تناول الطعام بشراهة أمام الكاميرا... «هوس» يحقق ملايين الدولارات لمقدميه

بدأ في كوريا الجنوبية... وتحذيرات صحية من مخاطر انتشاره

إحدى مدوني الفيديو من كوريا الجنوبية تقدم «موكبانغ» (يوتيوب)
إحدى مدوني الفيديو من كوريا الجنوبية تقدم «موكبانغ» (يوتيوب)
TT

تناول الطعام بشراهة أمام الكاميرا... «هوس» يحقق ملايين الدولارات لمقدميه

إحدى مدوني الفيديو من كوريا الجنوبية تقدم «موكبانغ» (يوتيوب)
إحدى مدوني الفيديو من كوريا الجنوبية تقدم «موكبانغ» (يوتيوب)

على ما يبدو أن متعة الطعام لا تقتصر على تناوله فقط، وإنما يشعر البعض بالمتعة في مشاهدة آخرين يأكلون، في ظاهرة نمت منذ عقد تقريباً، حيث يتناول الشخص وجبته أمام الكاميرا، وبث المقطع عبر «يوتيوب»، لتحصد المقاطع مشاهدات مرتفعة ثم أرباحاً عالية من الإعلانات والرعاة، لتثير الظاهرة التساؤلات حول أسباب انتشارها وتأثيرها.
تُعرف تلك الظاهرة باسم «موكبانغ»، واللفظ مشتق من كوريا الجنوبية، منشأ تلك الظاهرة في عام 2010، وهو عبارة عن كلمتين الأولى «موك» وتعني نأكل، والثانية «بانغ» وتعني البث، في إشارة إلى «تناول الوجبات بشراهة أمام الكاميرا»، الـ«موكبانغ» انتشر من كوريا الجنوبية إلى عدة بلدان أبرزها أستراليا والولايات المتحدة، وصولاً إلى دول عربية، مثل مصر والعراق.
وتتنوع مقاطع «موكبانغ» بين أفراد أو ثنائيات أو حتى أسر كاملة تلتهم وجباتها أمام الكاميرا، وغالباً ما تحتوي تلك المقاطع على محادثات من الشخص في أثناء تناول طعامه للمشاهدين، كنوع من التواصل، مثل تعليقات حول الطعام، ويصاحب مقاطع الفيديو موسيقى جذابة ومحفزة، وأيضاً أصوات لمضغ الطعام، كما أن هناك من يتناول طعاماً منزلياً أو وجبات سريعة، أو حتى كل ما تحويه قائمة الطعام من أحد المطاعم.
وتحقق «موكبانغ» لنجومها أرباحاً بالملايين سنوياً، فعلى سبيل المثال الكورية الجنوبية كينوشيتا يوكا (31 عاماً)، والتي لديها أكثر من 5 ملايين مشترك عبر «يوتيوب»، تربح ما يزيد على 3.49 مليون دولار سنوياً، أو الأميركية بيثاني جاسكين (44 عاماً)، والتي تربح ما يزيد على مليون دولار سنوياً بخلاف عائد الاتفاقات الدعائية مع مطاعم، وذلك حسب قولها لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». قناة جاسكين عبر «يوتيوب» تضم ما يزيد على مليون مشترك منهم مغنية البوب الأميركية كادري بي، وقد تركت عملها منذ خمس سنوات تفرغاً لهذه «التجارة الجديدة».
وتقول جاسكين: «أنا من عشاق الطعام والطبخ. لكن بمجرد أن فعلت (موكبانغ) وأصبح الناس مجانين. الناس تريد أن تراني آكل. وهذا أمر غريب». تعد السيدة التي يشاركها ابنها الصغير أيضاً في تناول الطعام في بعض المقاطع أن «بث تناول الطعام ممتع ويساعد الكثير من الناس، لأنه يقلل من الشعور بالوحدة، أو الشعور بالاضطراب لدى البعض، ويساعد آخرين في زيادة شهيتهم».
في السياق نفسه، تقول مدونة الفيديو الكورية «بي جي فيري» إنها تربح ما يصل إلى 4000 دولار في الأسبوع لبثها مقاطع تتناول فيها العشاء، وإنها تضطر إلى ممارسة الرياضة 5 ساعات يومياً من أجل الحفاظ على صحتها رغم الكمية الكبيرة من الأكل التي تتناولها خلال البث (فقد تصل السعرات الحرارية في الفيديو الواحد لأكثر من 4 آلاف سعر حراري حسب «ذا صن»). وفي عام 2014 تركت الكورية الجنوبية بارك سيو وظيفتها –هي الأخرى- للمزيد من الـ«موكبانغ»، وتكسب من ذلك ما يقارب من 10000 دولار شهرياً من الإعلانات والتبرعات، حسب صحيفة «ديلي ميل».
ولم تقف الظاهرة عند البلدان الواقعة في شرق آسيا بل امتدت إلى عالمنا العربي، فهناك بعض مدوني الفيديو في السعودية ومصر والعراق المتخصصين في إنتاج مقاطع تناول الطعام وتحدي الكميات الكبيرة.
وتقترب واحدة من القنوات العربية من تخطي نصف مليار مشاهدة عبر «يوتيوب»، وبعدد مشتركين يزيد على 3 ملايين، وتتنوع المقاطع بين الأكل المحلي العربي والوجبات السريعة. وتحقق قنوات عربية أقل شعبية مليون مشاهدة على الأقل في كل فيديو.
ودخلت الفنادق على الخط، ففي الشهر الماضي أعلنت سلسلة فنادق «دابليو» الشهيرة في واشنطن أنها تقدم غرفاً خاصة لتصوير مقاطع «موكبانغ»، حيث يمكن للضيوف تناول وجباتهم وتصويرها مقابل 295 دولاراً، مع قائمة طعام وشراب كبرى، فيها مأكولات مثل البيتزا والبطاطا والبط وبرغر اللحم بالجبن، وأسماك متنوعة.

* دوافع نفسية... وتحذيرات
وإن كان الربح أبرز دوافع مقدمي الـ«موكبانغ»، فإن لمشاهديه دوافع أخرى، تجعل بعضهم يصل إلى «الهوس» أو «الإدمان»، أبرزها الهروب من الوحدة، وبخاصة لمن يتناولون الطعام بمفردهم، فقد رجح خبراء، وفقاً لـ«ديلي ميل»، أن «موكبانغ» تقلل من الشعور بالوحدة، فالتدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة جعل عدداً كبيراً من الشباب في كوريا الجنوبية يعيشون وحدهم ويأكلون وحدهم، وعندما يشاهدون هذه الفيديوهات «يهربون» من هذه الحياة. وفي نفس السياق، أشار تقرير حديث نشرته صحيفة «غارديان» البريطانية أن زيادة المشاهدات على مقاطع «موكبانغ» تزداد ممن يتناولون طعامهم بمفردهم، وأنه يحقق لهم «راحة كبيرة».
ويرى الخبير الرقمي المصري أيمن صلاح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المشاهدات المرتفعة لمقاطع «موكبانغ» نتيجة لزيادة مشاهدة برامج الطعام، مضيفاً: «الطعام دوماً (تريند) وجذاب، وحتى فكرة التحدي الموجودة في كثير من تلك المقاطع تزيد من نسبة المشاهدة»، ضارباً المثل بأحد مدوني الفيديو الذي طلب وجبة الكشري من أكثر من محل شهير في مصر، عاقداً المقارنة بينها، والذي لاقى نسبة مشاهدة مرتفعة.
وصحياً، تقول تيريزا كينسيلا خبيرة التغذية لصحيفة «نيويورك تايمز» إن مقاطع «موكبانغ» تمجّد في قيمة «الإفراط» في تناول كميات كبيرة من الطعام، وتعزز تناوله بكميات كبيرة، وتتجاهل المخاطر المحتملة نتيجة ذلك، وحذرت كينسيلا من أن «الخطر قصير المدى لتلك المقاطع هو الإرهاق والخمول والتعب واضطرابات الجهاز الهضمي، أما طويل المدى فهي زيادة الوزن وأمراض القلب والسكري».
وعلى العكس، يرى بعض الخبراء أن ظاهرة تناول الطعام أمام الكاميرا لا تحمل أي ضرر، مثل الخبير بالعلاقات الشخصية البريطاني بن إدواردز، الذي يقول إنه إذا شعر الناس بأنهم يرغبون في مشاهدة آخرين وهم يأكلون الطعام، وأن تلك «التجربة» تعطي مشاهديها نوعا من «الرضا»، ودون أضرار صحية، فلا يوجد أي ضرر في ذلك».
وأشار تقرير لمجلة «ريبورتر» الأميركية في فبراير (شباط) الماضي، إلى أن أحد أسباب جاذبية مقاطع «موكبانغ» كونها تشبع «الجوع البصري»، من خلال النظر إلى الصور الجميلة للطعام، مما يزيد من رغبة المرء في مشاهدة المزيد، وأن الكثير يربط بين صور الطعام الجميلة والشعور بالسعادة، كما أن تلك المقاطع قد تخفض من مستوى التوتر لدى المشاهد وقد تحسن الحالة المزاجية للبعض.
وفي الوقت الذي يفضل البعض مشاهدة «موكبانغ»، ينتقد آخرون كذلك تأثير تلك المقاطع على الأطفال، فأشارت تقارير صحافية إلى تعرض موقع «يوتيوب» لانتقادات لسماحه بنشر مقطع «موكبانغ» تتضمن طفلين من كوريا الجنوبية عمرهما 6 سنوات، يتناولان إخطبوطاً ضخماً سلوقاً. ورغم حذف المقطع فإن الانتقادات لم تتوقف لمقاطع أخرى تتضمن أطفالاً.



«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
TT

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)

اسمه «ذيل الحصان»، وهو نبات قد يصمد أمام كلّ شيء. للوهلة الأولى، يبدو مثل فرشاة لتنظيف المرحاض، لكنه أقدم من الديناصورات. ولا يستطيع المرء مقاومة تمرير يده على شعيراته إلى جانب الطريق، حتى لو رمقه المارّة بنظرات مستغربة.

تروي «الغارديان» الحكاية، وتقول إنَّه على جانبي الطريق الريفي يمتدّ بساط من الخضرة الناعمة، كأنَّ المشهد اقتُطع من غابة استوائية؛ خضرة يانعة وسط طبيعة أكلها الجفاف، فصبغها بالبني والأصفر.

يبدو نبات ذيل الحصان الحقلي ناعماً ومنتفشاً، لكن ما إن تلمسه حتى تكتشف خشونته وصلابته. ويمكن استخدام سيقانه مثل فرشاة فعّالة لتنظيف المرحاض؛ فشعيراته غنية بالسيليكون الكاشط، مما يمنحها ملمساً خشناً أشبه بورق الصنفرة. ولعلّ هذا ما يفسر أحد أسمائه الشائعة، «فرشاة الجلي»، إذ كان يُستخدَم قديماً لتنظيف الخشب وتلميع المعادن.

وإذا تعاملتَ معه برفق، فيمكنك فصل ساقه المجوفة ذات العقد عند إحدى وصلاتها، ثم إعادة تركيبها بسهولة، مثل الأنابيب التي كان الأطفال يستخدمونها لبناء الأشكال، فتعود إلى موضعها بانسجام يبعث على الرضا.

ويعود وجود نبات «ذيل الحصان» على الأرض إلى ما قبل ظهور الديناصورات بوقت طويل. وكانت هذه النباتات، التي لا تزهر، عملاقةً في ذلك الزمن، إذ تجاوز ارتفاعها 20 متراً، ويُرجَّح أنَّها كانت من بين النباتات التي تغذَّت عليها الديناصورات آكلة النباتات.

كلّما ضاقت به الأرض وجد تحتها طريقاً آخر (بكسلز)

ولعل بقاءها منذ عصور ما قبل التاريخ ونجاتها من موجات انقراض جماعي خير دليل على قدرتها الاستثنائية على التَّكيُّف والصمود. وهي صفات جعلت منها نباتاً عشبياً شديد النجاح، وإن كان غازياً في بعض المناطق.

وتُفسّر قدرتها على الازدهار رغم شحّ الأمطار في شرق إنجلترا بامتداد جذورها تحت الأرض؛ إذ تمتلك شبكةً واسعةً من الجذامير يمكن أن تتعمّق أمتاراً، بل تمتدّ تحت الطرق أو أساسات المباني. ولهذا يصعب التخلّص منها؛ فهي تنتشر سريعاً عبر الأبواغ، وتمضي في الانتشار خفية تحت سطح الأرض.

ولحُسن الحظ، لا يبدو أنّ هذه الرقعة الصغيرة، في قلب منطقة نائية، تُسبّب أيّ ضرر. فنباتات «ذيل الحصان» لا تؤذي الأشجار، بل يوفر غطاؤها الكثيف مأوى لكائنات لافقارية، من بينها السوس ويرقات ذباب المنشار وأنواع عدّة من العناكب. وأكثر من ذلك، هذا النبات يمكن استخدامه للعناية بالشَّعر ومنحه لمعاناً، بفضل ما يحتويه من سيليكون.


سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
TT

سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)

وجد طاقم إبحار تابع للجيش البريطاني، كان يشارك في أحد أصعب سباقات اليخوت، نفسه أمام مهمّة مُفاجِئة لإنقاذ الحياة البرّية على بُعد 70 ميلاً بحرياً من الشاطئ، بعدما حاولت بومة حظيرة منهكة الانضمام إلى الطاقم.

ووفق «رويترز»، أثار وصول البومة إلى متن اليخت «فوجيتسو بريتيش سولجر»، خلال سباق «آر أوه آر سي» حول بريطانيا وآيرلندا، الذي يُقام احتفالاً بالذكرى الـ50 لانطلاقه، عملية تنسيق معقّدة بين البحارة العسكريين وعدد من هيئات إنقاذ الحياة البرّية، في وقت واصل فيه الطاقم الإبحار نحو خط النهاية في كاوز.

وقال القبطان ويل نايلور لمسؤولي السباق: «لدينا عضو إضافي في الطاقم خلال الجزء الأخير من السباق. إنها بومة حظيرة منهكة نعمل على استعادة عافيتها»، مضيفاً بنبرة ساخرة، في إشارة إلى قلق الطاقم من إنهاء السباق بعدد أفراده الأصلي: «سيتعيّن على شخص ما أن يمشي فوق لوح السفينة!».

ولم يكن صعود البومة إلى القارب سلساً على الإطلاق؛ فبعدما أخفقت في الهبوط فوق رأس أحد أفراد الطاقم، وسقطت من السارية إلى البحر 3 مرات، انهارت أخيراً على سطح القارب، حيث أمسك بها البحّارة وثبّتوها بمنشفة.

وقال الرقيب مارك بيتر بريدج، من الكتيبة الثانية في فوج المظليين: «اعتقدنا أننا فقدناها، لكنها واصلت الكفاح للعودة إلى القارب».

وأطلق أفراد الطاقم على ضيفتهم اسم «ليتل ريج»، قبل أن يكتشفوا أن اسمها يجب أن يتغيّر إلى «ليتل ريجينا».

وشاركت في عملية الإنقاذ «مؤسّسة بومة الحظيرة»، ومنظمة «إنقاذ الحياة البحرية والحياة البرّية»، وقارب «كايستر إندبندنت لايفبوت» للإنقاذ، الذي تولّى تسلُّم البومة تمهيداً لنقلها إلى مركز متخصّص في رعاية الحياة البرّية. وفي المقابل، واصل طاقم جمعية الإبحار التابعة للجيش رحلته حول بريطانيا وآيرلندا، البالغ طولها 1805 أميال بحرية.

وكان يخت «بيس» من طراز «فولفو 70»، المملوك لجوني فينسنت، قد تفوق في وقت سابق على «بالاناد 4»، وفق التوقيت المصحّح، ليحصد الجائزة الكبرى للانتصار الإجمالي في تصنيف «آي آر سي» في السباق، الأربعاء، بعدما أحرز في وقت سابق من الأسبوع لقب أسرع قارب أحادي الهيكل.

وانطلق السباق من السرب الملكي لليخوت في كاوز، في 9 أغسطس (آب) الحالي، بمشاركة 33 قارباً و182 فرداً من أفراد الطواقم، يمثّلون 22 دولة.


منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
TT

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

بدأ العراقي منتظر صالح مشروعه عام 2022 بعدما لاحظ خلال بحثه على الإنترنت أنّ كثيراً من العلماء والشعراء العرب والمسلمين الذين تركوا أثراً في التاريخ لا يملكون حضوراً بصرياً يوازي حضورهم الفكري. بعضهم يظهر في رسوم متكرّرة، ومبسطة، وبعض الصور المُتداولة لا تنسجم مع الأوصاف التي حفظتها كُتب التراث والتراجم. هكذا انطلق «برنامج إحياء التراث الثقافي»، الذي يعمل من خلاله صالح -وهو صيدلاني، وكاتب، وفنان- على رسم شخصيات من الطب، والشِّعر، والفلك، والعلوم، من بينها المتنبّي، والفرزدق، والبيروني، والخوارزمي. وقد نُشِر عدد من أعماله على منصة «ويكي آرت»، فيما اعتُمدت لوحتاه للمتنبّي والفرزدق صورتَيْن لهما على صفحات «ويكيبيديا». ويواصل العمل على المجموعة التي يعتزم استكمالها ونشرها مطلع 2027.

يرسم ما تركه التاريخ بلا صورة (منتظر صالح)

يقول صالح لـ«الشرق الأوسط» إنّ الدافع الأول كان ما رآه من «فقر في الذاكرة البصرية العربية على الإنترنت»، خصوصاً حين يتعلَّق الأمر بأسماء أسهمت في التاريخ الإنساني، وبقيت صورها أسيرة تصوّرات نمطية، أو بعيدة عن الأوصاف المُتوارَثة عنها. لذلك أراد أن يمنح الأجيال الجديدة فرصة لرؤية هذه الشخصيات على هيئة أناس عاشوا وتركوا أثراً، لا أسماء محفوظة في الكتب.

بشار بن برد... أغمض الرسم عينيه وأبقى أثر الحياة (منتظر صالح)

لكن كيف يمكن رسم وجه لم تُحفَظ له صورة حقيقية؟ يبدأ صالح من كتب التراجم، والمصادر التي تتضمَّن أوصافاً جسدية، ثم ينتقل إلى ما تركته الشخصية من شِعر، أو علم، أو مواقف. ويوضح أنّ «الكلمات التي يتركها الإنسان تُسهم في تكوين صورته في أذهاننا»، لذلك لا يفصل مثلاً شِعر المتنبّي عن الطريقة التي يتخيَّل بها نظرته، وملامحه، ولا قصيدة الفرزدق «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» عن الهيبة والكبرياء اللذين يحاول التقاطهما في وجهه.

وفي حالات أخرى، تصبح التفاصيل الجسدية الموثَّقة نقطة انطلاق مباشرة. عند رَسْم الشاعر بشار بن برد استند إلى كونه أعمى، وإلى إصابته بالجدري، فرسمه مُغمَض العينين، وأظهر آثار المرض بخطوط دقيقة، محاولاً نقل ما عاشه من دون مبالغة.

ولا يكفيه الوصف الجسدي، إذ يقول إنه يبحث عمّا يُسمّيه «الجوهر النفسي» للشخصية، محاولاً التقاط حدّة طباع الفرزدق في نظرته، وصرامة الباحث في عينَي البيروني، وآثار السهر والإرهاق على وجه ابن سينا. بالنسبة إليه تصبح هذه التفاصيل وسيلة لإظهار شيء من شخصية صاحب الوجه، وتجاربه.

وكان المتنبّي أصعب الشخصيات التي عمل عليها. يشرح صالح أنّ الصعوبة ارتبطت بـ«ثقل الشخصية، وتناقضاتها»، أكثر من ارتباطها بالمعلومات المتوافرة عنها. كان عليه أن يجد ملامح تستوعب صاحب «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي»، من دون اختزاله في الغرور. ويقول إنّ الجمع بين كبريائه ورقَّة شِعره وطموحه وعمقه جعل رسم نظرة العين وتفاصيل الوجه عملاً استغرق منه وقتاً طويلاً.

المتنبّي... ملامح لكبرياء لم تسعه القصيدة (منتظر صالح)

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث، والرسم، وهو ما يدفع صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ. لا ينكر سرعة هذه الأدوات، وقدراتها، لكنه يرى أنّ ما تفتقد إليه هو التجربة الإنسانية التي تسبق الصورة. ويقول إنّ «اليد البشرية تُخطئ، وتمحو، وتُعيد المحاولة، وتعيش مع الشخصية خلال العمل عليها»، وهذا الوقت يدخل في تكوين معنى اللوحة، ولا يقتصر على كونه مرحلة في إنتاجها.

واعتماد بعض أعماله على «ويكيبيديا» غيَّر أيضاً موقع المشروع بالنسبة إليه. يقول إنّ ذلك منحه شعوراً بالسلام، والطمأنينة، بعدما انتقلت اللوحات من اجتهاد فنّي فردي إلى مرجع بصري مُتاح للآخرين: «أسعدني أن يجد طالب في مكان ما من العالم وجهاً يحمل ملامح عربية قريبة من المصادر التي قرأها».

جلال الدين الرومي... وجه يبحث عن المعنى خلف المرئي (منتظر صالح)

ولا يقتصر نشاط صالح على هذا المشروع، فهو يمارس الصيدلة السريرية، ويُبرمج تطبيقات للرعاية الطبّية، من بينها تطبيق لحساب جرعات الأطفال، كما صمَّم خطاً عربياً تقليدياً أُحادي المسار مخصَّصاً لآلات النحت، والطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب جداريات خشبية هندسية، وألَّف كتاباً تفاعلياً عن فنّ الوهم البصري.

ويرى في هذا التنقُّل محاولة لاستعادة فكرة «الإنسان الموسوعي». فالصيدلة تمنحه الدقّة العلمية، والعمل على الخطوط يفتح أمامه العلاقة بين الهندسة والتراث، فيما تقوده الكتابة إلى أسئلة الإدراك والبصر. ويختصر فكرته قائلاً: «المعرفة لا تنقسم في ذهني إلى جُزُر منفصلة. العلوم والفنون طرق مختلفة لمحاولة فَهْم العالم».