وعدوان
وله قصيدة طويلة معروفة باسم «الشرق والغرب» ألقاها بمناسبة احتفاء النادي الأدبي في الكويت به (31 – 8 – 1927) جاء فيها:
الغَرْبُ قد شدّدَ في هَجْمَتِهْ
والشَرْقُ لاهٍ بعدُ في غَفْلَتِهْ
وكُلّمَا جَدَ بأعْمَالِهِ
يَسْتَسْلِمُ الشَرْقُ إلى رَاحَتِهْ
فيجمعُ الغربِي وحْدَاتِهِ
والشرق مقسوم على وحدتِهْ
وذاكَ يبني العِلْمَ في بحثِهِ
وذا يُضيعُ الوقتَ في نظرته
ومنها:
يا قومُ في أحوالنا عِبرَةٌ
فليقم النائم من رقدته
فَمَنْ تَغدّى بأخي ضحوةً
حتما تعشَى بي في ليلتِهْ
وكلنا يُنشِدُ في سِرِهِ
ما قالَهُ الشاعرُ في حِكمتِهْ:
«مَنْ حُلِقتْ لِحْيةُ جارٍ لَهُ
فلْيسكبِ الماءَ على لِحيتِهْ»



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.