الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة

ليس من السهل على الإنسان أن يفهم الطابع الموضوعي للقوانين أو التمكن من تغييرها

الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة
TT

الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة

الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة

تتيح الرواية لكاتبها التعبير عن رؤاه الفكرية وتصوراته الحياتية إزاء الواقع من خلال شخصيات يتقصد جعلها وسيلة للبوح بالأسرار، لتستكشف المجهول المخفي في محاولة منه لعله يجد فهما للواقع وإشكالاته. وتعد الأسئلة وتدفقها داخل المتون السردية من أهم الوسائل التي تساعد على هذا كله بفضل ما تؤديه من دور في الاستثارة واستغوار تفاصيل الواقع المعيش وأبعاده المنظورة وغير المنظورة.
وهذا منظور ظاهراتي يعطي رؤية خاصة للوجود، وعن ذلك يقول مفكر الظاهراتية الألمانية أدموند هوسرل: «لا أستطيع أن أشك في أشياء كهذه أكثر من شكي بضربة حادة على الجمجمة...». وهذا ما يلقي بالرواية في مضمار مادي تحاول فيه مواجهة العالم في حركته الدائبة المتطورة. وهو ما تصفه الماركسية بالديالكتيك.
ومعرفة هذه القوانين أمر لا غنى عنه للنشاط العملي الإنساني الذي يقتضي ارتباط الشخصية الروائية، بالتطور في الواقع، كسمة مهمة للعالم المادي، وعندئذ تطوّع بعض قوانين الديالكتيك المادي ومقولاته في سبيل عكس هذه الارتباطات في الوعي، لاكتشاف القوانين الموضوعية.
ولان الأسئلة بوابة مهمة لفهم العالم، وعملية تطوره لذلك تصبح هذه الأسئلة ضرورية في المساعدة على دراسة الصورة العامة لهذا التطور كجانب من جوانب الديالكتيك، وهي تنطوي على تصارع الأضداد كأحد قوانين حركة العالم وترابطه الشامل فالأشياء والظواهر لا تطور نفسها على انفراد؛ بل هي تترابط في وحدة لا تتجزأ مع غيرها من الأشياء والظواهر وكل واحد منها يؤثر على غيره من الأشياء وهو بدوره يخضع للتأثيرات المضادة.
ولا يكون التوغل في الديالكتيك إلا عندما تكون واقعية الحياة غير معقولة أو لا منطقية، فيصبح الوجود بعيدا عن المثالية، والحياة لا تفهم إلا عبر التوغل في التساؤل والتركيز على الانثيالات الحدسية للقضايا والأفكار التي يقود التعاطي الديالكتيكي معها نحو التشظي والتعدي والتنوع إزاء الوجود بهدف فهم فلسفته وعلاقته بالعدم والحدس.
وتتخذ جدلية السؤال والجواب عند غادامير وهانس روبرت ياوس شكل نشاط قرائي على أساس أن العلاقة بين النص والقارئ إنما تخضع لمنطق السؤال والجواب، فالنص يحفز القارئ ويحاول هذا الأخير انطلاقا من معرفة معينة أن يجيب عن الأسئلة وقد تختلف الإجابة من قارئ إلى قارئ.
وإذا كنا نتصور أن لا فضاء لسؤال وجواب إلا في شكل استنطاق أو استجواب لأن القارئ هو الذي يقوم بصياغة الأسئلة وتوليدها من رحم النص ذاته؛ فإن قيام المؤلف بجعل السارد هو منجم صياغة الأسئلة داخل النص سيجعل القارئ أكثر فاعلية من الناحية القرائية باتجاه استدلال أبعاد التساؤلات والوقوف على فحواها، كما يكون أدنى قربا من استحصال الإجابات لها وأكثر استعدادا لرصد ماهيتها عبر التأمل الذي يوجه قراءاته توجيها مدرباً محنكاً وبمداومة فكرية.
ولذلك تغدو الأعمال الروائية ذات الأرضية المتسائلة والحاملة لنزعة التشكيك أكثر اندماجا في نظريات التلقي ومناهج القراءة كونها تطرح الأسئلة وتنكب على تواليها متعمدة استمرارها. وهو ما يضع هذه الأعمال منضوية في خانة الرواية ما بعد الحداثية موصوفة بأنها من (الرواية الجديدة) كونها لا تخاطب قارئا اعتياديا خاملا؛ بل هي تتقصد التوجه إلى قارئ نوعي، يوصف بأنه قارئ فاعل لا مستهلك، ومتحفز لا مستسلم، ومتحاور لا ملقن.
ولما تعد ثيمة التساؤل منطوية على قصدية التشكيك وفاعلية الحيرة والتذبذب بديالكتيكية تستدعي معرفة ماهية الوجود وفهم العالم المرئي واللامرئي؛ فإن التدليل على هذا التوصيف النظري يتطلب الوقوف عند عينات روائية.
وتنزع الرواية الجديدة إلى أن تجعل صلة الشك في السؤال تتمة للوجود، ولا شك أن العمل الفني إنما يعبر عن اللحظات الأساسية في تطور الفكرة المطلقة، وأن الأفكار تعود إلى فكرة الوجود على اعتبارها الفكرة الوحيدة التي تتحرك وتتطور.
وإذا ما أصبح التساؤل بالإيجاب والسلب بحثا عن الحقيقة هو أساس العمل الروائي؛ فإن هذا ما يجعل البحث عن السببية في لا منطقية الأحداث ولا معقوليتها بحثا شكّاكا في الفكر عن العلاقة المزدوجة بين الوجود والعدم.
والإنسان عموما ليس من السهل عليه أن يفهم الطابع الموضوعي للقوانين أو التمكن من تغييرها؛ لكنه بالأسئلة المنطقية المحتكمة إلى العقل والمراهنة على العلمية يقدر على مواجهة الوجود بقوانين وفرضيات تنظم صيرورتها وتجعلها تترابط بشكل جوهري وضروري فتكون للعالم من ثم ماديته المنطقية.
وبالأسئلة تتولد الرؤى والأفكار وتختبر ويشكك فيها، ومن خلال التساؤل يطرح الفكر مشاكله، ولا أسئلة من دون وجود صراع بين الأضداد يولِّد طاقة بها يتحرك العالم ويتطور وبعبارة أخرى ما دام هناك تضاد؛ فإن هناك تصارعا عقليا دائما يطور العالم ويحفز الوعي بالتنافر أو بالتناقض الذي هو المحتوى الداخلي للحقيقة وموضع تطورها. وعلى الرغم من حتمية التنافر والتناقض بين الموجودات؛ فإنها تظل مستلزمة بعضها بعضا، ومتعايشة في الوقت نفسه.
وتظل المعرفة أساس كل تلك المفاهيم والمقولات، ولعل أحد أهم مصادر المعرفة ومظان العثور عليها هو استمرار التساؤلات بقصد معرفة العالم وفهمه وإدراك الوجود وماهيته. ولن يظفر الإنسان بالحقيقة إلا عن طريق التساؤل الذي به يتمكن من الارتقاء من مستوى المدركات المحسوسة الحية إلى مستوى الأفكار التجريدية الصرفة والغاية التي يسعى إليها هي معرفة الحياة وفهمها.
ولا مناص لنزعة التساؤل من أن تكون مستندة إلى حقيقة جوهرية مفادها أن لكل إنسان نظراته ومثله وأحلامه ورغباته وأمزجته وعيه الفردي، ولا يكون هذا الوعي حاضرا ما لم يعكس الوجود الاجتماعي من زاوية متطلبات الفرد واهتماماته وأهدافه الاجتماعية.
ويظل تحقق هذا الوعي مرهونا بالطريقة التي بها توظف الرواية العربية الجديدة نزعة التساؤل في إطار جدلي إزاء العالم الروائي من خلال صناعة شخصية رئيسية لتكون فاعلة في توضيح المغلق واستكناه الأسرار لعلها تتمكن من الظفر بالفهم لما هو فوضوي أو غير مقنع أو ملتبس من الظواهر والمفاهيم والتصورات التي تحيط بواقعنا وتغزو علينا حياتنا ووجودنا.
وتحتل قضية إدراك الوجود الاهتمام الرئيسي الذي تنصبّ عليه التساؤلات التي تقضُّ على الشخصية المحورية مضجعها فتجعلها نهبا للشكوك وفريسة للحيرة التي تلقي بها في دوامة التفكير المنطقي محاولة التعبير عن توقها إلى الظفر بالحقيقة وفهم غائية الموجودات محسوسات ومرئيات ومدركات.
ويعد الشعور بالفوضى واللااتزان والإحساس بالشك والتذبذب والوقوع في دائرة الوهم من أهم المحفزات التي تدفع بالشخصية الروائية نحو التساؤل، فتتداعى الأسئلة على لسانها متدفقة في وعيها بعفوية وربما بقصدية، والهدف من وراء ذلك هو الرغبة في إعادة تشكيل الواقع المفكك وترميم المحيط المهشم وإنقاذه من السقوط والتدهور والشذوذ.
وقد لا يبغي الكاتب من وراء ترك الشخصية متسائلة وحائرة في واقعها مشككة في قيمها تحقيق استرضائها عن الواقع؛ بل توجيهها لمعارضته والتضاد معه والتشكيك فيه من خلال تحويل الكتابة إلى أداة للتهشيم والقمع والتطرف واللاعقلانية.
وقد يرتكن البوح بالتساؤلات وانثيالاتها تداعياً وقصدية على الحدس الذي به تتمتع الكينونة الساردة بالوعي لتتم رؤية العالم بدوغماتية، فيتوكد تحليلها له بشكل عقلاني. وقد لا يغدو انثيال الأسئلة مهما وجوهريا؛ إلا إذا تمت صياغتها أو إعادة صياغتها باتجاه بلوغ الأجوبة وهذا الأمر يظل رهنا بالمؤلف، كما يتوقف على القارئ وفقا لنظرية التلقي والاستقبال.

- ناقدة وأكاديمية عراقية



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».