خطة مكافحة التهرب الجمركي انطلقت في لبنان... وتشكيك بالنتائج

مدير عام الجمارك لـ «الشرق الأوسط»: التهريب توقف بنسبة 70 % عبر المعابر غير الشرعية و90 % عبر الشرعية

TT

خطة مكافحة التهرب الجمركي انطلقت في لبنان... وتشكيك بالنتائج

أكد مدير عام الجمارك اللبنانية بدري ضاهر لـ«الشرق الأوسط» أن خطة مكافحة التهريب التي انطلقت منذ أسابيع «وصلت إلى نتائج متقدمة». وأعلن أن عمليات التهريب توقفت بنسبة 70 في المائة في المعابر غير الشرعية على الحدود الشرقية والشمالية للبنان، و90 في المائة في المعابر الشرعية وهو الأمر الذي لا يزال يشكّك فيه البعض على غرار «الحزب التقدمي الاشتراكي» منطلقا من عدم توقيف مسؤولين عن هذه العمليات التي تديرها «رؤوس معروفة».
وكان وزير المال علي حسن خليل قد كشف عن وجود 136 معبرا غير شرعي معروفة بأسماء أشخاص أو نوع بضائع معينة، لافتا إلى أن ظاهرة التهريب «تهدد اقتصاد البلد وتسهم في عجز المالية العامة وتقليص الواردات»، شاكيا من عدم القدرة على اتخاذ «خطوات حقيقية في اتجاه ضبطه».
في المقابل، أعلن وزير الدفاع إلياس بوصعب أن 90 في المائة من التهريب يحصل عبر المعابر الشرعية، و10 في المائة عبر المعابر غير الشرعية.
ونفى ضاهر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وجود 136 معبرا غير شرعي، لافتا إلى أن المعابر الأساسية التي كان يسجّل عبرها انتقال الشاحنات والسيارات المحملة بالبضائع لا يتجاوز 15 معبرا معظمها في منطقة الهرمل بينما المعابر الأخرى تستخدم لتهريب المواشي والبشر. وفيما أكد عدم وجود غطاء من أي جهة سياسية لهذه الأعمال لفت إلى أن الضغوط تأتي من بعض السياسيين.
كذلك قال ضاهر إن التقديرات حول حجم التهريب، والتي تشير إلى أنها تصل إلى 600 مليون دولار مبالغ فيها، مؤكدا أنه لا يتجاوز 200 مليون دولار. ولفت إلى أن لبنان يستورد منتجات وبضائع بقيمة 20 مليار دولار سنويا لكن هناك 51 في المائة منها لا تخضع للرسوم الجمركية وذلك وفق القانون.
وأشار ضاهر إلى أنه رغم النتائج الإيجابية التي يعلن بموجبها يوميا عن العثور على بضائع مهربة، فإن مديرية الجمارك تعاني من نقص كبير في عدد عناصرها بعدما كان قبل 50 عاما نحو 2400 عنصر، قائلا: «نعمل باللحم الحي». وفيما أكد أن الجمارك تحتاج إلى 10 آلاف عنصر للقيام بالمهام المطلوبة منها، لفت إلى أن العدد اليوم لا يتجاوز الألف عنصر موزعين بين 500 في العمل الإداري واللوجيستي و300 في المرافئ الشرعية وفقط مائة عنصر على المعابر غير الشرعية، مذكرا بدورة الجمارك التي يفترض أن تطوّع 835 عنصرا كانوا قد نجحوا في الامتحانات لكنها لا تزال معلقة نتيجة الخلافات السياسية.
وفي هذا الإطار، أكد مدير الجمارك أن «تطويع هؤلاء الشباب هو استثمار للدولة ينعكس ليس فقط على عمل الجمارك إنما أيضا على المالية العامة، إذ إن كلا منهم يتقاضى نحو 700 دولار أميركي لكن بعمله يمنح الدولة بالمقابل نحو 7 آلاف دولار أميركي»، كاشفا أن إيرادات الجمارك للدولة تقدر بـ4500 مليار ليرة لبنانية في السنة (نحو 3 مليارات دولار) فيما لا تزيد موازنتها على 100 مليار ليرة (665 مليون دولار) أي نحو 1.1 في المائة من الإيرادات.
أما بالنسبة إلى الآليات التي تستخدم في مكافحة التهريب فقال ضاهر: «لا نملك أكثر من مائة سيارة معدل عمرها 15 سنة، بينما نواجه مافيات التهريب التي تستخدم سيارات رباعية الدفع من الطراز الحديث، كذلك لا نملك آليات وتقنيات حديثة للمراقبة».
مع العلم أن خطة مكافحة التهريب هذه لا تقتصر على الجمارك، بل يلعب الجيش اللبناني دوراً أساسياً في هذه المهمة، وهذا ما أكد عليه ضاهر ومصادر عسكرية. وقال ضاهر: «للجيش فضل كبير في المهمات التي نقوم بها، حيث يتم تنسيق العمل عند الحدود بيننا وبين قواته فيما يتولى أمن الدولة العمل في الداخل اللبناني».
من جهتها، ذكرت المصادر العسكرية لـ«الشرق الأوسط» أن هناك دوريات وحواجز مشتركة دائمة بين الجيش والجمارك، إضافة إلى العمل الدائم عبر أبراج المراقبة، مؤكدة بدورها أن هناك سيطرة على الحدود بنسبة 80 في المائة، خاصة منذ عملية «فجر الجرود» قبل سنتين، حيث تمكن الجيش من الوصول إلى مواقع لم يكن قد وصلها قبل ذلك. وقالت المصادر إن «المشكلة هي في بعض المعابر الواقعة في المناطق المتداخلة بين لبنان وسوريا وغير المرسّمة، إضافة إلى النقص في عدد العناصر، في الوقت الذي أوقفوا فيه التطوّع بدل زيادته».
وكان وزير الدفاع إلياس بوصعب قال إن «هناك 200 مركز حدودي أنشأها الجيش، 74 من هذه المراكز فيها أبراج متطورة، ويتم العمل على أن تتحول الأبراج الثابتة إلى دوريات بين الأبراج بآليات تحوي كاميرات».
ولا ينفي ضاهر أن هناك فسادا في مديرية الجمارك، مشيرا إلى أنه عمل على خطة استراتيجية لمكافحتها، قائلا إن القضاء على هذه الظاهرة بعد اعتياد الموظفين عليها لعشرات السنين ليست مهمة سهلة، وأكد «هذه الخطة تشمل الجميع من دون استثناء»، كاشفا أنه تمت إحالة 13 موظفا إلى القضاء هم عشرة عسكريين وثلاثة موظفين إداريين، ووقف العمل بمئات مراحل المعاملات الجمركية التي لم يكن هناك مبرر لوجودها.
وعلى الأرض قال أحد أبناء منطقة البقاع لـ«الشرق الأوسط»: «لغاية الآن لم نلحظ أي تغيرات حيال تراجع عمليات التهريب وصرخة تجار الخضار والمزارعين على حالها، حيث البضائع السورية لا تزال تغزو الأسواق بأسعار منخفضة، وذهب المزارعون إلى حد الإعلان عن ترك موسمهم في الأرض احتجاجا على ذلك». ويقول: «المشكلة في لبنان أنهم حين يقررون مكافحة الفساد لا يجدون إلا السمك الصغير فيما تبقى الحيتان تتحكم بالعمليات الكبيرة».
من جهة أخرى أثنى رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان، عن «القوات اللبنانية»، على الحملة التي قامت بها مديرية الجمارك في الأيام الماضية‏. وهو ما أكد عليه أمين سر تكتل «الجمهورية القوية» النائب السابق فادي كرم، مشيرا في الوقت عينه إلى أن هذا الثناء هو لانطلاقة الخطة وللخطوات التي بدأت تظهر نتائجها عبر التدقيق في العمليات الجمركية، لكنها لم تصل إلى ما ننتظر منها ويبقى الترقب سيد الموقف لما ستؤول إليه الأمور.
وسبق لرئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل أن اتهم «حزب الله» بالسيطرة على المعابر غير الشرعية قائلا: «المعابر تابعة لمن يملك القرار في الدولة، أي (حزب الله) الذي يقوم بعملية التهريب، وبالتالي بإقفال المعابر سيكون أول المتضررين منها، لذلك الدولة عاجزة عن إقفالها».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».