كان النجم الإنجليزي بيتر كراوتش خلال هذا اللقاء الذي أجريناه معه مطوياً في زاوية الأريكة ويرتدي سروالاً أسود ضيقاً وقميصاً أسود، وأطرافه محشورة في كل مكان بملابسه للدرجة التي تجعله يبدو كأنه خفاش نائم! وقال كراوتش إنه يشعر بالإرهاق، ليس بسبب موسم جلس خلاله كثيراً على مقاعد البدلاء، كما كانت الحال في ستوك سيتي وبيرنلي، أو بسبب الخروج كثيراً في المدينة وتأديته رقصته الشهيرة مثل الروبوت، ولكن بسبب قدوم مولود جديد لعائلة كراوتش: إنه الطفل رقم «4»، الذي كان يبلغ من العمر 4 أسابيع عندما أجرينا هذا الحوار مع كراوتش في فندق فاخر بالعاصمة البريطانية لندن.
وكان كراوتش يريد الاتصال بابنه الثاني، ديفوك، الذي سماه على اسم اللاعب البلجيكي ديفوك أوريغي، الذي لعب دوراً بطولياً في فوز ليفربول بلقب دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. ويكنّ كراوتش حباً كبيراً لكل زملائه السابقين في جميع الأندية الكثيرة التي لعب لها، لكنه يعشق نادي ليفربول على وجه خاص. لكن زوجته - عارضة الأزياء ومقدمة البرامج التلفزيونية آبي كلانسي - أطلقت على نجله الرابع اسم جاك.
وعندما سألنا كراوتش عن صحة المولود الجديد، رد قائلاً: «جيد للغاية. إنه ينام كثيراً ويستيقظ فقط لكي يرضع. إنه لا يبكي كثيراً». ورداً على سؤال آخر حول كيفية قيامه بدور الأب، رد قائلاً: «أنا بخير وعلى ما يرام، وأستمتع بكوني أباً، فهذا أمر رائع». وهناك مولود آخر جديد، لكنه ليس طفلاً، بل برنامج تلفزيوني أسبوعي لكرة القدم بعنوان: «العودة إلى الشبكة». وسوف يقدم كراوتش، البالغ من العمر 38 عاماً، هذا البرنامج إلى جانب المذيع غابي لوغان والممثل الكوميدي جون بيشوب. وسيقدم هذا البرنامج أمام عدد من الجمهور داخل الاستوديو، وسيتضمن مقابلات شخصية يتعهد كراوتش بأن تكون مع ضيوف يحبهم وينتظرهم الجمهور، ومع عدد من الشخصيات التي أثرت بشكل شخصي في حياة كراوتش، مثل مثله الأعلى هاري ريدناب، واللاعب الإنجليزي السابق جون بارنز.
ويقول كراوتش إن برنامج «العودة إلى الشبكة» سيتسم بروح الدعابة، مشيراً إلى أنه سيجعل الجمهور يشاهد أشخاصاً في مواقف غير متوقعة، فمن الممكن أن نرى لاعب كرة قدم شهيراً يعرض ألعاب أطفال صغيرة. وعندما قلت له إن هذا اللاعب الشهير قد يكون روي كين، رد كراوتش ضاحكاً وقال: «لا تعليق». ومن المعروف أن الممثل البريطاني الكوميدي جون بيشوب، الذي سيقدم البرنامج إلى جانب كراوتش، يعشق نادي ليفربول، فهل يجعله ذلك منحازاً خلال تقديم البرنامج؟ يقول كراوتش: «سوف يكون جون منحازاً بنسبة 100 في المائة، لكنني لن أكون كذلك. أنا أعشق نادي ليفربول، لكنني أحب أيضاً أندية توتنهام، وكوينز بارك رينجرز، وآستون فيلا، وساوثهامبتون، وبورتسموث، وجميع الأندية التي لعبت لها. لقد لعبت لعدد كبير من الأندية، وهو ما يجعلني لا أنحاز لطرف معين، وأن تكون لديّ وجهة نظر شاملة ومتنوعة حول الأمور».
ومنذ فشله في اللعب مع الفريق الأول بنادي توتنهام وهو في سن المراهقة، والانتقال على سبيل الإعارة إلى نادي دولويتش هاملت اللندني، ثم نادي «إيه إف كيه هاسليهولم» في دوري الدرجة الثالثة بالسويد، أمضى كراوتش نحو 20 عاماً في كرة القدم ليثبت خطأ كل من أعتقد أن تكوينه الجسدي لا يمكنه أن يلعب مهاجماً، بل ولا لاعب كرة قدم من الأساس، حيث سجل 108 أهداف في الدوري الإنجليزي الممتاز مع 7 أندية مختلفة دافع عن ألوانها، بما في ذلك الهدف الرائع الذي أحرزه في مرمى مانشستر سيتي. وسجل كراوتش 42 هدفاً بقميص ليفربول. وبعد أن تعرض في البداية لصافرات الاستهجان من جمهور المنتخب الإنجليزي، نجح كراوتش في أن يخوض 42 مباراة دولية بقميص إنجلترا، سجل خلالها 22 هدفاً، ولعب مرتين في نهائيات كأس العالم.
وفي الآونة الأخيرة، أظهر كراوتش قدرات جيدة للغاية في أشياء أخرى بعيدة عن كرة القدم. فمن خلال سيرته الذاتية (الثانية) وتغريداته الساخرة على موقع «تويتر»، وبرنامج «ذات بيتر كراوتش بودكاست» على أثير هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أظهر كراوتش قدرات أخرى لم تكن واضحة خلال ممارسته كرة القدم، فقد أظهر أنه يمتلك رؤية ثاقبة، ووعياً كبيراً ببعض الأمور التي تحدث حولنا في العالم، بالإضافة إلى حس فكاهي رائع، فقد قام على سبيل المثال بنشر تغريدة له على «تويتر» قال فيها: «الصيف بالنسبة لي يعني قضاء أكبر وقت ممكن مع العائلة»، وكانت التغريدة مصحوبة بصورة له وهو يطعم الزرافات، في إشارة إلى طوله الفارع!
أما عن زوجته آبي كلانسي، فمن المعروف عنها أنها كانت تتصل بكراوتش خلال الفترة ما بين الساعة العاشرة وحتى الثالثة يوم السبت من كل أسبوع لكي تسأله عن خططه لفترة ما بعد الظهيرة. ولا يرى كراوتش أي مشكلة في أن زوجته لا تهتم كثيراً بكرة القدم، بل يرى أن هذا أمر جيد؛ لأنه من الجيد أن يعود إلى المنزل ويتحدث في أمور أخرى غير كرة القدم. كما لم تكن كلانسي أيضاً تهتم حتى بمباريات كأس العالم للسيدات، وهو ما يعني أنها لا تحب كرة القدم من الأساس، بعيداً عن أن زوجها لاعب أم لا.
وعندما سئل كراوتش عما إذا كان قد شاهد مباريات كأس العالم للسيدات، رد قائلاً: «نعم، لقد كانت جيدة للغاية، وكان المستوى جيداً، وتغطية البطولة جيدة، وقدم المنتخب الإنجليزي للسيدات مستويات رائعة في البطولة أيضاً، وأتمنى أن أراه يوماً ما يحصل على لقب البطولة، لكن من الواضح أن المنتخب الأميركي كان هو الأفضل خلال البطولة». ويقول كراوتش إن ذلك سوف يساعد مزيداً من الفتيات على ممارسة كرة القدم، رغم أن ابنتيه - صوفيا البالغة من العمر 8 أعوام، وليبرتي البالغة من العمر 4 سنوات - يبدو أنهما ورثتا من والدتهما عدم حب كرة القدم.
وقال كراوتش: «ربما تكون كرة القدم قد وسعت نطاق جاذبيتها وأصبحت أكثر شمولية على مدار الـ23 عاماً التي لعب فيها كراوتش كرة القدم، لكنها شهدت أيضاً عودة إلى الأيام الخوالي، وأصبح هناك مزيد من حوادث العنصرية بصورة علنية في المدرجات، وهذا شيء لا نريد أن نراه أو نسمعه». وقد تعرض كراوتش نفسه لهتافات مسيئة من المدرجات، بما في ذلك كلمة «شاذ» في بداية مسيرته الكروية مراهقاً. وقد سمع كراوتش هذه الهتافات جيداً، ويقول عن ذلك: «بالطبع؛ لقد كنت أدرك تماماً أنني نحيف وطويل القامة، وهو ما يجعل مظهري مختلفاً بعض الشيء عن لاعبي كرة القدم العاديين. وبالتالي، فقد شعرت بالألم عندما تعرضت لمثل هذه الهتافات، وقلت لنفسي: هل أريد حقاً أن أسير في هذه الطريق؟ نعم، لقد جعلتني هذه الهتافات أشكّ في قدرتي على مواصلة الطريق، لكن عندما أنظر إلى الماضي وإلى ما حدث، أشعر بالفخر لقدرتي على التغلب على مثل هذه الأشياء والوصول إلى ما أنا عليه الآن».
ولم يكن كراوتش مختلفاً من حيث المظهر فحسب، لكنه يفكر بطريقة مختلفة عن النمط المعتاد لدى لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز. يقول كراوتش عن ذلك: «أعتقد أن لاعبي كرة القدم ربما يخضعون لحراسة مشددة، لكنني ربما كنت أتواصل مع الناس بدرجة أكبر». ويقول كراوتش إن الأمر لا يتعلق بأنه ينتمي إلى الطبقة الوسطى (كان والده يعمل في مجال الدعاية والإعلان، ويمتلك كراوتش بعض الخبرة في هذا المجال ويحبه كثيراً، ويقول إنه ربما كان سيعمل في هذا المجال لو لم يصبح لاعب كرة قدم).
ويقول كراوتش: «لقد تربيت بطريقة تقليدية بعض الشيء، لكنني نشأت في بيئة مرتبطة بكرة القدم ولاعبي كرة القدم، ولم أتغير، وحتى معظم أصدقائي تعرفت عليهم عن طريق كرة القدم». ويضيف: «إذا كنت لاعباً على أعلى مستوى، وتم إخبارك بأنك لاعب مذهل وكنت تشارك في المباريات باستمرار، فمن الصعب أن تنزل من هذا المستوى».
لكن كراوتش ربما لم يصل إلى القمة خلال مسيرته الكروية، وربما هذا هو ما ساعده في أن يكون على ما هو عليه الآن. ويشير كراوتش إلى أن الفترة التي لعبها على سبيل الإعارة في السويد قد منحته دفعة كبيرة ورغبة أقوى في تحقيق النجاح، ويضيف: «ثم كان يتعين عليّ أن أقاتل في كوينز بارك رينجرز من أجل حجز مكان لي في التشكيلة الأساسية للفريق، وقد مررت بفترات صعبة وأخرى جيدة، ولعبت في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن حتى بلوغي الثالثة والعشرين من عمري لم أكن مستعداً للعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، فلم أكن أمتلك قدرات وفنيات ومهارات لاعب مثل مايكل أوين، ولم أتألق وأسجل هدفاً بقميص المنتخب الإنجليزي مثلاً وأنا في الثامنة عشرة من عمري».
وعندما أجريت هذه المقابلة مع كراوتش، لم يكن قد أعلن اعتزاله اللعب، لكنه بعد يومين أعلن اعتزاله عبر تغريدة على «تويتر»، وهو الأمر الذي قوبل بسيل من رسائل الحب والتقدير من الجمهور. ومن المؤكد أن الاعتزال يُسكت المشككين أيضاً. ومن الواضح أن كراوتش كان يفكر كثيراً في الاعتزال عندما أجريت معه هذه المقابلة، حيث تحدث عن افتقاده أجواء المباريات، قائلاً: «أن تسجل هدفاً أمام 50 ألف متفرج وتجعل الجميع يقفون على أطراف أصابعهم، لهو أمر صعب لا يمكنك أن تفعله مرة أخرى بعد اعتزال كرة القدم. كيف يمكنك بعد ذلك أن تجعل 50 ألف شخص يقفون على أقدامهم بسبب شيء تقوم به؟».
لكن اعتزال أي لاعب وهو في الثلاثينات من عمره ليس بالأمر السهل على الإطلاق. ويعتقد كراوتش أنه يجب أن يكون هناك مزيد من المساعدة للاعبين عندما يصلون إلى نهاية مسيرتهم الكروية، ويقول: «لقد حصلت على كل هذه الأموال، لكن إذا لم تستثمرها بشكل جيد فسوف تنتهي، ولا يملك اللاعب مهارات أخرى غير كرة القدم، ولا يملك مؤهلات أخرى في أي شيء آخر. قد يكون الأمر صعباً، وهو ما يجعلك تفهم كيف يصاب اللاعبون بالاكتئاب، أو يلجأون إلى تناول الخمور، أو المقامرة، أو ينفصلون عن شركاء حياتهم، وهذه الأشياء تحدث كثيراً للاعبي كرة القدم بعد الاعتزال. أعتقد أنه يجب أن يكون هناك نوع من الرعاية للاعبين».
ويشعر كراوتش بأنه محظوظ لأنه يملك خيارات ليست متاحة لغيره من اللاعبين الآخرين بعد اعتزالهم، فقد حصل على دورات في مجال التدريب، كما حصل على شهادة التأهيل المهني الوطني العام التي تؤهله للعمل في مجال السياحة، وهي الشهادة التي حصل عليها عندما كان مراهقاً في نادي توتنهام. لكن في الوقت الحالي، تسير الأمور على ما يرام في مجال الإعلام، حيث يعشق كراوتش برنامج «ذات بيتر كراوتش بودكاست» الذي يقدمه على «بي بي سي»، كما يحب الجمهور الاستماع إليه.
وبسؤاله عما إذا كان برنامجه الجديد سينافس النجم غاري لينيكر في مجال الإعلام، قال كراوتش وهو يضحك: «لا؛ لا يمكنني أن أقول ذلك. أعتقد أن هذا البرنامج سيساعدني فقط على أن أقدم ما لديّ، ومن الواضح أن لينيكر قد بذل مجهوداً كبيراً للغاية لكي يصل إلى المكانة التي عليها الآن. إنه جيد للغاية في مجال الإعلام للدرجة التي جعلتكم تنسون كيف كان لاعباً رائعاً أيضاً. ولو حققت نصف النجاح الذي حققه في مسيرته الكروية لاكتفيت بذلك ولم أقم بأي شيء آخر».
وعما إذا كان سيتقاضى راتباً كبيراً مثل لينيكر، قال كراوتش: «لا بكل تأكيد. إنه يقوم بعمل رائع». وربما لم يكن من الغريب أن يرفض كراوتش الإفصاح عن المقابل المادي الذي يتقاضاه نظير تقديم هذا البرنامج. ورداً على ما إذا كان سيتجه إلى العمل السياسي، كما هي الحال مع لينيكر، قال كراوتش: «لا. لكن من الواضح أنه يستمتع بالقيام بذلك، أما أنا فسأعرب عن رأيي الخاص فقط».
وبسؤاله عما إذا كان الحديث عن تفضيل نادي ليفربول أو إيفرتون - أو كما يقول الجمهور المنافسة بين الأحمر والأزرق في مدينة ليفربول - يعد حديثاً من أحاديث السياسة، قال كراوتش ضاحكاً: «أنا أشجع اللون الأخضر! لا، ليس لديّ تعليق، ولن أخوض في هذا الأمر، لأن مجرد الحديث حول هذا الأمر يغضب الناس. وأعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لاستمتاع الناس ببرنامجي على (بي بي سي)، لأنني أتحاشى الحديث عن مثل هذه الأمور. الجميع يتحدثون عن المنافسة بين الناديين، لكنني أريد من الجميع أن يتوقفوا عن ذلك للحظات لكي نضحك ونستمتع، وهذا ما أقوم به خلال البرنامج».
كراوتش: الحياة بعد الاعتزال قد تصبح مريرة
مهاجم إنجلترا السابق لعب لسبعة أندية إنجليزية ونال حب كل جماهير بلاده
لعب كراوتش لأندية انجليزية كثيرة من بينها ليفربول
كراوتش: الحياة بعد الاعتزال قد تصبح مريرة
لعب كراوتش لأندية انجليزية كثيرة من بينها ليفربول
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





