ظريف زار بياريتز بدعوة من فرنسا... وواشنطن نفت علمها المسبق

تشويش هيمن على القمة... وترمب نفى توكيل ماكرون التفاوض نيابة عن الآخرين

قادة «مجموعة السبع» خلال اجتماعهم في بياريتز بفرنسا أمس (إ.ب.أ)
قادة «مجموعة السبع» خلال اجتماعهم في بياريتز بفرنسا أمس (إ.ب.أ)
TT

ظريف زار بياريتز بدعوة من فرنسا... وواشنطن نفت علمها المسبق

قادة «مجموعة السبع» خلال اجتماعهم في بياريتز بفرنسا أمس (إ.ب.أ)
قادة «مجموعة السبع» خلال اجتماعهم في بياريتز بفرنسا أمس (إ.ب.أ)

احتلّ الملف النووي الإيراني الحيز الأكبر من اهتمامات قادة «مجموعة السبع» المجتمعين في منتجع بياريتز، في قمتهم الخامسة والأربعين، وسط تداول معلومات متناقضة. وكانت آخر المفاجآت وصول وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بياريتز، عصر أمس، بدعوة من الحكومة الفرنسية وليس من «المجموعة»، وفق ما أوردته كل من الرئاسة الفرنسية ووزارة الخارجية الإيرانية. وكان الهدف من دعوة ظريف إجراء محادثات مع نظيره وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الذي التقاه يوم الجمعة الماضي بعد لقائه الرئيس ماكرون.
ونفى البيت الأبيض أن واشنطن كانت على اطّلاع مسبق على دعوة ظريف إلى بياريتز، أو أن باريس قد أبلغت الرئيس دونالد ترمب الموجود في المنتجع الفرنسي منذ أول من أمس (السبت). إلا أن هذا النفي لا يمنع التساؤل حول مدى رغبة فرنسا بأن تضع الجانب الأميركي أمام الأمر الواقع. وللتذكير، فقد سبق لطهران أن ذكرت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا الرئيس حسن روحاني للمجيء إلى بياريتز بمناسبة القمة، لكن مصادر فرنسية نفت ذلك لاحقاً.
وكان قد خيم التفاؤل بشأن الملف النووي الإيراني منذ صباح أمس، فاتحاً الباب أمام احتمال تطورات إيجابية. وردَّت أوساط المؤتمر ذلك إلى عاملين: الأول، غداء العمل المطول بين الرئيسين الأميركي والفرنسي الذي كُرّست غالبيته للملف المذكور. والثاني، العشاء الجماعي الذي ضم القادة السبعة إضافة إلى رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك.
وعقب غداء العمل، جهد ماكرون على «تسويق» مقترحاته التي بلورها بعد اجتماعه الجمعة الماضي مع ظريف وعقب اتصالاته المتكررة مع نظيره الإيراني حسن روحاني. وتخيلت المصادر الفرنسية أن ماكرون، المصرّ على وساطته وعلى تحقيق إنجاز ما في بياريتز بشأن هذا الملف، قد نجح في «تدوير الزوايا» الأميركية.
وجاء العشاء الجماعي ليعزز الانطباعات الفرنسية، بحيث ذهب الرئيس الفرنسي شخصياً إلى الإعلان، صباح أمس، أن الثمانية «اتفقوا حول ما سيقولونه لإيران، وثمة رسالة (لإيران) من قبل السبعة حول أهدافنا ولذا، فإن تشاركنا بها يبعد الانقسامات».
لمزيد من الوضوح، أكد ماكرون في حديثه للقناة الإخبارية الفرنسية «إل سي إي» ما يلي: «اتفقنا على رسالة موحَّدة وعلى قرار بالتحرك، ما يتيح التوفيق قليلاً بين المواقف»، أي الإيرانية والأميركية. وانطلاقاً من ذلك، اعتبر ماكرون أنه «يتعين أن نتوصل في الأسابيع المقبلة إلى تجنب قرارات إيرانية لا تتلاءم مع هذه الأهداف، وأن نتوصل إلى إطلاق مفاوضات جديدة». وترجم مصدر رئاسي فرنسي هذا الكلام بتأكيد أن ماكرون حصل على «تكليف (من السبع) لإجراء مناقشات مع إيران وتوجيه رسالة إليها»، مضيفاً أن قادة «مجموعة السبع» توافقوا «حول نقطتين: عدم الرغبة في حيازة إيران السلاح النووي وأنه لا أحد يرغب في زعزعة استقرار المنطقة ولا في التصعيد». ولذلك، ومن أجل «تحديد المسار الأكثر فعالية لإجراء حوار» توافق القادة على تكليف الرئيس الفرنسي القيام بالمهمة.
وكان ماكرون قد قدّم، أول من أمس (السبت)، إلى ترمب تسوية للخروج من المأزق، قوامها السماح لطهران بـ«تصدير جزء من نفطها لفترة محددة» مقابل التزامها مجدداً بعدم تخصيب اليورانيوم لحيازة السلاح النووي.
ومنذ أن وصل ترمب إلى بياريتز، حرص على إبراز توافقه مع الآخرين، وعلى نفي أي توتر بينه وبين ماكرون؛ إن كان بشأن الملف النووي أو بخصوص قرار فرنسا فرض رسوم على الشركات الرقمية الكبرى، وغالبيتها أميركية.
ومن جانبه، تناسى ماكرون وصف ترمب لقرار زيادة الرسوم بـ«الغباء»، كما رمى وراء ظهره تحذيره في تغريدة شهيرة من التحدث باسم الولايات المتحدة. لكن بعد تصريحات ماكرون الصباحية وما نقل عن المصدر الرئاسي، خرج ترمب عن هدوئه ولم يتردد في تكذيب ماكرون والمصدر الرئاسي.
وقال لصحافيين أميركيين لدى سؤاله عن هذا الموضوع: «لم أناقش ذلك. لا، لم أفعل»، مضيفاً أن ماكرون ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لديهما الحرية في الحديث مع إيران. وقال: «سنجري اتصالاتنا لكن، كما تعلمون، ليس بوسعي منع الناس من الحديث. إذا أرادوا الحديث، يمكنهم ذلك». وأثار هذا التخبط الكثير من التساؤلات حول «التشويش» الذي يسيطر على القمة، والمخاوف من أن يعود ترمب لأدائه المعتاد في القمتين السابقتين، وهو ما كان يتخوف منه المسؤولون الفرنسيون.
إزاء هذه التعقيدات، لم يكن أمام الرئيس الفرنسي الذي لبس خوذة الإطفائي إلا أن يسعى إلى «إطفاء» الجدل المستجد، مخافة أن يودي بالقمة التي اصطدمت بالانقسامات بشأن الحروب التجارية ومسائل البيئة وعودة روسيا إلى المجموعة... ولذا، لم يتردد في أن يشرح بدوره للصحافة أن «مجموعة السبع ليست سوى نادٍ غير رسمي»، أي لا يشبه أبداً الاتحاد الأوروبي أو أي منظمة إقليمية أو دولية أخرى. ولذا «ليس هناك من انتداب رسمي أعطي لهذا أو ذاك». وأضاف ماكرون أن كل بلد «سيستمر في العمل كما يريد»، وأن باريس مستمرة في أداء دورها لتجنب التصعيد بين طهران وواشنطن.
ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أن البلبلة الحاصلة مردها إلى أمرين؛ الأول أن العرض الذي نقله ماكرون إلى ترمب لم ينل موافقة الأخير رغم التوافق على الأهداف البعيدة، أي «لا لقنبلة نووية إيرانية ولا لحرب في الخليج». فما سربته باريس عن العرض كان مجتزأً وغير كافٍ ليعطي صورة متكاملة عن أبعاده وعن الأسباب التي دفعت الجانب الأميركي لاعتباره غير كافٍ.
واكتفت المعلومات الفرنسية بالإشارة إلى مطلب تخفيف القيود على الصادرات النفطية الإيرانية لمدة محددة زمنياً مقابل امتناع طهران عن تخصيب اليورانيوم. لكن باريس لم تأتِ على ذكر المطالب الأميركية الأخرى الخاصة بمصير البرنامج النووي لما بعد عام 2025، والبرنامج الصاروخي الإيراني، فضلاً عن سياسة إيران التي تصفها بـ«المزعزعة للاستقرار»، إضافة لدعمها للإرهاب.
وللتذكير، فإن هذه المطالب هي أيضاً فرنسية وجاءت على لسان الرئيس ماكرون يوم الأربعاء الماضي، في عرضه لموقف بلاده من الملف النووي، إذ جعل من البحث في موضوعي الصواريخ وسياسة إيران الإقليمية جزءاً من «الصفقة» التي يسعى إليها.
والحال أن ظريف أعلن من أمام قصر الإليزيه، يوم الجمعة الماضي، أن طهران ترفض إعادة التفاوض بشأن البرنامج النووي فيما أشار مسؤولون إيرانيون، أمس، إلى أن طهران «رفضت بشكل قاطع» أي مفاوضات بشأن قدراتها الصاروخية في إطار الاقتراح الفرنسي.
وسبق لكبار المسؤولين الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس روحاني، أن أكدوا عشرات المرات أن البرنامج الصاروخي جزء من منظومة الأمن الإقليمي، وأنه خراج النقاش. أما بشأن سياسة طهران الإقليمية، فإن إيران تنفي تدخلها أو دورها في تهديد أمن دول الجوار.
واضح أن باريس تجد نفسها اليوم أمام عقدة صعبة الحل، لأن أفكارها لا تنال رضا أي من الجانبين؛ فهي إن اقتربت من المطالب الإيرانية، فإنها تغضب واشنطن، وإذا تبنت طروحات واشنطن، فإن طهران ترفضها. ولم يتردد ترمب في التأكيد على أنه مستمر في سياسته الخاصة بشأن إيران التي ذكرت مصادرها أمس، وللمرة الأولى، أنها تطالب بتمكينها من تصدير 700 ألف برميل/ يوم من البترول على الأقل، كما أنها تريد الوصول بحرية إلى أموالها، وذلك كبادرة حسن نية من الغرب.
والحال أن «الخط» الأميركي، حتى اليوم، هو «تصفير» الصادرات النفطية الإيرانية ومنع إيران من الاستفادة من الدورة المالية العالمية. رغم الصعوبات، ومن الواضح أن باريس لم تيأس بعد وهي مستمرة في محاولاتها. وهذا التمسك بدور الوسيط يدفعها إلى استخدام «الغموض البنّاء»، وهو السبب الثاني للتشويش الذي حصل أمس، وسعى ماكرون لوضع حد له سريعاً، مخافة إغضاب ترمب والقضاء على وساطته.
وفي حديثه للقناة الإخبارية الفرنسية، أمس، كرر ماكرون أنه «علينا مواصلة الأخذ بزمام المبادرات في الأسابيع المقبلة... لضمان عدم اتخاذ إيران مزيداً من القرارات التي تتناقض مع هذا الهدف، وفي الوقت ذاته البدء في مفاوضات جديدة»، دون مزيد من التفاصيل.
فيما اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن كل فرصة يجب اغتنامها لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وقالت للصحافيين: «علينا أن نجد سبيلاً لخفض التصعيد. إذا لم يحدث... علينا أن نخشى أن تتخلى إيران عن مزيد من التزاماتها (في الاتفاق النووي)».


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة.

«الشرق الأوسط» (برست (فرنسا))
بيئة قِطع جليد عائمة في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز-أرشيفية)

القطب الشمالي يسجّل أعلى معدل حرارة سنوي بتاريخ السجلات

سجّل العام المنصرم أكثر السنوات حرارة على الإطلاق في المنطقة القطبية الشمالية، وفق تقرير صادر عن وكالة أميركية مرجعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم بحلول نهاية القرن لن يتبقى سوى 9 في المائة من الأنهار الجليدية (رويترز)

باحثون يتوقعون ذوبان آلاف الأنهر الجليدية سنوياً بحلول منتصف القرن

أظهرت دراسة حديثة أن آلاف الأنهر الجليدية ستختفي سنوياً خلال العقود المقبلة، ولن يتبقى منها سوى جزء ضئيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق درجات الحرارة المرتفعة سجلت أرقاماً قياسية (أرشيفية- رويترز)

2025 قد يكون ضمن أكثر 3 أعوام حرارة في التاريخ

أعلنت خدمة «كوبرنيكوس» لتغير المناخ -وهي وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي- أن عام 2025 يسير في اتجاه أن يصبح واحداً من أكثر 3 أعوام حرارة منذ بدء تسجيل القياسات.

«الشرق الأوسط» (برلين)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.