الطريق إلى قرطاج يجذب التونسيين لاختيار رئيس الدولة

إقصاء اثنين من المرشحين في أولى المناظرات التلفزيونية

تونسيون يتابعون مناظرة تلفزيونية بين المرشحين للرئاسة في مقهى بوسط تونس أول من أمس (رويترز)
تونسيون يتابعون مناظرة تلفزيونية بين المرشحين للرئاسة في مقهى بوسط تونس أول من أمس (رويترز)
TT

الطريق إلى قرطاج يجذب التونسيين لاختيار رئيس الدولة

تونسيون يتابعون مناظرة تلفزيونية بين المرشحين للرئاسة في مقهى بوسط تونس أول من أمس (رويترز)
تونسيون يتابعون مناظرة تلفزيونية بين المرشحين للرئاسة في مقهى بوسط تونس أول من أمس (رويترز)

اكتظ مقهى في العاصمة التونسية على غير العادة برواد جالسين وأنظارهم مشدودة في حيرة إلى شاشة تبث مناظرة تلفزيونية غير مسبوقة لمرشحين للانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة بعد أسبوع، علّهم يجدون الشخص المناسب في تقديرهم.
وقبل أسبوع من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، تنظم تونس منذ أول من أمس ولثلاث أمسيات متتالية مناظرات كبرى بين المرشحين الـ26. في مبادرة نادرة في العالم العربي، وتجري المناظرات تحت عنوان «الطريق إلى قرطاج. تونس تختار»، وقد وصفها مروجوها بأنها «الحدث» الأبرز في الحملة الانتخابية و«نقطة تحول» في الحياة السياسية في تونس، ومع انطلاق النقاش تحلّق العشرات حول الطاولات يصغون بانتباه إلى أجوبة المرشحين على أسئلة الصحافيين التي تمحورت حول صلاحيات الرئيس في مجالي الأمن القومي والسياسة الخارجية.
وشهدت الدفعة الأولى مشاركة تسعة مترشحين، على أن توزع بقية المترشحين على دفعتين أخريين كل واحدة منهما بها ثمانية مترشحين، وحسم بعض المتابعين مواقفهم بصفة أولية في عدد من المترشحين ممن لم يقنعوا في تدخلاتهم، وهذا الأمر قد يمس على الأقل أربعة مرشحين ممن طالتهم أسهم النقد سواء من خلال تفاعل المشاهدين على مواقع التواصل أو من خلال التعليقات التي تبعت هذه المناظرات في يومها الأول.
وخلال الدفعة الأولى من هذه المناظرات، تغيب نبيل القروي المترشح للانتخابات الرئاسية بسبب وجوده داخل سجن المرناقية (غربي العاصمة التونسية) على خلفية اتهامه بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال. ومنعت الأطراف المنظمة لهذه المناظرات مطلب هيئة الدفاع عن القروي التي اقترحت تدخله عبر تقنية «سكايب» من داخل السجن. كما رفضت في الإطار ذاته حضور زوجته المناظرة التلفزيونية الأولى التي نظمتها القناة الوطنية الأولى (حكومية)، وكتب القروي في تغريدة في حسابه الرسمي على «تويتر» تعليقاً على غيابه «حرموني هذه الليلة من حقي الدستوري للتعبير أمام الشعب التونسي. ويجرؤون على الحديث عن انتخابات شفافة وديمقراطية في غياب مبدأ أساسي وهو التساوي في الحظوظ».
ولن يكون نبيل القروي المترشح للانتخابات الرئاسية، الوحيد الممنوع من حضور هذه المناظرات الأولى من نوعها التي تنظم في تونس، بل سيشمل القرار كذلك سليم الرياحي رجل الأعمال المثير للجدل، الفار من وجه العدالة التونسية نتيجة اتهامه كذلك بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال.
وكان نبيل بافون رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، قد أكد قبول ملف ترشح كل من نبيل القروي وسليم الرياحي في السباق الرئاسي، وهو ما طرح مشاكل قانونية على مستوى مشاركتهما في الحملة الانتخابية الرئاسية وفي المناظرات التلفزيونية التي يحتضنها مقر التلفزة التونسية الحكومية.
وبشأن مدى جدوى هذه المناظرات التلفزيونية وتأثيرها على الرأي العام المحلي، تباينت المواقف إثر الإطلالة الأولى لتسعة مترشحين للانتخابات الرئاسية، إذ أكد عدد من التونسيين على إيجابية وجود هذه المناظرات التلفزيونية لتكريس البعد الديمقراطي لهذه الانتخابات، فيما اشتكى عدد هام من متابعيها من رتابتها إلى حد الملل وشبهها البعض من التونسيين بـ«الامتحان الشفوي» في إحدى مناظرات الدخول إلى إحدى الوظائف، عوض طابع السجال والجدل المفترض أن يتوفر فيها.
وتقول إيمان (30 عاماً) العاطلة عن العمل لوكالة الصحافة الفرنسية، وهي تتابع المناظرة وملامح الاستياء بادية على وجهها «بالنسبة لي لم تتضح الأمور بعد».
وتوضح إيمان: «تابعت كثيراً أغلب المرشحين على مواقع التواصل الاجتماعي، والآن من خلال المناظرة يقدمون إجابات عامة وفضفاضة»، مضيفة أن «الأمور تبقى ضبابية».
غير أن أسامة (33 عاماً) توصل إلى غربلة المرشحين وإسقاط بعضهم من قائمة خياراته، ويقول: «هناك من المرشحين من ظهر مستوعباً ومدركاً لمهام وصلاحيات الرئيس، وهناك من كان خارج الموضوع وحذفته من خياراتي».
وشارك في مناظرة السبت ثمانية مرشحين من بينهم المرشح الإسلامي عبد الفتاح مورو، وقد ارتدى كعادته «الجبة» التونسية التقليدية، وأول رئيس تونسي ما بعد الثورة منصف المرزوقي ورئيس الوزراء السابق مهدي جمعة والناشطة المعارضة للإسلاميين عبير موسي، فيما غاب رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، المرشح الذي أودع السجن بتهم غسل الأموال.
والتزم المشاركون بالتوقيت المحدد بنحو 99 ثانية لكل إجابة، ولم تشهد المناظرة مشاحنات وتبادل اتهامات كما يحصل عادة في هذا النوع من السجالات السياسية.
وفي المقهى، ترتفع بين الحين والآخر ضحكات ساخرة بين متابعي المناظرة، حين يتلعثم أحد المرشحين في رده أو تبدو عليه البلبلة، وكأنه «تلميذ أمام امتحان» على حد تعبير أحدهم.
ويصف أسامة الجو العام للمناظرة التي تولاها مقدّمان وحضرها جمهور، بأنه «بارد وخال من كل المناوشات»، مستدركاً «لكن نفخر به لأن كل العرب يشاهدوننا الليلة».
وعلق عبد الستار الخمسيني على مقترحات المرشحين الواقفين في شكل نصف دائري خلف منابرهم في استوديو التلفزيون الحكومي الذي غلبت عليه الإضاءة باللونين الأزرق والأحمر، فرأى أن طروحاتهم ووعودهم الانتخابية «عامة» وأنهم «لم يقدموا برامج واضحة ومفصلة»، مرجحاً أن يكون السبب عامل «الخوف».
ويرى مراقبون للشأن السياسي أن الانتخابات الرئاسية المبكرة مفتوحة على كل الاحتمالات ولا ينحصر الصراع فيها بين قطبين بارزين كما كان الحال في انتخابات 2014.
وجاء في تقرير لمركز «جسور» التونسي للأبحاث: «للمرة الأولى لا يملك التونسيون فكرة عن من سيكون الرئيس»، مضيفاً «عام 2014. كان هناك بطلان: الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي و(الرئيس الراحل الباجي قايد) السبسي... لكن اليوم كل شيء وارد».
كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات وسجالات بين نشطاء، منهم من بدأ بحذف أسماء المرشحين الواحد تلو الآخر من قائمة اهتماماته بعد الاستماع لمداخلاتهم، ومنهم من تابع الحدث من خارج تونس وعلق بطريقته الخاصة.
وبث البرنامج على 11 قناة تلفزيونية بما في ذلك قناتان عامتان، وعشرين محطة إذاعية، ويشارك في تنظيم المناظرات التلفزيون الحكومي الذي بثها حصرياً والهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري ومنظمة «مبادرة مناظرة».
وفي هذا الشأن، قال عبد الحميد عمار (نقابي) إن المناظرات كانت بعيدة عن انتظاراته، فهي مملة للغاية وأظهرت ضعفاً على مستوى التصور والتنفيذ وكان الأجدر بمن نظمها أن يترك المناظرة الحقيقية إلى الدور الثاني بين المترشحين الأولين الحاصلين على أكثر الأصوات، واعتبر أن من بين أهم أسباب فشلها عدم وجود فوارق حقيقية بين البرامج الانتخابية للمترشحين لكرسي الرئاسة، وهو ما جعل أفكارهم متقاربة والحلول التي يطرحونها خالية من أي تميز، على حد تعبيره.
وبعد مرور الأسبوع الأول من الحملة الانتخابية الرئاسية، ما زال عدد هام من التونسيين لم يحددوا بعد مرشحهم المفضل، وفي هذا الشأن، اتهم خليل الرقيق المحلل السياسي التونسي حركة النهضة بتشتيت المشهد السياسي وإرباك المسار الانتخابي من خلال تزكيتها لخمسة مترشحين للانتخابات الرئاسية المقررة يوم الأحد 15 من الشهر الحالي.
على صعيد متصل، أكد فاروق بوعسكر نائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن الهيئة ستبدأ عملية توزيع المواد الانتخابية بداية هذا الأسبوع وتشمل 27 دائرة انتخابية، مشيراً إلى توفر جميع مستلزمات التصويت للانتخابات الرئاسية المبكرة التي ستجري داخل تونس وخارجها خلال الفترة المتراوحة من 13 إلى 15 سبتمبر (أيلول) الحالي.
وأضاف بوعسكر في تصريح إعلامي شروع هيئة الانتخابات في شحن المواد الانتخابية عبر طرود دبلوماسية نحو 45 بلداً ستجري عمليات التصويت للرئاسيات المقبلة على أراضيها من خلال 390 مكتب اقتراع.
وبشأن توفير الحماية لمراكز التصويت وتجميع النتائج والفرز داخل تونس، أوضح بوعسكر أن مختلف المراكز ستكون مؤمنة من قبل وزارتي الداخلية والدفاع اللتين ستضعان كامل الإمكانيات لإنجاح تلك الانتخابات على حد تعبيره.
وبخصوص ما سيطرحه تزامن انطلاق حملات الانتخابات البرلمانية المقررة يوم 14 من الشهر الحالي، مع يوم الصمت الانتخابي بالنسبة للرئاسيات، أفاد بوعسكر أنه «سيتم التصدي لكل دعاية مقنعة لأي مترشح في السباق الرئاسي خلال هذين اليومين عبر موظفي المراقبة التابعين لهيئة الانتخابات أو بواسطة أعوان الأمن المتمركزين في محيط مراكز الاقتراع، على حد قوله.
يذكر أن الحملة الانتخابية الرئاسية تنتهي يوم 13 سبتمبر (أيلول) الحالي على أن يكون يوم 14 يوم صمت انتخابي ويوم 15 من الشهر ذاته يوم اقتراع، ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن النتائج الأولية للدور الأول للانتخابات الرئاسية يوم 17 سبتمبر (أيلول) الحالي.



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended