أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس أن تركيا تعهدت بالمشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، وذلك إثر لقائه نظيره التركي مولود جاويش أوغلو. وقال كيري إن «تركيا عضو في هذا التحالف بشكل كامل، وستكون في صفوفه الأمامية».
وأبدت تركيا حتى الآن ترددا، وخصوصا لأن تنظيم داعش كان يحتجز 49 من رعاياها في مدينة الموصل (شمال العراق) قبل أن يفرج عنهم السبت الماضي.
ورحب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس الثلاثاء، بالضربات الجوية ضد تنظيم داعش في سوريا، مؤكدا أن أنقرة يمكن أن تقدم دعما عسكريا ولوجيستيا للحملة العسكرية. وقال إردوغان للصحافيين الأتراك في نيويورك «إنني أنظر إليها (الضربات الجوية) بشكل إيجابي. ومن الخطأ أن تتوقف. يجب أن تستمر خارطة الطريق هذه». وردا على سؤال حول المساهمة التركية في العمليات العسكرية، قال «سنتخذ أي خطوات ضرورية لمكافحة الإرهاب». وأضاف أن ذلك يشمل «جميع أنواع الدعم بما فيها العسكري والسياسي.. إنها تشمل الدعم السياسي واللوجيستي».
من جهته، قال جاويش أوغلو إن تركيا رصدت وطردت أكثر من ألف مقاتل أجنبي من 75 بلدا مختلفا. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الوزير التركي قوله خلال منتدى مخصص لمكافحة الإرهاب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إن «تركيا تحملت هذا العبء بشكل كبير. لقد خصصنا إمكانات لرصد وترحيل أكثر من ألف مقاتل إرهابي أجنبي أتوا من نحو 75 بلدا». واتهمت أنقرة غالبا بإقامة علاقات ملتبسة مع الجهاديين الأجانب الذين يعبرون حدودها للقتال في سوريا. ويتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه دعم مقاتلي المعارضة السورية الأكثر تطرفا وبينهم عناصر «داعش» سعيا إلى تعجيل إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.
من ناحية ثانية، بدا أمس أن عملية «المقايضة» التي أدت إلى إطلاق الرهائن الأتراك لدى تنظيم «داعش» تهدد عملية السلام الكردية - التركية، مع استياء أكراد تركيا من طريقة تعامل السلطات التركية مع أزمة اجتياح التنظيم المتشدد لقرى كردية في شمال سوريا ومحاصرة إحدى مدنهم الكبرى، بعد أن اتهمت القيادات الكردية أنقرة بالسماح للتنظيم باجتياح قراهم مقابل إطلاق سراح الرهائن الأتراك من القنصلية التركية في الموصل.
وظهرت أمس تفاصيل إضافية حول عملية التبادل التي قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن 3 أشخاص فقط يعرفون تفاصيلها. إذ أكدت صحيفة تركية أن ما جرى هو عملية تبادل شملت عناصر من التنظيم كانوا موقوفين لدى إحدى فصائل المعارض السورية، بينهم عائلة مسؤول في «داعش» قتل في اشتباك مع معارضين سوريين. وقالت صحيفة «حرييت» إن جماعة «لواء التوحيد» من الإخوان المسلمين كانت تحتجز عناصر «داعش» وعددهم 50 شخصا وإنها وافقت بعد مفاوضات طويلة على الإفراج عنهم. ومن بين هؤلاء أسرة أحد قياديي التنظيم ويدعى حاج بكر كان أعلن مقتله في يناير (كانون الثاني) بعد معركة بين مجموعته وإحدى وحدات الجيش السوري الحر. وأوضحت الصحيفة أن الرهائن الأتراك وصلوا إلى الرقة (شمال سوريا) الجمعة إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية انتظر حتى الساعة الخامسة من صباح السبت للسماح لهم بالرحيل عندما أفرجت جماعة «لواء التوحيد» عن عناصره.
ونعى مراد قره يلان، القائد الفعلي لتنظيم حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، مسيرة السلام الداخلي مع تركيا، مؤكدا أنها «انتهت». وقال في تصريح أدلى به أمس: «عقب الاعتداءات التي نفذها تنظيم (داعش) الإرهابي على بلدة كوباني الكردية في شمال سوريا، ترغب عصابات (داعش) الغاشمة في القضاء على شعب بلدة كوباني الكردية، وفي الواقع أن مسيرة السلام التي بدأتها الحكومة التركية معنا قد انتهت مع الاعتداءات على البلدة، والكلمة الأخيرة ستكون لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان». وأكد قره يلان أن مقاتلي «داعش» دخلوا بلدة كوباني في مقابل إطلاق سراح العاملين في القنصلية التركية بمدينة الموصل، وأن ما تفكر فيه تركيا هو «تصفية سكان كوباني وحصرهم في منطقة عازلة». وقال: «لقد أطلق سراح موظفي القنصلية التركية يوم السبت الماضي، ومخطط داعش كان الدخول إلى كوباني في اليوم نفسه، والحكومة التركية تقول إنها لم تقم بأي مبادلة إلا أنها باعت كوباني». وأضاف: «بلدة كوباني لم تكن للأتراك، وإن هذا النصر الدبلوماسي يعد وصمة عار دبلوماسية».
وحذر رئيس البرلمان التركي جميل جيجيك من أنَّ تنظيم «العمال الكردستاني» الذي وصفه بـ«الإرهابي» يحاول «أن يسوق نفسه باستجدائه الانضمام إلى التحالف ضد تنظيم ا(داعش)، سعيا منه لإزالة اسمه من قائمة الإرهاب». وقال جيجيك: «إنَّ تركيا ضد الإرهاب بجميع أشكاله»، وأضاف «عانينا الإرهاب منذ 15 أغسطس (آب) 1984 تاريخ أول عملية إرهابية لتنظيم (بي ك ك) الإرهابي، وخسرنا أكثر من 40 ألفا من مواطنينا، والتنظيم يحاول أن يتخفى وراء الدماء التي سفكها».
وفي تركيا، تقدم سزجين تانريكولو نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، والنائب عن مدينة إسطنبول، باستجواب لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو يطالبه فيه بالكشف عما إذا كانت تركيا قدمت وعودا لتنظيم «داعش» مقابل إطلاق سراح الرهائن الأتراك أم لا.
وأوضح تانريكولو، في طلب الاستجواب الذي قدمه إلى رئاسة البرلمان، أن الرئيس رجب طيب أردوغان قال إن الإفراج عن الرهائن الأتراك من دبلوماسيين ورجال أمن القنصلية التركية في الموصل، وأسرهم، الذين احتجزهم داعش لمدة 101 يوم عقب الهجوم على القنصلية، جرى بموجب مقايضة مع «داعش»، وتساءل: «ما هي فحوى المقايضة الدبلوماسية التي جرت مع داعش لإطلاق سراح الرهائن؟» وتساءل النائب في استجوابه، ما الوعود التي قدمتها تركيا لداعش مقابل إطلاق سراح المواطنين الأتراك؟ وهل تضمنت المقايضة، التي تحدث عنها إردوغان، إطلاق سراح عناصر التنظيم لدى تركيا أم لا؟ وأضاف: «هل تزامن إطلاق سراح الرهائن مع الاعتداءات على بلدة كوباني التي تقع في يد (داعش)، والادعاءات حول تقديم تركيا دعما لوجيستيا لـ(داعش)، هي فحوى المقايضة الدبلوماسية التي جرت مع التنظيم؟». وتابع: «هل التدخل الذي جرى بحق اللاجئين الموجودين في بلدة سوروتش الحدودية مع سوريا منذ يومين، هو نتيجة المقايضة الدبلوماسية التي جرت مع التنظيم؟ وبما أنه جرى إطلاق سراح الرهائن الأتراك، هل ستتغير الآن سياسة تركيا تجاه (داعش)؟ وهل ستنضم تركيا إلى التحالف الدولي ضد (داعش) بقيادة أميركا؟ وإن لم تبد رغبة في الانضمام، فما أسباب ذلك؟». في المقابل، قال داود أوغلو إن هناك أمورا تتعلق بموضوع إنقاذ الرهائن الأتراك لا يعلمها سوى 3 أشخاص فقط. وأكد عدم دفع فدية من أجل إطلاق سراحهم. وعن الأطراف التي تدخلت في الموضوع، قال: «هناك فئة كبيرة من الشعب العراقي متعاطفة بشكل كبير مع تركيا، يحترمها الجميع ولا يرغب تنظيم (داعش) في رفض طلبها نظرًا لموقعها في مدينة الموصل بالعراق، حيث إنها شكّلت أرضية على المستوى الشعبي، وبصراحة تدخل كل شخص هدفه أن يقول لـ(داعش) لا تلحقوا الضرر والأذى بهؤلاء الرهائن لأنهم أمانة لدينا».
وأضاف داود أوغلو: «من الطبيعي أننا قمنا بمقايضات لإطلاق سراح الرهائن، وعدم استمرار احتجازهم أكثر من ذلك، وأنا بدوري أصدرت تعليمات لجهاز الاستخبارات الوطني التركي أن يفعلوا ما يتطلبه الأمر». وتابع: «لقد قمنا بجميع المباحثات سوى دفع فدية لأحد، وعقدت مباحثات مع أطراف شتى، بالإضافة إلى أنه كانت هناك ضرورة لإجراء مباحثات أخرى».
وحول ما أثير من أنه جرى إنقاذ الرهائن بتبادل رهائن التنظيم الموجودين لدى السلطات التركية، كرر داود أوغلو نفس إجابة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قائلا: «المهم في ذلك هو النتيجة، وعودتهم إلى أسرهم، وما دامت أرواح مواطنينا هي الأهم لدينا فإننا نقوم بعمل كل شيء يلزم من أجل ذلك».
بدورها، نفت مصادر الجبهة الإسلامية التي يعد لواء التوحيد من أبرز فصائلها، أن تكون هناك معلومات عما يتداوله ناشطون حول الإفراج عن 50 معتقلا من مقاتلي «داعش» كانوا لدى لواء التوحيد، مقابل الرهائن الأتراك لدى «داعش»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المعلومات عن احتجاز مقاتلين من التنظيم المتشدد في السابق، «ليست إلا أنباء غير مؤكدة». وكان لواء التوحيد عمل كقوات فصل بين مقاتلي «داعش» ولواء «عاصفة الشمال في أعزاز» لدى هجوم «داعش» على اللواء في ديسمبر (كانون الأول) 2013، وتسلم إثره لواء التوحيد إدارة المعبر الحدودي مع تركيا.


