المملكة المتّحدة بعد «بريكست»... تحدّي الحفاظ على الوحدة

قصر باكنغهام مقر الملكة في لندن (أرشيف – إ.ب.أ)
قصر باكنغهام مقر الملكة في لندن (أرشيف – إ.ب.أ)
TT

المملكة المتّحدة بعد «بريكست»... تحدّي الحفاظ على الوحدة

قصر باكنغهام مقر الملكة في لندن (أرشيف – إ.ب.أ)
قصر باكنغهام مقر الملكة في لندن (أرشيف – إ.ب.أ)

في يوليو (تموز) الماضي، أبلغ الوزير ديفيد ليدنغتون، الذي كان بمثابة نائب لرئيسة الوزراء تيريزا ماي، زملاءه في الحكومة التي كانت تعيش أيامها الأخيرة، أن خروجاً فوضوياً من الاتحاد الأوروبي، أي «بريكست» بلا اتفاق، سيجعل من بقاء بريطانيا مملكة متحدة تحدّياً حقيقياً. وحدّد اسكوتلندا حيث للحزب القومي الاسكوتلندي حضور قوي، مصدراً رئيسياً للخطر، لافتاً أيضاً إلى ارتفاع شعبية الحزب القومي في ويلز «بلايد كامري». كا تحدّث عن مشكلة الحدود بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا التي قد تغري كثراً بالعودة إلى المطالبة بإعادة توحيد الشطرين.
مع تسلّم بوريس جونسون زعامة حزب المحافظين وتوليه رئاسة الحكومة في 24 يوليو، واتجاه بريطانيا إلى «بريكست» بلا اتفاق، يبدو التفكك احتمالاً لم يكن بهذه الجدية منذ 18 سبتمبر (أيلول) 2014 حين قرر 55.3 في المائة من الاسكوتلنديين البقاء ضمن المملكة المتحدة، مقابل 44.7 في المائة صوّتوا لمصلحة الاستقلال.
قصة المملكة المتحدة في صفحات التاريخ طويلة، وهي اتخذت شكلها الحالي عام 1922 بعد استقلال معظم الجزيرة الآيرلندية عن التاج البريطاني، باستثناء آيرلندا الشمالية. وبالتالي تتألف المملكة من بريطانيا العظمى، اي إنجلترا واسكوتلندا وويلز، وآيرلندا الشمالية، مع العلم أن الناس يستعملون اسمَي بريطانيا والمملكة المتحدة دون تمييز.
على مدى ثلاث سنوات منذ الاستفتاء الذي أجرته حكومة ديفيد كاميرون على البقاء في الاتحاد الأوروبي وانتهى إلى النتيجة المفاجِئة المعروفة، كانت الحجة الرئيسية لمناهضي الخروج أن الاقتصاد البريطاني سيتضرر بشدة، وهو ما بدأ يحصل بالفعل قبل الخروج. إلا أن الخطر الأكبر الذي يتبدّى يوماً بعد يوم، يتمثل في احتمال إجراء استفتاء آخر على الاستقلال الاسكوتلندي وتفكك فوضوي للمملكة المتحدة، سيكون، إذا حصل، حدثاً مذهلاً يتخطى بأشواط تفكك تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا عام 1992، حتى لو أن الثاني كان عنفياً.
وأتى تحذير في هذا الخصوص من أحد أهل الدار، رئيس الوزراء السابق غوردون براون – وهو اسكوتلندي – الذي لم يكتفِ بالتحذير من القومية الاسكوتلندية، بل نبّه إلى «القومية الإنجليزية» الضيقة لحزب المحافظين التي لا تمانع انفصال اسكوتلندا عن لندن. وهنا، يرى محللون وخبراء أن السياسة التي يعتمدها بوريس جونسون حيال «بريكست» تقود البلاد في هذا الاتجاه، أي إلى صراع بين القومية الإنجليزية من جهة، والقوميات الاسكوتلندية والويلزية والآيرلندية من جهة أخرى.
ومما أجّج نار المشكلة، قرار جونسون – عبر الملكة إليزابيث الثانية من حيث الشكل والبروتوكول - تعليق عمل مجلس العموم (البرلمان) حتى 14 أكتوبر (تشرين) الأول، الأمر الذي يحول عملياً دون تشكّل غالبية برلمانية تستصدر قانوناً يمنع الحكومة من تنفيذ «بريكست» دون اتفاق مع بروكسل، علماً أن الموعد الأخير للخروج هو 31 من الشهر نفسه.

المقاطعات الثلاث
- تقع اسكوتلندا في شمال المملكة المتحدة. تبلغ مساحتها نحو 88 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها 5 ملايين و400 ألف، ومتوسط الدخل الفردي السنوي 30 ألف دولار.
اتّخذت هويتها في أواسط القرن التاسع ميلادي، واتّحدت مع المملكة الإنجليزية في الأول من مايو (أيار) 1707. ويعتبر تاريخ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998 مهماً إذ انتقلت فيه صلاحيات كثيرة من السلطة المركزية في لندن إلى السلطات المحلية في إدنبره عاصمة اسكوتلندا.
يقود الحركة الاستقلالية في اسكوتلندا الحزب القومي الاسكوتلندي الذي تتزعمه رئيسة الوزراء المحلية نيكولا ستيرجن. ويملك الحزب 63 مقعداً من 129 في البرلمان الاسكوتلندي، ويحتل 35 مقعداً من أصل 59 مخصصة لاسكوتلندا في مجلس العموم البريطاني.
وإذا كان أكثر الاسكوتلنديين قد آثروا البقاء في المملكة المتحدة عام 2014، فإن استفتاء جديداً قد يأتي بنتيجة مختلفة، خصوصاً أن 62 في المائة من المقترعين في استفتاء 2016 صوّتوا لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي.
- تقع مقاطعة ويلز في الخاصرة الجنوبية الغربية لبريطانيا، وتحتضنها إنجلترا من ثلاث جهات برية، فيما الرابعة للبحر.
تبلغ مساحة ويلز 20779 كيلومتراً مربعاً، يعيش فيها أكثر بقليل من 3 ملايين نسمة. ويبلغ متوسط الدخل الفردي السنوي نحو 27 ألف دولار.
انضمت المقاطعة إلى المملكة المتحدة عام 1707، ورغم السيطرة الإنجليزية الكاملة عليها احتفظت بثقافتها ولغتها التي لا تزال لغة رسمية إلى جانب الإنجليزية.
لم تظهر في ويلز بوادر ميل انشقاقي واستقلالي كبير، مع أن الحزب القومي «بلايد كامري» (أي حزب ويلز) ينادي بالاستقلال منذ إنشائه عام 1925. والدليل على غياب النزعة الانفصالية عند معظم أهالي ويلز، أن الحزب لا يملك إلا 10 مقاعد من أصل 60 في البرلمان المحلي. كما أن المقاطعة صوّتت بنسبة 52.5 في المائة لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء 2016.
غير أن الوضع قد يتغير في ظل الأزمة الحالية، وقد سمع رئيس الوزراء بوريس جونسون من رئيس وزراء ويلز مارك درايفورد، المنتمي إلى حزب العمال، أن «بريكست» سيكون كارثياً. ولئن كان من المستبعد أن تتظهّر اندفاعة انفصالية في ويلز، فإن المقاطعة لا بد أن تتأثر بالاتجاهات السلبية التي ستحصل حولها، خصوصاً في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية.
- تقع آيرلندا الشمالية في الطرف الشمالي الشرقي للجزيرة الآيرلندية، وهي لا تتصل بالبر البريطاني. تبلغ مساحتها 14130 كيلومتراً مربعاً، ويتجاوز عدد سكانها بقليل مليوناً و800 ألف نسمة، 48 في المائة منهم من البروتستانت و45 في المائة من الكاثوليك.
عام 1922، بعد حرب الاستقلال والمعاهدة الأنجلو-آيرلندية، أصبح الجزء الجنوبي هو الدولة الآيرلندية الحرة ولاحقاً جمهورية آيرلندا، بينما اختارت آيرلندا الشمالية البقاء في المملكة المتحدة.
أواخر ستينات القرن الماضي، بدأت الاضطرابات واستمرت نحو ثلاثة عقود، وسقط فيها أكثر من 3 آلاف قتيل. وكان سبب الصراع الوضع غير المستقر لآيرلندا الشمالية داخل المملكة المتحدة والتمييز ضد الأقلية القومية الآيرلندية، وبتعبير آخر ضد الكاثوليك الذين دأبوا على المطالبة بالانضمام إلى جمهورية آيرلندا ذات الغالبية الكاثوليكية (87 في المائة من السكان).
ولم ينتهِ الصراع بين «الجيش الجمهوري الآيرلندي» وقوات الأمن البريطانية إلا بعد اتفاق «الجمعة العظيمة» الذي وقعته في 10 أبريل (نيسان) 1998 في بلفاست، الحكومة البريطانية والحكومة الآيرلندية وأحزاب آيرلندا الشمالية فحقق استقراراً في المقاطعة.
لكن هذا الاستقرار تهدده حتماً مسألة الحدود، ذلك أن عاملاً أساسياً من عوامل السلام كان قدرة الآيرلنديين الشماليين، ولا سيما الكاثوليك منهم، على العمل في آيرلندا بفضل فتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي. وعند خروج المملكة سيكون هناك ضرورة لإقامة حدود، وفق ما تقضي به نُظُم الاتحاد. وثمة خشية كبيرة من أن يؤدي التضييق على حرية الحركة إلى عودة المطالبة بانفصال آيرلندا الشمالية وانضمامها إلى الجمهورية، وبالتالي عودة العنف بين الكاثوليك والبروتستانت. وهذا من شأنه أن يهدد بقاء المقاطعة - التي صوتت عام 2016 لمصلحة الانتماء الأوروبي بنسبة 55.8 في المائة – تحت التاج البريطاني.
مهما يكن من أمر، تفرض حقيقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سواء باتفاق أو بلا اتفاق، سلسلة من التحديات على المستوى الوجودي لمملكة تضم أكثر من أمة. لذلك، سيكون على هذه الحكومة وأي حكومة في المستقبل، تكريس وقت وجهد كبيرين لتمتين تماسك الاتحاد. ولا يكفي في هذا الإطار أن يخلع بوريس جونسون على نفسه لقب وزير الاتحاد، إضافة إلى منصبه الأساسي، بل عليه أن يعمل جاهداً على معالجة مسألة الهوية والانتماء، وبلورة «وظيفة جديدة» للمملكة المتحدة لكي تبقى متحدة!



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.