البحر... من مملكة للسمو إلى «مكب للنفايات»

شولتس يستعرض علاقته بالفلسفة واليوتوبيا في كتابه الجديد

لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
TT

البحر... من مملكة للسمو إلى «مكب للنفايات»

لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج

عن البحر وأفقه اللامترامي، وعوالمه الواضحة الغامضة، ومده وجزره، في جسد الكون والبشر والأشياء، يدور كتاب «فلسفة البحر» للكاتب الألماني جونتر شولتس، الذي صدرت أخيراً الترجمة العربية له عن دار «تنمية» للنشر والتوزيع بالقاهرة، ونقلها إلى العربية المترجم المصري شريف الصيفي، فيما صدرت الطبعة الأولى منه عن دار «مار» للنشر، وهي دار متخصصة في كل ما يتعلق بالبحر من مطبوعات وأفلام تسجيلية عن البحر بوصفه عالماً حيوياً وحيزاً للثقافة والاقتصاد.
انتقد المترجم في كلمته في بداية الكتاب، الذي يقع في 296 صفحة، حصر المؤلف، وهو أستاذ فلسفة متقاعد، لموضوع «البحر» داخل حدود الفلسفة الغربية فقط، لكن من وجهة نظره فإن للكتاب جاذبيته التي لا يمكن تفاديها، وأضاف المترجم في هوامش الكتاب ما تيسر من الترجمات العربية للمصادر الأوروبية التي اقتبس منها المؤلف نصوصه الفلسفية في سياق النص.
يستعرض المؤلف فكرته عبر سبعة أجزاء، يطلق عليها «محطات الزيارة السبع»، التي بدأها بتحديد خصوصية ومنطق الإنسان في النظر للبحر: «كل ما يُفكر فيه الإنسان، يقوله ويكتبه، يحدث من منظور ساكن اليابسة، فلو كان حيواناً بحرياً بخياشيم وزعانف سيرى العالم بشكل مختلف»، ويتابع في موضع آخر: «إذا أراد الإنسان معرفة ماهيته، يجب عليه قبل كل شيء معرفة: ما لا يكونه»، والتسليم بأن الإنسان يمارس المعرفة بطرق متباينة جداً، فالشاعر يفكر ويتكلم عن البحر بشكل مختلف عن عالم الكيمياء.
خرج أرسطو في القرن الرابع (ق.م) ليعلن أن طاليس المالطي هو الفيلسوف الأول الذي رأى أن العالم كله يقوم على مبدأ واحد، وهو الماء، فحسب شهادة أرسطو، فالماء بالنسبة لطاليس السبب الرئيسي في قوله إن كامل اليابسة تطفو على الماء مثل قطعة خشب أو سفينة عائمة، فضلاً عن كونه المنبع، أي الأصل الذي منه تدفق كل شيء، والذي إليه يعود ليغرق من جديد، واستمد فكرته أيضاً من فرضية أن بذور كل شيء رطبة، وأن الماء أصل طبيعة الأشياء الرطبة.
ويُبرز المؤلف على مدار الكتاب رأي طاليس بأن الماء هو أصل كل شيء، باعتباره الفيلسوف الأول في التاريخ، وأحد الحكماء السبعة لدى اليونان. ويستعين شولتس بمقطع من قصيدة غوته «الدوام في التغيير» التي تقول:
«مع كل زخة مطر
يتبدل واديك الجميل
ولا تسبح في النهر ذاته مرتين»
ويرى في هذا المقطع، تبنٍ لأفكار الفيلسوف الشهير هيراقليطس، التي كان من أشهرها أن «الإنسان لا يسبح في النهر ذاته مرتين»، ما جعل هيراقليطس هو أول مُفكر راديكالي لعملية التحول الدائم، يقول المؤلف: «وجد هيراقليطس أن أصل الأرض والسماء كان في الماء، في البحر. وتمدنا فكرته المركزية حول التحول بالتفسير التالي: كل شيء يتحول إلى ضده، البرودة تصبح سخونة، والسخونة برودة، الرطوبة تصبح جفافاً، والجفاف رطوبة».
يبحر الكتاب في التعاطي المثيولوجي لفكرة البحر، وأبرزها غرق «أطلانتيس»، كما «أسطورة الطوفان» لدى أفلاطون، تقول الأسطورة القديمة إن الإله زيوس عاقب البشر على سلوكهم الشائن من خلال كارثة الفيضان، ولم ينج منه غير ديوكاليون وزوجته فقط، لأن برومثيوس كان قد حذّر ابنه ديوكاليون في الوقت المناسب، فاستطاع بناء سفينة إنقاذ، يقول المؤلف: «يستخدم أفلاطون هذه القصة ليوضح لنا التطور الثقافي، فقد كان على الجنس البشري بعد الطوفان أن يبدأ من جديد مع كل الاختراعات والمؤسسات الاجتماعية»، ويعتبر أن عقوبة كارثة الطوفان تفتح لأفلاطون فرصة جديدة بخصوص مجتمع أفضل من الناحية الأخلاقية، فالقرب من البحر يشكل خطراً على مجتمع أفلاطون، يستند في ذلك إلى كتابات أفلاطون الفلسفية المتأخرة عن الدولة بعنوان «Nomoi» (النواميس)، التي تتضمن حواراً عن خطة لتأسيس دولة على جزيرة كريت، وفي هذا السياق يقول كراتيس، أحد المشاركين في المحاورة، إنه من الأفضل لو كانت المدينة الجديدة بعيدة قدر الإمكان عن البحر.
فوفقاً لأفلاطون، الساحل مكان محفوف بالمخاطر الأخلاقية بالنسبة إلى أي مدينة، لأن البحر من خلال مزاياه في تسهيل التجارة والحركة المالية، إلا أنه حسب أفلاطون يُقوّض الأخلاق بجعل المواطنين رجال أعمال أنانيين غير مكترثين بالنظر إلى العدالة، واعتبر ذلك انتقاداً لأثينا في عصره، وهو رأي خالفه فيه تلميذه أرسطو، الذي رأى أن الموقع الساحلي للمدن يوفر لها ميزتين، الأولى تلبية احتياجات المدينة عبر التجارة مع البلاد النائية، أما الميزة الثانية، والمناقضة لرأي أفلاطون، هي أن القرب من البحر يُكسب المدينة مزيداً من الأمان، خصوصاً في حالة امتلاكها لقوات بحرية، فتستطيع محاربة العدو في البحر، كما في البر، فتزيد إذن فرص الانتصار.
ووضع أرسطو كذلك بعض العيوب من وجهة نظره للقرب من البحر، منها اكتساب الناس لشرائع أجنبية غريبة عن عادات المدينة وأخلاقها، علاوة على النمو السكاني السريع بسبب التجارة، يقول الكتاب: «من الواضح أن مخاوف أفلاطون قد أخذها أرسطو على محمل الجد».
يسلط الكتاب الضوء على أدبيات الجزر الخيالية (اليوتوبيا) بدءاً من «أطلانتيس» لدى أفلاطون مروراً بـ«أطلانتس الجديدة» لدى فرانسيس بيكون، يقول المؤلف: «ساد توقع أن ثمة جزراً خيالية في المساحات الشاسعة من البحار، كل شيء عليها مختلف وأفضل مما في واقع الوطن، ولأن لا يوتوبيا بلا أخلاق فكانت فكرة أفلاطون أن (البحر ليس إلهياً مطلقاً، بل قبيح تماماً، لأنه يهدد الأخلاق)، ورغم أن أدباء الجزيرة الطوباويين استلهموا من أفلاطون فلسفة المجتمع الأفضل، لكن لم يتغير موقفهم من البحر، فبالنسبة لهم وفر لهم البحر فرصة لعزل مجتمعاتهم اليوتوبية التي تتمتع بالكمال عن بقية العالم غير الكامل». ويستمر علم التاريخ في تتبع أثر البحر على سلوك البشر، يقول المؤلف «من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر حلم المرء بالكثير من الجزر اليوتيوبية، ومع الزمن وضعت هذه المجتمعات اليوتيوبية في المستقبل، وكفلسفة التاريخ، اندمجت الفلسفة في صراع حول علاقات ملكية البحار الذي أصبح فيما بعد مسألة قانون البحار، لكن الأسس الفلسفية الأخلاقية ظلت حية».
ويشير الكتاب إلى تطور حثيث في مسار حوار الأخلاق واليوتوبيا، وأنه بداية من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، أصبح البحر نقطة مرجعية مهمة في سياق الحوار الجمالي للسمو، ويقول «لم يعد تلاميذ طاليس يعلنون أن الماء مبدأ العالم، أما أرسطو فلم يشارك أفلاطون في رفضه الأخلاقي للبحر. منذ بدايات القرن العشرين وصيد الأسماك يُمارس آلياً، وكذلك التوسع في بناء منصات الحفر للبحث عن البترول والموارد الطبيعة الأخرى، كما يُستخدم رمل الشواطئ لبناء المنازل، ويُستخدم البحر مكباً للنفايات، ما يستدعي وعياً ثقافياً وعقلانياً خاصاً بأخلاقيات البيئة لا يمكن تحقيقه أو تثبيته من خلال البحوث العلمية المهيمنة اليوم».
وينوه المؤلف بفلسفة التاريخ لدى هردر، الذي ذكر أن البحر الأبيض المتوسط لعب دوراً أكثر أهمية بالنسبة إلى هيجل في تاريخ العالم القديم كله، فهو مركز تاريخ العالم، يُوحد لا يفرق، فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم، مثل أثينا، روما، الإسكندرية، قرطاج، فعند هيجل يدعم البحر الحرية، وكان مفتاحه لفهم أوروبا، حيث قال: «لا يمكن لمدينة أوروبية أن تنمو إلا من خلال علاقة بالبحر، فالبحر يفصل الأرض لكنه يربط بين البشر».
ولكن، حسب الكتاب، فقد غيرت العملية الحضارية من طبيعة البحر، وضرب مثالاً لذلك بالبحر الأبيض المتوسط، الذي أصبح يشار إليه أحياناً بوصفه «طبقاً من حساء القمامة»، فالبحر المتوسط الذي كان رابط القارات، وطريق الهروب الرئيسي من أفريقيا إلى أوروبا، بينما كان الأوروبيون يتدفقون على العالم بأسره بدءاً بالقرن الخامس عشر، يحدث الآن تدفق للسكان من الاتجاه المعاكس، يقول «ربما كان الأمر الأكثر خطورة هو تغير البحر نفسه، فلم يعد البحر المتوسط أساساً ثابتاً للتاريخ البشري المتحرك في المجال الحيوي للمتوسط».
إن البحر رمز الوحدة الإنسانية، وتاريخها، وهي حسب جونتر شولتس، أفكار نبيلة وقيمة لم تتحقق ولم تصمد، إذ تقوّضت في الوقت الراهن من خلال سلوك الدول، حيث تصل موارد البحار كملكية للبعض، في حين أن تلوث البحر يطال الجميع.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.