مصطفى النحاس... يوميات النفي بخط يده

حققها عماد أبو غازي وزير الثقافة المصري الأسبق

مصطفى النحاس
مصطفى النحاس
TT

مصطفى النحاس... يوميات النفي بخط يده

مصطفى النحاس
مصطفى النحاس

يصدر قريباً عن «دار الشروق» بالقاهرة كتاب «صفحات من مذكرات مصطفى النحاس»، التي بدأ مشروع تحقيقها الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة المصري الأسبق، منذ نحو خمس سنوات، وعنونها النحاس بـ«مذكرات النفي»، وبدأ كتابتها في جزيرة سيشيل، مكان منفاه وزملائه، وغطت الفترة من 19 ديسمبر (كانون الأول) 1921 حتى 12 مارس (آذار) 1923. وكان أبو غازي يطمح في أن يتم نشرها لتواكب ذكرى مرور 50 عاماً على رحيل النحاس، لكنه تأخر قليلاً فلم ينته من التحقيق إلا في الذكرى الرابعة والخمسين، فقرر بعد ذلك أن ترى النور مصاحبة للذكرى المئوية الأولى لثورة 1919 التي اندلعت في 9 مارس، وكان النحاس واحداً من رجالها.
وقد لعب مصطفى النحاس (15 يونيو / حزيران 1879 - 23 أغسطس / آب 1965) دورًا مهمًا في السياسة المصرية على مدى نصف قرن، بداية من انتمائه لتيار الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين، ثم انضمامه إلى الوفد المصري. فهو ينتمي إلى الرعيل الأول من مؤسسي الوفد المصري الذين انضموا إلى سعد زغلول، ثم أصبح من أقرب المقربين إليه، ونفي معه في المنفى الثاني إلى سيشيل، وصار سكرتيرًا عامًا للوفد المصري، وتولى رئاسة الحزب بعد وفاة زغلول في أغسطس سنة 1927. وانتهى هذا الدور في الحياة السياسية المصرية بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 بأشهر قليلة، مع حل الأحزاب السياسية، وظل معزولًا سياسياً حتى وفاته في 23 أغسطس (آب) 1965.
وقال أبو غازي، في مقدمته، إن المذكرات تتضمن ثلاث كراسات تشكل 407 ورقات، ينطبق عليها مفهوم اليوميات، وقد دونها مصطفى النحاس بشكل يومي، ويبدو بوضوح أنه بدأ تدوين الكراسة الأولى بعد بداية الأزمة التي انتهت بنفي سعد ورفاقه، لكن باقي المذكرات، كما يتضح من أسلوبها، بدت كيوميات كتبها الرجل في حينها، باستثناءات قليلة. لكن هناك تفاوتاً واضحاً فيما كان يكتبه في كل يوم، وفقًا للأحداث. فبعض الأيام يشغل عدة صفحات، وبعضها أسطر قليلة، وبعضها لا يدون فيه أحداث إطلاقًا.
وتبدأ مذكرات النحاس قبل اعتقاله ورفاقه بأربعة أيام، ولا تغطي فترة النفي كاملة، وهناك فجوات طويلة لم تصل، أو ربما لم يدون فيها مصطفى النحاس شيئاً؛ لكنها رغم ذلك تقدم صورة واضحة مفصلة عن فترة نفيه ورفاقه، ومنها نتعرف على رؤيتهم لما مر بمصر من وقائع، فضلاً عن تحليلهم لبعض التطورات على الساحة السياسية في بريطانيا، وكذلك بعض الأحداث الدولية، ونتعرف على ردود أفعالهم عليها، ومدى تفاعلهم مع ما يجري على أرض الوطن وهم بعيدون في المنافي، كتغيير الحكومات وإعداد الدستور والاغتيالات السياسية والاعتقالات، بالإضافة لأحداث عامة أخرى بعيدة عن السياسة، كاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.
إنها تقدم صورة تفصيلية لحياة النحاس ورفاقه في المنفى، وأسلوبهم في اتخاذ القرارات، والمشكلات التي واجهوها، وتذبذب حالاتهم المعنوية، والعلاقات فيما بينهم، وتمسكهم بالاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية، وبالمناسبات الوطنية أيضًا، وتمسكهم بالعادات والتقاليد في الأفراح والأحزان، والعلاقة بينهم وبين سلطات الجزيرة، والاختلافات بين رجال الإدارة في التعامل معهم، والقيود الرقابية، والمخاوف المتكررة لدى سلطات الجزيرة من احتمالات هروبهم، والعلاقة بينهم وبين الأهالي هناك، كما تكشف اختلاف المواقف بين المنفيين، وصلابة موقف النحاس وسينوت حنا ومكرم عبيد، مقابل ميل فتح الله وعاطف بركات للتهدئة، وموقف سعد زغلول المتذبذب بين الفريقين، مع انحيازه لرأي الأخوين بركات في عدة مواقف، الأمر الذي تؤكده مذكرات سعد كذلك.
ونتعرف من خلال ما دونه النحاس على أسلوب التواصل بين سعد زغلول ومجموعة سيشيل، بعد انتقال سعد إلى جبل طارق، وعلى اتفاقهم على شفرات سرية للتراسل فيما بينهم، كما يتضح من الجزء الأخير في المذكرات الفارق بين أسلوب التعامل مع سعد من جانب سلطات جبل طارق، والتعامل مع المنفيين من جانب سلطات سيشيل.
كما نكتشف من المذكرات سيل البرقيات والرسائل التي كانت ترد إليهم بشكل شبه يومي، ليس فقط من أفراد عائلاتهم أو من قادة الوفد المصري، بل من نقابات عمالية وتجمعات نسائية ونوادٍ ومجموعات من الطلاب، وكانت تحمل لهم بعض أخبار الوطن في حدود ما تسمح به الرقابة، كما تنقل لهم تلك البرقيات عبارات التضامن والمؤازرة، والطلب المتكرر بالاطمئنان على صحتهم. وكثير من تلك الرسائل والبرقيات كانت تتأخر لفترات طويلة بسبب إرسال الخطابات مباشرة إليهم، وليس عن طريق الوكالة البريطانية في القاهرة، أو بسبب كتابة البرقيات باللغة العربية بحروف لاتينية؛ الأمر الذي كان يترتب عليه إعادتها مرة أخرى لتراقب، مما يستغرق عدة أسابيع.
ولاحظ أبو غازي أن النحاس أظهر حرصًا على الكتابة، وعدم الإفصاح عن أسماء بعض الأشخاص الذين عرضوا مساعدتهم، خشية أن تقع الأوراق في أيدي السلطات، فيتعرض هؤلاء الأشخاص للضرر.
وقد وضع مصطفى النحاس عنوانًا لهذه المذكرات على صفحة غلاف الكراسة الأولى؛ كان «مذكرات النفي»، وبدأها بمقدمة بعنوان «عهد العنف والشدة والإرهاب»، تناول فيها أجواء ما قبل قرار النفي، الأيام القليلة السابقة على القرار، وفشل مفاوضات الوفد الرسمي المصري في لندن، برئاسة عدلي يكن، وضغوط اللورد اللنبي لقبول مشروع كرزون، ثم استقالة الحكومة العدلية.
وينتقل النحاس من المقدمة إلى تفاصيل ما وقع من أحداث، منذ وصول مكرم عبيد من لندن يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 1921، واستقباله استقبالاً جماهيرياً حافلاً، ودعوة سعد لاجتماع عام يعقد في نادي سيرو مساء الجمعة 23 ديسمبر (كانون الأول)، ومنعه من عقد الاجتماع، ثم قرار المعتمد البريطاني منع أعضاء الوفد من الاشتغال بالسياسة، وإلزامهم العيش في قراهم أو مواطنهم الأصلية، ورفض غالبية قادة الوفد، وعلى رأسهم سعد، ما جاء في القرار، حتى يصل إلى يوم 23 ديسمبر (كانون الأول)، يوم القبض على سعد وترحيله إلى السويس، ثم يبدأ تسجيل الأحداث في شكل اليوميات بحوادث يوم السبت 24 ديسمبر (كانون الأول) صباحاً، والنحاس ورفاقه رهن الاعتقال في معسكر قصر النيل.
ويشير أبو غازي إلى أن الكراسة الأولى تقف عند نهاية حوادث يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1921، يوم اللقاء بين سعد وباقي المنفيين في المعسكر الهندي بالسويس، أي أنها تغطي الفترة من 19 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) 1921؛ وفيها يوثق النحاس ما حدث بالضبط، حتى وصوله ورفاقه للسويس، ومن الواضح أنها كُتبت في مرحلة لاحقة بعد الأحداث في أثناء وجودهم في المنفى في سيشيل.
وذكر أبو غازي أن الكراسة الثانية مرقمة، وتبدأ بأحداث يوم 30 يونيو (حزيران) سنة 1922، أي أن هناك فجوة تمتد من يوم 26 ديسمبر (كانون الأول) 1921 إلى يوم 29 يونيو (حزيران) 1922؛ وهي الفترة التي شهدت ترحيلهم من السويس إلى سيشيل، مروراً بعدن؛ وهو ما يعني أن هذه الكراسة لم تفقد منها أي صفحات، لكن من المؤكد كذلك أنه كانت هناك كراسة واحدة على الأقل بين الكراسة الأولى والكراسة الثانية تغطي تلك الفترة، وأنها مفقودة، فبداية الكراسة الثانية وأسلوب الكتابة فيها يؤكد أن هناك كراسة على الأقل مفقودة؛ كما يتضح من سياق الحديث أن مصطفى النحاس كان يدون مذكرات عن تلك الفترة، وتتوقف الكراسة الثانية من مذكرات النفي عند أحداث يوم السبت 30 سبتمبر (أيلول) 1922.
وتبدأ الكراسة الثالثة بحوادث يوم الجمعة الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول) سنة 1922، أي أن الفجوة بين الكراسة الثانية والكراسة الثالثة تبلغ شهرين، ويبدو أنه لم يدون الأحداث خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، فهو يشير في أكثر من موضع إلى وقائع في تلك الفترة بصيغة يبدو منها أنه لم يكتب مذكراته خلالها؛ وتحمل الصفحة الأولى من الكراسة الثالثة عنواناً رئيسياً «تابع مذكرات النفي»، ثم اسم مصطفى النحاس، وفي سطر ثالث «ديسمبر (كانون الأول) 1922»، وتبدأ اليوميات في الصفحة الثانية، وتنتهي هذه الكراسة بحوادث يوم الاثنين 12 مارس 1923؛ أي أنها لا تقتصر على شهر ديسمبر (كانون الأول) 1922 فقط، كما يبدو من العنوان.
ولفت أبو غازي إلى أنه حصل على المذكرات من القطب الوفدي فؤاد بدراوي، وكانت «ضمن الأوراق التي انتقلت إلى حيازة فؤاد باشا سراج الدين بعد وفاة السيدة زينب الوكيل، وتسليم منزل النحاس باشا في جاردن سيتي إلى المالك. وقد عثر عليها بدراوي منذ أربع سنوات، ودفع بها إليّ لتحقيقها؛ وكان تقديره أن تصدر في الذكرى الخمسين لرحيل مصطفى النحاس في أغسطس (آب) عام 2015، لكن العمل فيها امتد لأكثر مما توقع».
يشار في هذا السياق إلى أن الباحث أحمد عز الدين نشر مذكرات منسوبة للنحاس، تحت عنوان «مذكرات مصطفى النحاس - ربع قرن من السياسة في مصر 1927 - 1952»، جاءت في جزأين، وكتب مقدمتها محمد كامل البنا الذي كان سكرتيراً لمصطفى النحاس. لكن الأوساط الثقافية والسياسية تترقب صدور هذه المذكرات لأنها توثيق يومي للأحداث بخط يد النحاس نفسه، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها مذكراته على هذا النحو من التوثيق.


مقالات ذات صلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.