مصطفى كمال النابلي: هدفي المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

المرشح للرئاسة التونسية يقول لـ «الشرق الأوسط» إن مبادرة «النهضة» بشأن الرئيس التوافقي غير مجدية

مصطفى كمال  النابلي
مصطفى كمال النابلي
TT

مصطفى كمال النابلي: هدفي المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

مصطفى كمال  النابلي
مصطفى كمال النابلي

قال مصطفى كمال النابلي، المحافظ السابق للبنك المركزي التونسي وأحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، إن تقديمه شهادة طبية ضمن ملف الترشح للانتخابات الرئاسية ليس موجها لأي طرف سياسي أو مرشح للرئاسة، بل يدخل ضمن الشفافية الأخلاقية الضرورية لعمل مؤسسات الدولة، مشيرا إلى أنه من حق التونسيين معرفة كل التفاصيل عن مرشح الرئاسة عدا السيرة الذاتية والتجربة السياسية.
وأضاف النابلي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بالعاصمة التونسية، أن قرار تقدمه بشهادة طبية ضمن ملف ترشيحه اتخذ قبل أسابيع من إطلاق إشاعات بشأن مرض الباجي قائد السبسي، رئيس حركة نداء تونس.
وفيما يلي نص الحديث:
* متى قررتم الترشح للانتخابات الرئاسية؟ وما دوافعكم من وراء ذلك؟
- فكرة الترشح لمنافسات الرئاسة تعود إلى قرابة شهرين قبل الآن، لكن القرار النهائي اتخذته قبل فترة قليلة، ودوافعه الأساسية ترجع إلى متابعتي التطورات الحاصلة في المشهد السياسي التونسي وما رافقها من مصاعب سياسية وأمنية، وأيضا اقتصادية. ولا أخفي أنني من خلال التشخيص لاحظت أن مؤسسة الرئاسة خفت بريقها، وهي في حاجة أكيدة لكي تصبح مؤسسة حقيقية تلعب دورا أساسيا في استقرار بقية مؤسسات الدولة وتلعب دورا محوريا في إعادة الثقة إلى نفوس التونسيين خلال السنوات الخمس المقبلة. لقد خلق الوضع غير المستقر في تونس مجموعة من المصاعب والمشكلات التي يعتقد كل الخبراء أنها ستستمر خلال السنوات المقبلة. وأدركت كذلك أن التونسيين في حاجة أكيدة إلى إعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وهذا ما سيفيد في إعادة ثقة الخارج في تونس من كل النواحي، والمطلوب من مؤسسة الرئاسة العمل على تلبية نداء الصالح العام من خلال مصداقية شخصية الرئيس المقبل وفاعليته في تنقية الأجواء وتحسينها.
* لكن كل المرشحين للرئاسة أو معظمهم يقدمون المبررات نفسها بشأن ترشحهم لرئاسة الجمهورية، فما الذي سيميز بينهم على حد تقديرك؟
- لقد عاينت بصفة شخصية كم المشكلات المتراكمة في تونس منذ الثورة، واتصلت بالكثير من الأطراف السياسية والاقتصادية، وأعدت ترتيب تلك المشكلات، وخلصت إلى أنها كل مترابط تتداخل فيه المشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن خلال متابعتي لمن قرروا الترشح للانتخابات الرئاسية، لم ألاحظ استجابة فعلية لمتطلبات المرحلة المقبلة، وكان لزاما علي التقدم بخيار مختلف للتونسيين.
* إلى ماذا أفضى ترتيبك لتلك المشكلات؟
- اتضح لي أن العملية معقدة جدا، وأن مفتاح الحل يبدأ بإرجاع الثقة إلى المؤسسات الدستورية، وبناء نوعية جديدة من الثقة تربط بين التونسيين ومؤسسات الحكم. وأعتقد أن لي القدرة والكفاءة على فتح أبواب أمل جديدة أمام التونسيين.
* لكن الأمل الذي تحدثت عنه يمكن اختصار طريق الوصول إليه عبر الجوانب الاقتصادية، فهل ستكون أنت رئيسا بخلفية اقتصادية؟
- البعد الاقتصادي مهم للغاية. والثورة جاءت من أجل الحرية والكرامة، وإذا كانت الحرية قد تحققت بوصفها مكسبا مهما من مكاسب الثورة ولا يمكن التراجع عنه أو التشكيك في وجوده، فإن الكرامة لا يمكن الحديث عنها إلا بتحسين مستوى عيش التونسيين والرقي بقطاعات التربية والتعليم والصحة والنقل وغيرها من نواحي الحياة. وهذا لا يجعلنا نغفل بقية الجوانب، خاصة منها السياسية والأمنية، فهي أساسية ولا يمكن الاستهانة بتأثيراتها على جميع المتغيرات. وأعتقد أن مهمة الرئيس التونسي المقبل ليست فنية فحسب، بل تشمل قدراته الشخصية على إدارة الشأن العام واتخاذ القرارات المناسبة كما أشرت إلى ذلك في أكثر من مناسبة.
* وهل بإمكان الرئيس التونسي المقبل تغيير صورة مؤسسات الدولة، وفتح أبواب الأمل أمام التونسيين وهو لا يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة؟
- هذا الكلام لي فيه رأي مختلف، فمعظم المرشحين لكرسي الرئاسة يقدمون قراءة منقوصة لصلاحيات رئيس الدولة، إذ ليس صحيحا بالمرة أن مهام الرئيس تتلخص في النواحي الشكلية، فهو قادر على إشاعة مناخ من الثقة، وينتظره عمل كبير في هذا المجال للمساعدة على الاستقرار السياسي والأمني، وهو الذي سيغير لاحقا وجه تونس.
وأعتقد أن الرئيس لديه الكثير من الوسائل والصلاحيات الدستورية للتأثير على السياسات والتوجهات العامة للبلاد، فالدستور الجديد يسمح له بتقديم مشاريع قوانين وبرامج للتنمية والاستقرار، ويمكنه من اللجوء إلى استفتاء التونسيين بشأن تلك البرامج والقرارات والمبادرات في حال عدم الاتفاق عليها مع بقية الشركاء السياسيين. كما أن القانون يسمح له برئاسة مجلس الوزراء، ومن ثم التأثير على السياسة العامة للدولة.
* ومع ذلك يبقى الدور تشريفيا وهو بعيد كل البعد عن صلاحيات رؤساء دول أخرى.
- الأمر مرتبط بشخصية الرئيس؛ فهي، على حد اعتقادي، محورية في هذا المجال، وهو الذي يوسع في أدواره ويحدد مدى نجاعة تدخلاته في الشأن السياسي.
* لقد ارتفع عدد المرشحين للرئاسة إلى 70 مرشحا، وهذا رقم قياسي لم يحصل في السابق، كيف ستتميز أنت عن كل هؤلاء؟
- بإمكاني التميز عن بقية المرشحين على 3 مستويات، الأول ينطلق من تجربتي الطويلة في إدارة الشأن العام، والتصرف الإداري، والابتعاد عن خدمة أجندات ضيقة. أما المستوى الثاني فهو التمتع بالاستقلالية عن بقية الأطياف السياسية، فمعظم المرشحين للرئاسة انطلقوا من أحزاب سياسية أو لديهم ميول سياسية إلى اليمين أو اليسار، وهذا الأمر لا ينطبق علي، وهو يميزني عن بقية المرشحين.
أما المستوى الثالث، فيكمن في التوجه الفوري نحو الأفعال، وعدم الاكتفاء بالأقوال، فمن خلال تجربتي الطويلة في التعامل مع الملفات الكبرى، فإن توقيت القرار والتعامل الفوري مع المشكلات يمثلان جانبا كبيرا من عنصر النجاح في مختلف نواحي الحياة.
* وما رأيك في مبادرة حركة النهضة بشأن الرئيس التوافقي؟ وهل أنت معني بها؟
- أراها مبادرة غير مجدية، وأنا شخصيا غير معني بها، بل أكثر من ذلك هي محاولة أو طريقة لنزع المبادرة من الشعب وإسنادها غصبا للأحزاب السياسية، وهذا على حد اعتقادي نسف للتجربة الديمقراطية التي تمكن الشعب من اتخاذ قراره بنفسه عبر صناديق الاقتراع.
* هل أجرت حركة النهضة اتصالات بكم في هذا المجال؟
- لا لم نتحدث في هذا الموضوع.
* نأتي الآن إلى علاقتك بالباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس.. كيف تقيمها في الوقت الحالي؟
- علاقتي بالباجي طيبة وقد التقيته أخيرا، ودار اللقاء بيننا في أجواء ودية.
* وهل لك أن تطلعنا على ما دار بينكما من حديث في ذلك اللقاء الذي سبق ترشحكما لمنافسات الرئاسة؟
- اللقاء لم يكن رسميا، ولم يحظ بتغطية إعلامية كبرى، واكتفينا بالحديث عن الوضع العام في البلاد وعن الترشح للرئاسة.
* قلت إن العلاقة مع الباجي ودية، ولكنك فاجأت الساحة السياسية التونسية بتقديم شهادة طبية تكشف سلامتك الجسدية والنفسية، وهذا الأمر جرى بعد فترة قليلة من إثارة موضوع مرض الباجي قائد السبسي من قبل قياديين في حركة نداء تونس، وهذا الأمر قرئ من معظم السياسيين على أنه محاولة منك للتخلص المبكر من أحد منافسيك البارزين؟
- دعني أشِر إلى أن تونس عرفت فترات حالكة في تاريخها، وشكل مرض الرئيس أحد التابوهات المغلقة أمام الحديث الإعلامي أو التناول الشعبي؛ فهذا الموضوع شكل سرا في عهد الحبيب بورقيبة وفي عهد زين العابدين بن علي كذلك، وشكل إحدى عقبات الحكم، ومن الضروري اليوم الحديث عن هذا الموضوع قبل الإقدام على منافسات الرئاسة.
ولعلمكم، فإن فريق العمل الإعلامي، الذي يشرف على العملية الانتخابية، هو الذي نصح بتقديم تلك الشهادة الطبية ضمن ملف الترشح للرئاسة للتأكيد على سلامة المترشح وخلوه من الأمراض التي تجعل من ممارسة الحكم مشقة وعبئا ثقيلا عليه. وقد اتخذنا هذا القرار قبل أسابيع من تداول إشاعات بشأن مرض قائد السبسي. كذلك من حق التونسيين أن يعرفوا كل التفاصيل الصحية والنفسية والمالية عن المرشحين للرئاسة حتى لا يفاجأ بعد ذلك بقرارات اعتباطية تتخذ في فترة ستكون صعبة على كل التونسيين.
* هل تعتقد أن هذه المبررات ستقنع المتابعين للشأن السياسي وتؤكد لهم أن تلك الشهادة الطبية لا تستهدف بعض المرشحين ومن بينهم قائد السبسي؟
- الشهادة الطبية التي قدمتها ليست موجهة لأي طرف سياسي أو مرشح للرئاسة، بل تدخل ضمن الشفافية الأخلاقية الضرورية لعمل مؤسسات الدولة، فمن حق التونسيين أن يعرفوا كل التفاصيل عن المرشح للرئاسة عدا السيرة الذاتية والتجربة السياسية المعروفة للجميع.
* أنت أيضا لم تسلم من الاتهامات؛ إذ مباشرة بعد تقديمك للشهادة الطبية أثيرت مسألة اتهامك باختلاس الذهب من البنك المركزي التونسي الذي كان تحت مسؤوليتك، من يقود هذه الحملة ضدك، في نظرك؟
- أعتقد أنه هجوم تافه، فوضعية الذهب في البنك المركزي التونسي سليمة وليست هناك أي مشكلات، وكل هذه الأمور موثقة ضمن لوائح المحاسبات، ولم تتغير كمية الذهب البتة، والحكومات التونسية المتعاقبة على السلطة بعد الثورة تدرك هذا الأمر.
* ومن تعتقد أنه يقف وراء تلك الإشاعات؟
- ليس مهما من يقف وراءها، ولكن المهم، حسب رأيي، أنها باطلة. وأطلب بالمناسبة من مختلف المرشحين أن يراعوا الحد الأدنى من الأخلاقيات السياسية عند توجيه انتقادات بعضهم لبعض ضمانا لبيئة انتخابية سليمة.
* الآن وقد توضحت مواصفات الرئيس التونسي المقبل لديكم على الأقل، ما سقف طموحاتكم في هذه المنافسات الرئاسية؟
- هدفي الأساسي هو النجاح في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، وإذا تمكنت من المرور إلى الدور الثاني، فإن حظوظ النجاح ستكون وافرة بالنسبة لي.
* من تنتظر من المنافسين في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة؟
- من السابق لأوانه تناول هذا الأمر، ولكن كل الاحتمالات تبقى واردة.
* عرفت بأنك كفاءة اقتصادية بالأساس، كيف ستقنع الناخب التونسي اليوم بأنك تجاوزت حدود الاقتصاد إلى إدارة الشأن العام بكل تفاصيله؟
- أعتقد أن دور الرئيس التونسي المقبل هو تجميع التونسيين ونشر الثقة بينهم، ولا شك أن تجربتي في ميدان الاقتصاد والمالية ستساعد على تصور حلول عملية لعدة ملفات، ولكن مهمة الرئيس المقبل لن تكون اقتصادية، وسترتكز على عدة قضايا أخرى أمنية وسياسية على غاية من الأهمية.
* تحدثت في أكثر من مناسبة عن إعادة الثقة إلى التونسيين، كيف يمكن تحقيق ذلك؟
- أملي أن تفرز الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة طبقة سياسية مختلفة وقادرة على تصور الصعوبات المرحلية التي ستعرفها البلاد. نريد من الانتخابات المقبلة أن تحدث رجة نفسية لدى التونسيين فتتغير كل صور الحياة ويعود الاستقرار السياسي والأمني للبلاد، فهو محور كل عملية استثمارية ناجحة.



العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.


العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.