مصطفى النحاس... يوميات النفي بخط يده

حققها عماد أبو غازي وزير الثقافة المصري الأسبق

مصطفى النحاس
مصطفى النحاس
TT

مصطفى النحاس... يوميات النفي بخط يده

مصطفى النحاس
مصطفى النحاس

يصدر قريباً عن «دار الشروق» بالقاهرة كتاب «صفحات من مذكرات مصطفى النحاس»، التي بدأ مشروع تحقيقها الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة المصري الأسبق، منذ نحو خمس سنوات، وعنونها النحاس بـ«مذكرات النفي»، وبدأ كتابتها في جزيرة سيشيل، مكان منفاه وزملائه، وغطت الفترة من 19 ديسمبر (كانون الأول) 1921 حتى 12 مارس (آذار) 1923. وكان أبو غازي يطمح في أن يتم نشرها لتواكب ذكرى مرور 50 عاماً على رحيل النحاس، لكنه تأخر قليلاً فلم ينته من التحقيق إلا في الذكرى الرابعة والخمسين، فقرر بعد ذلك أن ترى النور مصاحبة للذكرى المئوية الأولى لثورة 1919 التي اندلعت في 9 مارس، وكان النحاس واحداً من رجالها.
وقد لعب مصطفى النحاس (15 يونيو / حزيران 1879 - 23 أغسطس / آب 1965) دورًا مهمًا في السياسة المصرية على مدى نصف قرن، بداية من انتمائه لتيار الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين، ثم انضمامه إلى الوفد المصري. فهو ينتمي إلى الرعيل الأول من مؤسسي الوفد المصري الذين انضموا إلى سعد زغلول، ثم أصبح من أقرب المقربين إليه، ونفي معه في المنفى الثاني إلى سيشيل، وصار سكرتيرًا عامًا للوفد المصري، وتولى رئاسة الحزب بعد وفاة زغلول في أغسطس سنة 1927. وانتهى هذا الدور في الحياة السياسية المصرية بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 بأشهر قليلة، مع حل الأحزاب السياسية، وظل معزولًا سياسياً حتى وفاته في 23 أغسطس (آب) 1965.
وقال أبو غازي، في مقدمته، إن المذكرات تتضمن ثلاث كراسات تشكل 407 ورقات، ينطبق عليها مفهوم اليوميات، وقد دونها مصطفى النحاس بشكل يومي، ويبدو بوضوح أنه بدأ تدوين الكراسة الأولى بعد بداية الأزمة التي انتهت بنفي سعد ورفاقه، لكن باقي المذكرات، كما يتضح من أسلوبها، بدت كيوميات كتبها الرجل في حينها، باستثناءات قليلة. لكن هناك تفاوتاً واضحاً فيما كان يكتبه في كل يوم، وفقًا للأحداث. فبعض الأيام يشغل عدة صفحات، وبعضها أسطر قليلة، وبعضها لا يدون فيه أحداث إطلاقًا.
وتبدأ مذكرات النحاس قبل اعتقاله ورفاقه بأربعة أيام، ولا تغطي فترة النفي كاملة، وهناك فجوات طويلة لم تصل، أو ربما لم يدون فيها مصطفى النحاس شيئاً؛ لكنها رغم ذلك تقدم صورة واضحة مفصلة عن فترة نفيه ورفاقه، ومنها نتعرف على رؤيتهم لما مر بمصر من وقائع، فضلاً عن تحليلهم لبعض التطورات على الساحة السياسية في بريطانيا، وكذلك بعض الأحداث الدولية، ونتعرف على ردود أفعالهم عليها، ومدى تفاعلهم مع ما يجري على أرض الوطن وهم بعيدون في المنافي، كتغيير الحكومات وإعداد الدستور والاغتيالات السياسية والاعتقالات، بالإضافة لأحداث عامة أخرى بعيدة عن السياسة، كاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.
إنها تقدم صورة تفصيلية لحياة النحاس ورفاقه في المنفى، وأسلوبهم في اتخاذ القرارات، والمشكلات التي واجهوها، وتذبذب حالاتهم المعنوية، والعلاقات فيما بينهم، وتمسكهم بالاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية، وبالمناسبات الوطنية أيضًا، وتمسكهم بالعادات والتقاليد في الأفراح والأحزان، والعلاقة بينهم وبين سلطات الجزيرة، والاختلافات بين رجال الإدارة في التعامل معهم، والقيود الرقابية، والمخاوف المتكررة لدى سلطات الجزيرة من احتمالات هروبهم، والعلاقة بينهم وبين الأهالي هناك، كما تكشف اختلاف المواقف بين المنفيين، وصلابة موقف النحاس وسينوت حنا ومكرم عبيد، مقابل ميل فتح الله وعاطف بركات للتهدئة، وموقف سعد زغلول المتذبذب بين الفريقين، مع انحيازه لرأي الأخوين بركات في عدة مواقف، الأمر الذي تؤكده مذكرات سعد كذلك.
ونتعرف من خلال ما دونه النحاس على أسلوب التواصل بين سعد زغلول ومجموعة سيشيل، بعد انتقال سعد إلى جبل طارق، وعلى اتفاقهم على شفرات سرية للتراسل فيما بينهم، كما يتضح من الجزء الأخير في المذكرات الفارق بين أسلوب التعامل مع سعد من جانب سلطات جبل طارق، والتعامل مع المنفيين من جانب سلطات سيشيل.
كما نكتشف من المذكرات سيل البرقيات والرسائل التي كانت ترد إليهم بشكل شبه يومي، ليس فقط من أفراد عائلاتهم أو من قادة الوفد المصري، بل من نقابات عمالية وتجمعات نسائية ونوادٍ ومجموعات من الطلاب، وكانت تحمل لهم بعض أخبار الوطن في حدود ما تسمح به الرقابة، كما تنقل لهم تلك البرقيات عبارات التضامن والمؤازرة، والطلب المتكرر بالاطمئنان على صحتهم. وكثير من تلك الرسائل والبرقيات كانت تتأخر لفترات طويلة بسبب إرسال الخطابات مباشرة إليهم، وليس عن طريق الوكالة البريطانية في القاهرة، أو بسبب كتابة البرقيات باللغة العربية بحروف لاتينية؛ الأمر الذي كان يترتب عليه إعادتها مرة أخرى لتراقب، مما يستغرق عدة أسابيع.
ولاحظ أبو غازي أن النحاس أظهر حرصًا على الكتابة، وعدم الإفصاح عن أسماء بعض الأشخاص الذين عرضوا مساعدتهم، خشية أن تقع الأوراق في أيدي السلطات، فيتعرض هؤلاء الأشخاص للضرر.
وقد وضع مصطفى النحاس عنوانًا لهذه المذكرات على صفحة غلاف الكراسة الأولى؛ كان «مذكرات النفي»، وبدأها بمقدمة بعنوان «عهد العنف والشدة والإرهاب»، تناول فيها أجواء ما قبل قرار النفي، الأيام القليلة السابقة على القرار، وفشل مفاوضات الوفد الرسمي المصري في لندن، برئاسة عدلي يكن، وضغوط اللورد اللنبي لقبول مشروع كرزون، ثم استقالة الحكومة العدلية.
وينتقل النحاس من المقدمة إلى تفاصيل ما وقع من أحداث، منذ وصول مكرم عبيد من لندن يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 1921، واستقباله استقبالاً جماهيرياً حافلاً، ودعوة سعد لاجتماع عام يعقد في نادي سيرو مساء الجمعة 23 ديسمبر (كانون الأول)، ومنعه من عقد الاجتماع، ثم قرار المعتمد البريطاني منع أعضاء الوفد من الاشتغال بالسياسة، وإلزامهم العيش في قراهم أو مواطنهم الأصلية، ورفض غالبية قادة الوفد، وعلى رأسهم سعد، ما جاء في القرار، حتى يصل إلى يوم 23 ديسمبر (كانون الأول)، يوم القبض على سعد وترحيله إلى السويس، ثم يبدأ تسجيل الأحداث في شكل اليوميات بحوادث يوم السبت 24 ديسمبر (كانون الأول) صباحاً، والنحاس ورفاقه رهن الاعتقال في معسكر قصر النيل.
ويشير أبو غازي إلى أن الكراسة الأولى تقف عند نهاية حوادث يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1921، يوم اللقاء بين سعد وباقي المنفيين في المعسكر الهندي بالسويس، أي أنها تغطي الفترة من 19 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) 1921؛ وفيها يوثق النحاس ما حدث بالضبط، حتى وصوله ورفاقه للسويس، ومن الواضح أنها كُتبت في مرحلة لاحقة بعد الأحداث في أثناء وجودهم في المنفى في سيشيل.
وذكر أبو غازي أن الكراسة الثانية مرقمة، وتبدأ بأحداث يوم 30 يونيو (حزيران) سنة 1922، أي أن هناك فجوة تمتد من يوم 26 ديسمبر (كانون الأول) 1921 إلى يوم 29 يونيو (حزيران) 1922؛ وهي الفترة التي شهدت ترحيلهم من السويس إلى سيشيل، مروراً بعدن؛ وهو ما يعني أن هذه الكراسة لم تفقد منها أي صفحات، لكن من المؤكد كذلك أنه كانت هناك كراسة واحدة على الأقل بين الكراسة الأولى والكراسة الثانية تغطي تلك الفترة، وأنها مفقودة، فبداية الكراسة الثانية وأسلوب الكتابة فيها يؤكد أن هناك كراسة على الأقل مفقودة؛ كما يتضح من سياق الحديث أن مصطفى النحاس كان يدون مذكرات عن تلك الفترة، وتتوقف الكراسة الثانية من مذكرات النفي عند أحداث يوم السبت 30 سبتمبر (أيلول) 1922.
وتبدأ الكراسة الثالثة بحوادث يوم الجمعة الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول) سنة 1922، أي أن الفجوة بين الكراسة الثانية والكراسة الثالثة تبلغ شهرين، ويبدو أنه لم يدون الأحداث خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، فهو يشير في أكثر من موضع إلى وقائع في تلك الفترة بصيغة يبدو منها أنه لم يكتب مذكراته خلالها؛ وتحمل الصفحة الأولى من الكراسة الثالثة عنواناً رئيسياً «تابع مذكرات النفي»، ثم اسم مصطفى النحاس، وفي سطر ثالث «ديسمبر (كانون الأول) 1922»، وتبدأ اليوميات في الصفحة الثانية، وتنتهي هذه الكراسة بحوادث يوم الاثنين 12 مارس 1923؛ أي أنها لا تقتصر على شهر ديسمبر (كانون الأول) 1922 فقط، كما يبدو من العنوان.
ولفت أبو غازي إلى أنه حصل على المذكرات من القطب الوفدي فؤاد بدراوي، وكانت «ضمن الأوراق التي انتقلت إلى حيازة فؤاد باشا سراج الدين بعد وفاة السيدة زينب الوكيل، وتسليم منزل النحاس باشا في جاردن سيتي إلى المالك. وقد عثر عليها بدراوي منذ أربع سنوات، ودفع بها إليّ لتحقيقها؛ وكان تقديره أن تصدر في الذكرى الخمسين لرحيل مصطفى النحاس في أغسطس (آب) عام 2015، لكن العمل فيها امتد لأكثر مما توقع».
يشار في هذا السياق إلى أن الباحث أحمد عز الدين نشر مذكرات منسوبة للنحاس، تحت عنوان «مذكرات مصطفى النحاس - ربع قرن من السياسة في مصر 1927 - 1952»، جاءت في جزأين، وكتب مقدمتها محمد كامل البنا الذي كان سكرتيراً لمصطفى النحاس. لكن الأوساط الثقافية والسياسية تترقب صدور هذه المذكرات لأنها توثيق يومي للأحداث بخط يد النحاس نفسه، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها مذكراته على هذا النحو من التوثيق.


مقالات ذات صلة

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

كتب فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة

د. ماهر شفيق فريد
كتب مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة،

ميرزا الخويلدي (الدمام - السعودية)
كتب التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.