بريطانيا... هل ينفد حظها التاريخي؟

سبقت القارة الأوروبية فلم تضطرب لاضطراباتها بالقدر نفسه

آدم سميث
آدم سميث
TT

بريطانيا... هل ينفد حظها التاريخي؟

آدم سميث
آدم سميث

أتذكر دائماً محاضرات مادة الأدب العربي الحديث، والمبادئ التي شُرحت حول أدبيات الرواية، وأتذكر مقولة أن صناعة التراجيديا أسهل بكثير من الكوميديا، لأن الموت والمرض وتفرقة المحبين وغيرها أداة سهلة للروائي، ولا حكر على سلطاته في استخداماتها، وأتذكر تأكيده سهولة إبراز الشخصية أو البطل المحظوظ أو الموفق، فالحظ أو التوفيق أداة سهلة لقلمه، بالتالي فالحظ يصبح سبباً أساسياً للتراجيديا. وتولستوي، في تقديري، من أفضل من استخدم التراجيديا منذ أن أطلقها اليوناني «سوفوكليس» الذي تدين له البشرية بكثير من الحكمة والدموع. ولكن الإفراط في استخدام التوفيق أو الحظ يُضعف الأديب، ويُفقد مصداقية الرواية، لأننا ميالون بالطبيعة لقبولهما في اتجاه التراجيديا، لذا تكون هذه الشخصيات مثل «فورست جامب» أو «جميس بوند» ترفيهية الطابع محدودة المصداقية. ولكن هل ينطبق قانون الأدب على التاريخ؟ هنا يبدو أن الأمر ليس ببعيد، فهناك بالفعل شعوب تاريخها مليء بالتراجيديا عبر القرون، وعلى رأسها روسيا، على سبيل المثال لا الحصر، كما أن هناك شعوباً أقرب للحظ النسبي المقارن، وتقديري أن بريطانيا تحتل الصدارة بلا منافس.
الواقع أن بريطانيا دائماً ما سبقت القارة الأوروبية، فلم تضطرب لاضطراباتها بالقدر نفسه، فجاء تاريخها السياسي والعسكري والفكري أقل ألماً وأكثر ترجيحاً عن جيرانها. ولهذه الظاهرة شواهد كثيرة، ألخصها بشكلٍ مخلٍ فيما يلي:
أولاً: حسمت إنجلترا أزمة صراع السلطتين الدينية والملكية بشكل فريد للغاية، عندما قرر «هنري الثامن» بعد خلافه مع البابا بسبب الطلاق إصلاح الكنيسة، وفقاً لرؤيته وضمها للدولة، فأصبح رأس الكنيسة، وبات كبير أساقفة «كانتربري» في النهاية مطيعاً للبلاط الملكي. ورغم أنها لم تفلت من تبعات الحروب الدينية التي اجتاحت أوروبا في هذا الصراع، فإنها كانت أقل تأثراً بهذه الموجة. كذلك فإن أكبر تهديد خارجي في تاريخها حسمته معركة «الأرمادا» الشهيرة عام 1588، عندما أرسل القدر أمواجه العاتية لتغرق كثيراً من قطع الأسطول الإسباني التي كانت كفيلة باحتلال إنجلترا. ولا يفوتنا أن قرون الثورات في أوروبا ظلت محدودة الأثر على إنجلترا، فجاءت الحرب الأهلية قصيرة نسبياً، مقارنة بغيرها من الدول الكبرى. وكذلك الحكم الديكتاتوري لـ«كرومويل»، وما تبعه من استبداد ملكي انتهى في حقب أربع قصيرة بثورة سلمية، أو «الثورة المجيدة» التي وضعت النظام الملكي البرلماني الإنجليزي ثم البريطاني على شكله الحالي. وعندما اندلع موسم الثورات الأوروبية مع الثورة الفرنسية، فإن بريطانيا صارت بمنأى عنه، فلم يدمر هذا المد بريطانيا بسبب السياسيات المتقدمة للبرلمان الذي تحول من الأوليغاركية السياسية إلى الديمقراطية تدريجياً على مر قرابة إحدى عشرة حقبة بهدوء، لأن البرلمان سبق الموجات الثورية ونزع فتيلها بإصلاحات ممنهجة.
ثانياً: على الصعيد العسكري، يبدو أن الأمر تكرر بشكل مختلف، فبريطانيا لم تكن أبداً أكبر قوة عسكرية أوروبية، ولكنها كانت الأذكى، فلقد ركزت القيادة السياسية منذ الملكة «إليزابيث الأولى» على الأسطول كمصدر لقوتها الدولية، وربطته بفكرها الجيوبوليتيكي، فخدَّم على خطة الدولة التجارية ثم الإمبريالية. وفي سياستها الأخيرة، فإنها لم تلجأ، مثل آخرين، للاحتلال الكامل، والاستخدام المفرط للجيش لتغيير هوية المستعمرات، ترشيداً للتكلفة السياسية والمالية، ولكنها لعبت بذكاء شديد للسيطرة النسبية، بما يؤمن احتياجاتها السياسية والتجارية دولياً، فصارت تحكم خُمس العالم بلقب «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، بفضل الاستخدام الأمثل للأسطول.
ثالثاً: على الصعيد الفكري، لا خلاف على أنها كانت مصدر الفكر الليبرالي الحر، فكراً وتطبيقاً، فأول وثيقة في الليبرالية السياسية صيغت في بريطانيا في 1215، وهي «الماجنا كارتا» التي حسمت حقوق المواطن، وحجمت السلطة المطلقة للملوك، حتى وإن أغفلوها لاحقاً. وامتداداً لهذا جاء تأسيس التيار الليبرالي على أيدي بريطانيين قولاً واحداً، وتحديداً «جون لوك» والاسكوتلندي «آدم سميث»، فالأول وضع دستور وأركان هذا الفكر عبر الحريات الثلاث الأساسية، وتحجيم دور الحكومة، بينما وضع الثاني فكر ومؤسسية آليات السوق الحرة بكتابه «ثروة الأمم»، ولا خلاف على أن العالم مدين بهذا التيار الفكري لبريطانيا التي سبقته، تماماً مثلما أبدعت الثورة الصناعية الأولى والثانية، وركبت قطار التطور العلمي في العالم كله، وكذلك حركة الأدب منذ شكسبير.
وأياً كان مصدر هذا الرجحان البريطاني المقارن، الذي طورها وعصمها من التراجيديا التاريخية المقارنة، فإن هذه الظاهرة صارت مصدر تساؤل بعد قرارها الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ يسأل البعض: «هل ينفد حظ بريطانيا التاريخي؟». والحقيقة أنه كلما تأملت التاريخ العظيم لهذه الجزيرة، أميل للاعتقاد بأن الرجحان المنسوب للحظ إنما أتي في مرتبة أولى وكبيرة بفضل عظماء، أختزلهم بخلل شديد في: «إليزابيث الأولى»، و«وليم بيت» (الكبير والصغير)، و«نلسن»، و«وليجنتون»، و«بالمرستون»، و«ديزرائيلي»، و«تشرشل»، و«ثاتشر»... إلخ. إن البعض قد يربط تاريخ بريطانيا بالحظ، ولا غبار على ذلك، ولكن قانون علية الحظ البريطاني مرتبط في تقديري بالخصوبة البريطانية القادرة على إنجاب العظماء ذوي الرؤية الثاقبة أو احتضانهم. وكما قال «كاسلريه»، وزير خارجيتها المخضرم: «كل دولة لنفسها، والله لنا جميعاً». فالله يوفق الدول بقدر ما تصون سياساتها وتنجب عظماءها، و«إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ».



الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟


«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير
TT

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها، بقدر ما تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بعض السرديات حضورها المركزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش.

فمنذ تصدير الرواية باقتباس لمحمود درويش «أنا والذبابة حُرّان» يعود البطل لاحقاً إلى الشاعِر نفسه متسائلاً عن سبب الاحتفاء بـ«أثر الفراشة»، فيما لم ينتبه أحد يوماً إلى «أثر الذبابة».

هذا الأثر لا يبدو هيناً، فالرواية التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شاردة في أذن سارِدها، لا تقدم هذا الطنين بوصفه إزعاجاً عابراً، بقدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول البطل والمدينة معاً، فما يبدأ بذبابة مُنفردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حرب عبثية مُعلنة ضد الذباب، وسط بيانات رسمية تتحدث عن هجوم بيولوجي، وحظر تجوال، ومؤامرة تشارك فيها قوى خارجية بالتعاون مع الخونة، فيما أسراب الذباب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة.

ويبدو اختيار الكاتب لبنية التقارير اليومية المؤرخة التي يكتبها سارِدها الوحيد على امتداد عام كامل، متسقاً مع العالم الديستوبي الذي تصوغه الرواية؛ عالم تحكمه المراقبة وجمع المعلومات والرصد المستمر للتفاصيل.

فالبطل، المنتمي إلى جهاز أمني غامض لا تُفصح الرواية عن طبيعته بشكل مباشر وتطلق عليه «الهؤلاء»، مُكلف برفع تقارير شهرية عن كل ما يلفت انتباهه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلى تناقص أوراق النقد من فئة معينة، إلى ازدياد أعداد الذباب في المدينة، حتى تصبح أكثر الملاحظات هامشية مادة للرصد والتحليل.

فرز ومراقبة

تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته في الإضافة والحذف وتعديل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقاً بأنه كان ماهراً في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذباً وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلى العامة والإعلام، يتعامل مع الواقع بوصفه مادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة.

ويبدو أن البطل الذي خضع لسلسلة من الاختبارات البدنية والعصبية والنفسية للانضمام إلى مؤسسة «الهؤلاء»، يعيد إنتاج منطق الفرز والمراقبة ذاته خارج المؤسسة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة من بين مجموعة من المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلى الاقتراب منها أو التعرّف إليها، بقدر ما يدفعه إلى إخضاعها لمراقبة أمنية مستمرة وإفراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية.

غير أن الرواية لا تكتفي بإبراز هذا السلوك بوصفه امتداداً لعمله داخل المؤسسة، بل تلمّح إلى جذوره النفسية الأعمق، فخلف رجل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفاً رسمياً بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امتداداً لخوف مبكر من الفوضى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم.

هوجة طبقية

تفتح الرواية مسارين لتتبع أثر الذباب الذي يستولى على أفق المدينة؛ أولهما داخل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يفجر قضية طبقية عُرفت بـ«كومة الزمالك» على إثر إلقاء أحد سكان حي راقٍ قمامته في مقلب قمامة في حي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول إلى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى علامة على اختلال بنيوي أعمق داخل المدينة.

في موازاة ذلك، يُعاد تأويل تلك الواقعة تدريجياً عبر الخطاب الرسمي؛ فـ«محمود»، الذي يعترض على إلقاء القمامة في حيّه، يُعرف في الخطاب الرسمي بوصفه مثيراً للمشاعر الطبقية ومهدداً للسلم العام، لتغدو القضية مثالاً آخر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع.

وينعكس أثر تلك المشاحنات على لغة الرواية نفسها، إذ تنتقل المفردات المستخدمة في وصف الذباب من المجال البيولوجي إلى المجال السياسي، فلا تعود الأسراب مجرد تجمعات حشرية، بل تتحوّل إلى «هوجة» شرسة، وهي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصافاً ارتبطت بالاحتجاجات والحشود البشرية، بحيث يصبح الذباب مرآة للطريقة التي تنظر بها السلطة إلى كل ما يخرج عن السيطرة.

يتراجع حضور الذباب بوصفه ظاهرة طبيعية، ليُعاد تقديمه باعتباره خصماً يستدعي التعبئة والمواجهة، وهكذا تؤول المدينة تدريجياً إلى ساحة استنفار عام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية.

وتبلغ السخرية السوداء ذروتها عندما تبدأ هذه الحرب في إنتاج ضحاياها من البشر، فبينما تُحشد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المبيدات والغازات في حملات واسعة النطاق، يتعرض المشاركون أنفسهم للاختناق والإصابات، في مفارقة تجعل آثار المواجهة أكثر فتكاً من آثار العدو الذي أُعلنت الحرب عليه.

تدفع ملابسات تلك الحرب، بوجهيها العبثي والدستوبي، بطل الرواية إلى عالم موازٍ داخل مستشفى معزول للأمراض العقلية موصوماً بالجنون، فالرجل الذي احترف كتابة التقارير وإعادة تحرير الوقائع بما يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه في نهاية المطاف مأخوذاً بنسج وقائع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بتقرّب من زملاء المستشفى «المثقفين» للحديث عن الكتب والروايات، بما في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل.

ولعل هذه النقلة السردية هي ما تمنح الرواية أحد أكثر مستوياتها ثراءً في التأويل، فبعد عام كامل من مطاردة الذباب ورصده والحرب ضده، يدخل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الحشرة، حين يصبح مأخوذاً بحكاية يسمعها عن «ذبابة سقراط»، ويتعهد في لحظة سلام عابرة بأن ينظر إلى الذباب نظرة مغايرة، لتترك الرواية نهايتها مفتوحة على أفق فلسفي يعيد التفكير في السلطة والخوف، وفي قدرة أكثر الكائنات ضآلة على إرباك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها.


ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري
TT

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

يقول عامر الخطيب في مقدمته: «أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك، وسط زخم من الكم والنوعية من الكتاب الذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكاناً مقبولاً بينهم...».

من الواضح أن هذا الإهمال هو ما حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان.

وواقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكُتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباًعالميين مثل كافكا وإدغار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة عنوانها «الغراب» مقابل 9 دولارات.

كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غراس إلى مثل هذا النقد «التشهيري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، التي انتقد فيها «العجالة» في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي «مزَّق» فيها الرواية شر تمزيق. وكان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.

حالُ الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع والأسباب، ففضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة والدكتور لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان، ولم ير الثاني في كتاباته سوى «دخان»؛ في إشارة إلى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان.

وربما يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان، من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، التي صدرت عن دار السرد في 87 صفحة.

قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حمدي»، يُوجز مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتدّ بين الإغريقي والملحمي، مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الأخرى. ويعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه.

يعدد الكاتب، في الفصول الأخرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الذي ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج».

وفي حين يقدم لنا نقادُ المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل للجميع.

يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان شخصية بطل مستلَب ومغترِب اجتماعياً، يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واعٍ لطبقته يعمل «منحازاً إليها ومنحازاً ضدها».

نرى شخصية حمدي في مسرحية «الزجاج» (1968)، مثلاً، أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كان حمدي في «الدخان» يدمن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في «الزجاج» كـ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي «الدخان» (1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة 1967».

يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.

يبدو هذا واضحاً في السطور الأخيرة لمسرحية «الدخان»

«حمدي: أنا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدوّر على لذة، أنا كنت بأدوّر على الإيمان... كنت بأدوّر على هدف... وأنا حالاقي هدف (يبكي) لازم ألاقي هدف... لازم ألاقي هدف».

وينهي كلامه في «الزجاج»

«حمدي: فساد... فساد متكامل... فساد منظم (يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال... بتخطف طعام الأطفال».

قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً «مَعيباً» في أعمال الكاتب المسرحي رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه «المباشرة» في النص «ليست معيبة، بل تكون مطلوبة أيضاً» في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.