البحر... من مملكة للسمو إلى «مكب للنفايات»

شولتس يستعرض علاقته بالفلسفة واليوتوبيا في كتابه الجديد

لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
TT

البحر... من مملكة للسمو إلى «مكب للنفايات»

لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج
لعب البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لهيغل دوراً مهماً في تاريخ العالم القديم كله فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم مثل أثينا وروما والإسكندرية وقرطاج

عن البحر وأفقه اللامترامي، وعوالمه الواضحة الغامضة، ومده وجزره، في جسد الكون والبشر والأشياء، يدور كتاب «فلسفة البحر» للكاتب الألماني جونتر شولتس، الذي صدرت أخيراً الترجمة العربية له عن دار «تنمية» للنشر والتوزيع بالقاهرة، ونقلها إلى العربية المترجم المصري شريف الصيفي، فيما صدرت الطبعة الأولى منه عن دار «مار» للنشر، وهي دار متخصصة في كل ما يتعلق بالبحر من مطبوعات وأفلام تسجيلية عن البحر بوصفه عالماً حيوياً وحيزاً للثقافة والاقتصاد.
انتقد المترجم في كلمته في بداية الكتاب، الذي يقع في 296 صفحة، حصر المؤلف، وهو أستاذ فلسفة متقاعد، لموضوع «البحر» داخل حدود الفلسفة الغربية فقط، لكن من وجهة نظره فإن للكتاب جاذبيته التي لا يمكن تفاديها، وأضاف المترجم في هوامش الكتاب ما تيسر من الترجمات العربية للمصادر الأوروبية التي اقتبس منها المؤلف نصوصه الفلسفية في سياق النص.
يستعرض المؤلف فكرته عبر سبعة أجزاء، يطلق عليها «محطات الزيارة السبع»، التي بدأها بتحديد خصوصية ومنطق الإنسان في النظر للبحر: «كل ما يُفكر فيه الإنسان، يقوله ويكتبه، يحدث من منظور ساكن اليابسة، فلو كان حيواناً بحرياً بخياشيم وزعانف سيرى العالم بشكل مختلف»، ويتابع في موضع آخر: «إذا أراد الإنسان معرفة ماهيته، يجب عليه قبل كل شيء معرفة: ما لا يكونه»، والتسليم بأن الإنسان يمارس المعرفة بطرق متباينة جداً، فالشاعر يفكر ويتكلم عن البحر بشكل مختلف عن عالم الكيمياء.
خرج أرسطو في القرن الرابع (ق.م) ليعلن أن طاليس المالطي هو الفيلسوف الأول الذي رأى أن العالم كله يقوم على مبدأ واحد، وهو الماء، فحسب شهادة أرسطو، فالماء بالنسبة لطاليس السبب الرئيسي في قوله إن كامل اليابسة تطفو على الماء مثل قطعة خشب أو سفينة عائمة، فضلاً عن كونه المنبع، أي الأصل الذي منه تدفق كل شيء، والذي إليه يعود ليغرق من جديد، واستمد فكرته أيضاً من فرضية أن بذور كل شيء رطبة، وأن الماء أصل طبيعة الأشياء الرطبة.
ويُبرز المؤلف على مدار الكتاب رأي طاليس بأن الماء هو أصل كل شيء، باعتباره الفيلسوف الأول في التاريخ، وأحد الحكماء السبعة لدى اليونان. ويستعين شولتس بمقطع من قصيدة غوته «الدوام في التغيير» التي تقول:
«مع كل زخة مطر
يتبدل واديك الجميل
ولا تسبح في النهر ذاته مرتين»
ويرى في هذا المقطع، تبنٍ لأفكار الفيلسوف الشهير هيراقليطس، التي كان من أشهرها أن «الإنسان لا يسبح في النهر ذاته مرتين»، ما جعل هيراقليطس هو أول مُفكر راديكالي لعملية التحول الدائم، يقول المؤلف: «وجد هيراقليطس أن أصل الأرض والسماء كان في الماء، في البحر. وتمدنا فكرته المركزية حول التحول بالتفسير التالي: كل شيء يتحول إلى ضده، البرودة تصبح سخونة، والسخونة برودة، الرطوبة تصبح جفافاً، والجفاف رطوبة».
يبحر الكتاب في التعاطي المثيولوجي لفكرة البحر، وأبرزها غرق «أطلانتيس»، كما «أسطورة الطوفان» لدى أفلاطون، تقول الأسطورة القديمة إن الإله زيوس عاقب البشر على سلوكهم الشائن من خلال كارثة الفيضان، ولم ينج منه غير ديوكاليون وزوجته فقط، لأن برومثيوس كان قد حذّر ابنه ديوكاليون في الوقت المناسب، فاستطاع بناء سفينة إنقاذ، يقول المؤلف: «يستخدم أفلاطون هذه القصة ليوضح لنا التطور الثقافي، فقد كان على الجنس البشري بعد الطوفان أن يبدأ من جديد مع كل الاختراعات والمؤسسات الاجتماعية»، ويعتبر أن عقوبة كارثة الطوفان تفتح لأفلاطون فرصة جديدة بخصوص مجتمع أفضل من الناحية الأخلاقية، فالقرب من البحر يشكل خطراً على مجتمع أفلاطون، يستند في ذلك إلى كتابات أفلاطون الفلسفية المتأخرة عن الدولة بعنوان «Nomoi» (النواميس)، التي تتضمن حواراً عن خطة لتأسيس دولة على جزيرة كريت، وفي هذا السياق يقول كراتيس، أحد المشاركين في المحاورة، إنه من الأفضل لو كانت المدينة الجديدة بعيدة قدر الإمكان عن البحر.
فوفقاً لأفلاطون، الساحل مكان محفوف بالمخاطر الأخلاقية بالنسبة إلى أي مدينة، لأن البحر من خلال مزاياه في تسهيل التجارة والحركة المالية، إلا أنه حسب أفلاطون يُقوّض الأخلاق بجعل المواطنين رجال أعمال أنانيين غير مكترثين بالنظر إلى العدالة، واعتبر ذلك انتقاداً لأثينا في عصره، وهو رأي خالفه فيه تلميذه أرسطو، الذي رأى أن الموقع الساحلي للمدن يوفر لها ميزتين، الأولى تلبية احتياجات المدينة عبر التجارة مع البلاد النائية، أما الميزة الثانية، والمناقضة لرأي أفلاطون، هي أن القرب من البحر يُكسب المدينة مزيداً من الأمان، خصوصاً في حالة امتلاكها لقوات بحرية، فتستطيع محاربة العدو في البحر، كما في البر، فتزيد إذن فرص الانتصار.
ووضع أرسطو كذلك بعض العيوب من وجهة نظره للقرب من البحر، منها اكتساب الناس لشرائع أجنبية غريبة عن عادات المدينة وأخلاقها، علاوة على النمو السكاني السريع بسبب التجارة، يقول الكتاب: «من الواضح أن مخاوف أفلاطون قد أخذها أرسطو على محمل الجد».
يسلط الكتاب الضوء على أدبيات الجزر الخيالية (اليوتوبيا) بدءاً من «أطلانتيس» لدى أفلاطون مروراً بـ«أطلانتس الجديدة» لدى فرانسيس بيكون، يقول المؤلف: «ساد توقع أن ثمة جزراً خيالية في المساحات الشاسعة من البحار، كل شيء عليها مختلف وأفضل مما في واقع الوطن، ولأن لا يوتوبيا بلا أخلاق فكانت فكرة أفلاطون أن (البحر ليس إلهياً مطلقاً، بل قبيح تماماً، لأنه يهدد الأخلاق)، ورغم أن أدباء الجزيرة الطوباويين استلهموا من أفلاطون فلسفة المجتمع الأفضل، لكن لم يتغير موقفهم من البحر، فبالنسبة لهم وفر لهم البحر فرصة لعزل مجتمعاتهم اليوتوبية التي تتمتع بالكمال عن بقية العالم غير الكامل». ويستمر علم التاريخ في تتبع أثر البحر على سلوك البشر، يقول المؤلف «من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر حلم المرء بالكثير من الجزر اليوتيوبية، ومع الزمن وضعت هذه المجتمعات اليوتيوبية في المستقبل، وكفلسفة التاريخ، اندمجت الفلسفة في صراع حول علاقات ملكية البحار الذي أصبح فيما بعد مسألة قانون البحار، لكن الأسس الفلسفية الأخلاقية ظلت حية».
ويشير الكتاب إلى تطور حثيث في مسار حوار الأخلاق واليوتوبيا، وأنه بداية من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، أصبح البحر نقطة مرجعية مهمة في سياق الحوار الجمالي للسمو، ويقول «لم يعد تلاميذ طاليس يعلنون أن الماء مبدأ العالم، أما أرسطو فلم يشارك أفلاطون في رفضه الأخلاقي للبحر. منذ بدايات القرن العشرين وصيد الأسماك يُمارس آلياً، وكذلك التوسع في بناء منصات الحفر للبحث عن البترول والموارد الطبيعة الأخرى، كما يُستخدم رمل الشواطئ لبناء المنازل، ويُستخدم البحر مكباً للنفايات، ما يستدعي وعياً ثقافياً وعقلانياً خاصاً بأخلاقيات البيئة لا يمكن تحقيقه أو تثبيته من خلال البحوث العلمية المهيمنة اليوم».
وينوه المؤلف بفلسفة التاريخ لدى هردر، الذي ذكر أن البحر الأبيض المتوسط لعب دوراً أكثر أهمية بالنسبة إلى هيجل في تاريخ العالم القديم كله، فهو مركز تاريخ العالم، يُوحد لا يفرق، فحوله تقع المراكز الثقافية ذات الأثر الأكبر في العالم، مثل أثينا، روما، الإسكندرية، قرطاج، فعند هيجل يدعم البحر الحرية، وكان مفتاحه لفهم أوروبا، حيث قال: «لا يمكن لمدينة أوروبية أن تنمو إلا من خلال علاقة بالبحر، فالبحر يفصل الأرض لكنه يربط بين البشر».
ولكن، حسب الكتاب، فقد غيرت العملية الحضارية من طبيعة البحر، وضرب مثالاً لذلك بالبحر الأبيض المتوسط، الذي أصبح يشار إليه أحياناً بوصفه «طبقاً من حساء القمامة»، فالبحر المتوسط الذي كان رابط القارات، وطريق الهروب الرئيسي من أفريقيا إلى أوروبا، بينما كان الأوروبيون يتدفقون على العالم بأسره بدءاً بالقرن الخامس عشر، يحدث الآن تدفق للسكان من الاتجاه المعاكس، يقول «ربما كان الأمر الأكثر خطورة هو تغير البحر نفسه، فلم يعد البحر المتوسط أساساً ثابتاً للتاريخ البشري المتحرك في المجال الحيوي للمتوسط».
إن البحر رمز الوحدة الإنسانية، وتاريخها، وهي حسب جونتر شولتس، أفكار نبيلة وقيمة لم تتحقق ولم تصمد، إذ تقوّضت في الوقت الراهن من خلال سلوك الدول، حيث تصل موارد البحار كملكية للبعض، في حين أن تلوث البحر يطال الجميع.



«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون
TT

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

في ديوانه الجديد «الوحوش دخلت البيت»، يبحث الشاعر المصري كريم عبد السلام عن مسار جديد لقصيدة النثر، يختلف عن المسار الذي سار فيه أبناء جيله من شعراء التسعينيات، الذين استغرقتهم مقولات اليومي والمعيش، والانغماس في الذات وهمومها الشخصية، والالتصاق بالجسد، حتى صارت هذه الموضوعات أقرب إلى وصفة جاهزة لكتابة قصيدة النثر، التي تأبى بطبيعتها الانحباس في قالب ثابت، ما أفقدها بحكم هذا التكرار وهذه الوصفة كثيراً من طزاجتها وتمردها. كما يخاصم كريم في هذا الديوان وصفة سوزان برنار في كتابها الذي شاع بين أبناء جيله أيضاً، حتى اتخذه معظمهم مرجعاً جمالياً وحيداً لهذه القصيدة، خاصة فيما يتعلق بطروحات الناقدة الفرنسية عن الكثافة والمجانية.

الديوان صادر عن دار «يسطرون» في القاهرة، وهو الثاني في تجربة يطلق عليها الشاعر عنوان «بالادات»، و«البالاد» فن شعبي أوروبي، يمزج بين الحكاية الشعبية والشعر والرقص والموسيقى، لينتج الـ«بالاد» من جماع هذه الفنون. من هنا، يتكئ الديوان في كل قصائده تقريباً على أنماط شتى من الفنون الشعبية، المحلية والعالمية، فضلاً عن اتكائه على عوالم الأساطير والخرافة، وإفادته من التاريخ، كما يفيد كثيراً من تقنيات السرد، ومن إمكانات فن السينما والسيناريو، وكذا الفنون التشكيلية، دامجاً كل هذه الروافد في عجينة واحدة، هي القصيدة، التي تأتي حاملة مدلولاً سياسياً أو فلسفياً أو حضارياً، وليست مجانية أو ذاتية، ولا تنكفئ على الجسد، بل إنها تعيد الاعتبار للقضايا الكبرى، كما تعيد للشاعر - وكذا قصيدته - مكانته بوصفه صاحب موقف من الوجود والعالم والتاريخ، وليس محض مشاهد عاجز، منكفئ على ذاته، ولا عدمياً غير مبالٍ بالعالم من حوله. عنوان «الوحوش دخلت البيت»، بوصفه العتبة الأولية لقراءة الديوان، وهو في الوقت نفسه عنوان قصيدة رئيسية فيه، يبدو حاملاً المفاتيح الدلالية لقصائد المتن، إذ تحيل مفردة «الوحوش» إلى عوالم الغابات والقتل والحيوانات المفترسة، تلك العوالم القديمة، حين كان الإنسان الأول يسكن الغابات والكهوف، حيث لا قوانين حاكمة سوى قانون الغابة والقوة والتوحش.

أما مفردة البيت، فتحيل إلى دلالات الحضارة والسكن والفردانية والهدوء، وبينهما يأتي الفعل «تدخل»، لكن الفعل هنا لا يشير إلى الاستضافة، بل إلى الاقتحام والانتهاك، فالوحوش الآتية من عوالم الغابة، تقتحم عالم البيت بحمولاته الحضارية، ورغم أن البيت يحافظ على سمته من حيث الشكل الخارجي، فإنه يصبح مسكوناً بالوحشية والافتراس وقوانينهما الغاشمة، المبنية على شريعة القوة والبطش والالتهام. هذه هي الحمولات الدلالية التي ينبئ بها عنوان الديوان، وتتأكد مع كل قصيدة فيه، ليكون بمثابة إدانة للحضارة الإنسانية الراهنة، التي تبدو برَّاقة من الخارج، لكنها في بنيتها العميقة لا تختلف كثيراً عن قوانين الغابة القديمة، التي لا تزال تسكن تحت جلد الإنسان المعاصر، وتدفعه للحرب والقنص والقتل، مثل سلفه الإنسان البدائي، بل ربما يبدو هذا الأخير أكثر وضوحاً، فهو لا يدعي الحضارة والتمدن مثل إنسان العصر الراهن. يقول في هذه القصيدة:

«الوحوش عادت من العمل

ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية

وتناولت العشاء مع العائلة

ثم جلست أمام التليفزيون.

عشر دقائق

عشرون

جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة

والنهر قسّم الصالة نصفين

وبدأت التماسيح تطل برؤوسها على الضفتين

في انتظار الفرائس العطشانة»

يبدو دخول الوحوش للبيت دخولاً رهيفاً، لكنه أقرب إلى التسلل، ثم سرعان ما تتمدد الوحوش وعالمها داخل البيت وعالمه، تحتله، تحت سمع وبصر الذات الشاعرة التي تكتفي في البداية بموقف المراقب، لكنه في النهاية يجد عالمه قد تغير تماماً، حتى يكتسحه هو قانون الغاب، وتنتهي القصيدة وقد أصبحت البدائية مهيمنة على عالم البيت، وعلى الذات الشاعرة، التي تتحول هي الأخرى، ويعود إلى عوالم الكهف:

«ها أنا نائم في مخبئي أحلم بالغد ورحيق أنثى الهومو،

والليل يأتي بها مع سلة من الفاكهة ولحم الغزال والأسماك

المرأة تخمش جدران المخبأ، وتئن بصوت يخشى النجوم والوحوش الصيادة

ذات العيون الصفراء

المرأة في وكري إلى الأبد...

وعلي أن أخرج للقتل

وانتزاع الطعام»

في قصيدة «الزار من أجل الشريفة... الهواء تسلل وقبّل الباب المقدس»، يفيد الشاعر كثيراً من تقنيات السينما، وحركة الكاميرا، وتصوير الأجواء المحيطة بالحدث، فتبدو الذات الشاعرة مثل كاميرا تتجول وتسجل تفاصيل المكان والحالة، ثم سرعان ما تنتقل إلى سرد الحكاية، معتمدة على السرد البصري، وعلى موسيقى أقرب إلى موسيقى تصويرية، مع الإفادة الواضحة والتداخل مع فن «الزار»، وهو فن شعبي يعتمد كثيراً على خرافة إخراج الجن من الجسد، فيوظف إيقاعات موسيقى الزار، وما يقال فيه من توسُّلات بالصالحين لإخراج الجن العاشق، مع تناصٍ واضح بين حكاية الشريفة التي حملت من الهواء، دون أن يمسسها بشر، مع حكاية مريم العذراء في التراث الديني، ومع كثير من الحكايات المماثلة في الحكي الشعبي، يقول:

«الشباك كان مفتوحاً على الصيف

والشريفة تحلم

والقمر بدر

والنجوم شاهدة

الهواء تسلل من الشباك،

على صورة الغائب

والشريفة تحلم

قبل الباب المقدس

والشريفة تحلم

وتمادى..

والشريفة تحلم»

ينشغل الديوان كثيراً بشعرنة الحكايات الشعبية والتاريخ، بل شعرنة مفاهيم مجردة، مثل الموت، الذي يؤنسنه، ويخاطبه ويجادله، في قصيدة «المراقبون.. والموت المحترم»، وكذا شعرنة الزمن، الذي يصوره بشكل سوريالي ساخر في قصيدة «الزمن يشرب القهوة مع الشيشة»، فيجسده ويؤنسنه، لكن كإنسان كلي المعرفة، يجلس على المقهى ليخطط لمسيرة ومستقبل البشرية في ألف عام مقبلة، مع كثير من الشعور بالملل، فما سيحدث في الألفية المقبلة لا يختلف كثيراً عن الألفية المنقضية، ربما تختلف الأطراف ويتبدل الفاعلون، لكنها نفس المآسي والفواجع، من انقلابات وحروب وصراعات مسلحة على السلطة وأوبئة وأمراض وزلازل وبراكين، فالبشرية تعيد إنتاج نفسها، وكلما تقدمت قليلاً تنتكس، وتنقلب على ذاتها، لتعيد إنتاج عجلة الحضارة، التي تنطوي في عمقها على أسباب تفككها وسقوطها، مع إعادة إنتاج الجنون ذاته، والحماقة نفسها، يقول على لسان الزمن:

«من أجل تحقيق التارجت

لا بد من مختلين

من أجل توريد عدد القتلى المطلوب

لا بد من زعماء مجانين

كهنة مجانين

صيارفة مجانين

كتبة مجانين

خطوط إنتاج للمجانين

الثورة الصناعية للجنون».

وتتبدى شعرنة التاريخ في إعادة إنتاج وتشكيل قصص تراثية شهيرة، مثل صراع قبيلتي «طسم» و«جديس»، وأبطالها: عفيرة، والعمليق، والأسود بن عفار. قصة الظلم والإغارة والسبي، التي تبدو بعيدة للغاية زمنياً وحضارياً، لكنها تعاد في كل لحظة في أماكن متفرقة من العالم الآن، لكن بأبطال مختلفين. كما ينزع الشاعر إلى إعادة شعرنة قصة «إيزادورا»، الفتاة المصرية رائعة الجمال، التي عاشت في القرن الثاني قبل الميلاد في عصر الإمبراطور هادريان، وراحت ضحية حبها للشاب «حابي» أحد عامة الشعب، وانتحرت بإلقاء نفسها في النيل، بعد رفض والدها الثري حبها لأحد العوام، وصارت نموذجاً يعاد إنتاجه بشكل دائم في كثير من قصص الحب التي تنتهي نهايات مأساوية، بدافع من تقسيمات طبقية.

.


النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.