تواطؤ النقد مع الإبداع يساوي خطر تواطؤ الإبداع مع النقد

TT

تواطؤ النقد مع الإبداع يساوي خطر تواطؤ الإبداع مع النقد

الأجناس الأدبية قضية من قضايا النقد الأدبي تتم فيها عملية تقعيد قوالب الكتابة الأدبية في شكل نظريات تقنن الأسس الإبداعية، وتقترح أساسات الإنشاء والبناء، راسمة آفاقاً معرفية لكيفيات التنويع الكتابي ومقبوليات أنماطه، التي لا تخالف الأساسات النظرية المقعِّدة للأجناس، وإنما تبني عليها.
وقد احتلَّت قضية التجنيس الأدبي مكانة مهمة في نظريات الأدب على اختلاف تسمياتها وتاريخ تطورها وتنوع توجهاتها وتغاير أسسها وقوانينها، وما ذلك إلا لتوسط هذه القضية بين ممارستين، الممارسة الإبداعية التي أهم سماتها التحرر فنياً وموضوعياً، وعكسها الممارسة النقدية التي لا مكان فيها للتحرر الذي صادرته مواضعات الفكر واشتراطات المنطق.
وما بين التحرر وعدمه تتجلى إشكالية التجنيس الأدبي، بوصف التجنيس عملاً تصنيفياً ووصفياً، به يوسم عمل إبداعي ما بوسم معين، ليندرج بعدها في فئة تشاكله كتابياً وتتوافق معه قرائياً. ولا مجال لأن يمتلك ذاك الوسم وهذا الاندراج الشرعية، إلا إذا كان بين الناقد ومنتج النص ميثاق أو اتفاق يأتلف بموجبه النقد مع المنتج الإبداعي وعندذاك سيصحّ التجنيس، بينما يُقطع الطريق أمام محاولة الخروج عليه، لأنَّ هدف الخروج على التجنيس هو التجديد، فإذا أقرَّ النقد بالتجنيس في كتابة أدبية ما، انتفت سمة التجديد وصار للكتابة قالب محدد ومتواضع عليه مسبقا نظرياً وإجرائياً.
ولا تجنيس من دون وفرة الكتابة الإبداعية فيه، كما أنه لا نوع إبداعيا وافر الإنتاج من دون تجنيس، وهذه وظيفة النقد الذي به يصبح الأدب مكتملاً. والأدب تحرره المخيلة، بيد أن النقد يرتبط بالعلمية. وبهذا يستحيل على الأدب أن يستغني عن النقد، مثلما يتعذر على النقد أن يكون منطلِقاً من المخيلة.
وتتجلى هذه الجدلية الإبداعية أكثر إذا كنا بصدد تصنيف النصوص وفرزها، محاولين جعل كل صنف منها في قالب أو خانة لها مواصفاتها النوعية والكمية وأسسها الداخلية والخارجية التي تصنّف وتبوّب على وفق آلية «التجنيس».
ولقد بتنا في الآونة الأخيرة نشهد توانياً معرفياً عند بعض الدارسين عن فهم متغيرات النظرية الأدبية، وإدراك عمق التطورات المهمة والمتلاحقة التي تطرأ عليها، أو الإلمام بحيثياتها المتنوعة ومديات الجدل النظري الدائر حول الثلاثية المفاهيمية (الإبداع، الأدب، النقد)، الأمر الذي أوقع كثيرين في إشكالية لا مفر منها، وهي تواطؤ النقد مع الإبداع، الذي هو في خطره يساوي خطر تواطؤ الإبداع مع النقد.
ولا شك أنّ في التواطؤ استهانة بعملية التجنيس، كونه يجعلها متاحة بلا ضوابط ولا محددات، ومعروف أن النقد تجاوز منذ زمن بعيد منطقة المواضعة الكتابية التي فيها الكتابة النقدية تتلاقى بالكتابة الأدبية، وغادرها إلى منطقة المنهجيات والرؤى المستنيرة بالعلم وحيثياته، المستندة إلى خلفيات معرفية مختلفة ومتباينة. ومن غير اليسير استيعاب دقائق هذه المنهجيات نظراً وإجراءً من دون دراسة وبحث متخصصين.
ولا شك أن المنهجيات النقدية هي التي نقلت الممارسة النقدية نقلة نوعية، فصار العلم والمنطق والفلسفة أركاناً لا غنى للناقد عنها، بل أثافٍ عليها تستقر خطواته وترسخ. ولا طائل أمام أي ناقد أدبي لتجاوزها أو القفز عليها.
والاختمار أو النضج شرط من شروط القطع بالأجناسية في أي كتابة أدبية، من منطلق أن التاريخ يلعب دورا مهما في التوشح بالرسوخ والصلادة التي على أساسها يتموضع الجنس بوصفه حاضناً في قالب يتسع لأن تُصب فيه مختلف أنواع الكتابة الإبداعية.
ولا ثبات لنظرية إلا بظهور نظرية تكملها أو تضادها. وفي كلا الحالين يكون التعقيد مثار تغيير وتبديل مستمرين، وهكذا نشأت إشكاليتان: الإشكالية الأولى تتعلق بالعملية الإبداعية نفسها، متجسدة في حريتها وتميزها، حيث لا مجال لتقييد الإنشاء فيها بقالب أو نموذج أو بنيان. والإشكالية الثانية تتعلق بالعملية النقدية التي لا ثبات فيها عند نظرية معينة، ولا انتهاء عند معطيات بعينها، تتوجه بهما مقولبة الإبداع على وفقها، ومكيفة إنتاجه إجراء أو تمثيلاً لصالح توجهاتها.
والمتحصل عليه من هاتين الإشكاليتين أنَّ الأجناس نهائية حين ترتكن إلى النقد، ولا نهائية حين تستند إلى الإبداع. وما بين النهائية واللانهائية نقع في إشكالية ثالثة تتمثل في المديات التي يُسمح فيها لجنس أدبي يضمُّ بعضاً من الأشكال والأنماط تحته، أن يكون قادراً على العبور إلى جنس آخر، مجسِّرا المسافة بينهما وإن لم تكن بينه وبين ذاك الجنس أي قرابة تؤهله لأن يتضايف معه تهجيناً ومزاوجة واندماجاً.
إن هذا الإشكال المعرفي الدائر حول نظرية الأجناس هو الذي يحتّم الوقوف عند معضلات التفرد ومآزق التضايف إزاء مفاهيم «الجنس، النوع، النمط، الصيغة، الشكل»، الأمر الذي يحتاج إلى تأطير الإشكال الأجناسي بالرؤى والتصورات بغية إعادة النظر في عملية التقعيد بطريقة معرفية تجعلنا نقف على طبيعة الحدود التقريبية التي تلف كل جنس داخلها، ومدى الإمكانيات التي يتمتع بها كل حدٍّ في السماح لحد آخر أن يخترقه كابحاً مقاومته أمام عبور حدود أخرى إليه من جنس يخالفه، أو نوع منبثق عنه.
والمبتغى المراد بلوغه هو إدراك الفائدة في هشاشة حد أو أكثر من أجل استقبال الوافد الأجناسي أو النوعي، وأهمية المرونة في خدمة عملية التجسير بين حدودهما، وبما يمنح الحد الواحد قابلية التعدي على حد آخر بعيد عنه أو قريب منه، ومن ثم التلاقي معه، والذي به تتحقق انسيابية الانسلال إلى الحدود الأخرى، باتجاه توليفة أجناسية لا يبان فيها للحدود أي أطر أو قيود أو بؤر، مع بقاء احتمال حصول العكس متوقعاً، تبعا لحقيقة ما يحويه الحدّ الواحد من الكوابح والمضادات التي معها يظل كل جنس محتفظاً باختلافه عن غيره، مطمئناً إلى صحة أداء كل حدٍّ من حدوده لمتطلبات الاستقلال والتفرد.
ولعل هذا الاستنتاج سيلغي مفهوم الحد بكل تمفصلاته التجنيسية، لنتيقن من أن التداخل الأجناسي والتضايف النوعي والاندماج الشكلي والتعاين النمطي والتقارب الصيغي، أمر واقع لا محالة، وحقيقة ناجزة ليس لدحضها أو التحايل عليها أساس من منطق.
وما بين الولادة الشرعية لجنس عابر لم تعد المحصلات النظرية تسمح بولادة غيره، والتفريع والتوليد لأنواع تنضوي هجينة بين جنسين أو أكثر، يتأتى تتبعنا لمسألة التجنيس بوصفها قضية عبور نظري، هي بمثابة إشكالية على مستوى النقد الراهن، بينما هي طبيعية ومعتادة على مستوى الكتابة الإبداعية التي تكفلها حرية المبدع في الكتابة. وهذه الحرية التي لا تعرف التحدد في قوالب ولا الالتزام بسمات، لم يعد أمر تقبلها والتعامل معها كما كان في مرحلة النقد الكلاسيكي الأرسطي.
والخلاف بين النظريات لن يضع أوزاره يوما؛ فناقد يقر بأن لا جنس له القابلية على التجاوز عابراً إلى جنس آخر بدعوى قطعية الحدود وشائكية أسلاكها التي لا تسمح لأي عابر أن يمر من خلالها، ومن ذلك مثلاً أن المسرح نوع من أنواع الشعر الذي هو أقدر من النثر على تجسيد الصراع الدرامي، وناقد ثانٍ مقتنع بأن ليس من حدٍّ له القابلية على الصمود أمام الانتهاك والاختراق الإبداعيين لتنشأ أجناس جديدة، ومن ذلك القول إن القصة القصيرة جداً جنس أدبي مستقل، ثم يأتي ناقد ثالث لينفي نظرية النوع بالتمام والكمال، قائلاً إنّ الأجناس متداخلة مبدأً ومنتهى وأن لا جنس إلا وهو منضوٍ في صلب جنس ثانٍ قريب منه أو بعيد، كالقول مثلاً إن الرواية التاريخية أو القصيدة الدرامية أو الميتارواية أجناس لوحدها.
إنَّ فك الاشتباك حول هذه التصورات النظرية والادعاءات اللانظرية التي تنقسم فيما بينها حول جدوى الخوض وأهمية التعامل معها في نقدنا العربي المعاصر والراهن ينبغي أن يكون هو مطلبنا ومقصد عملنا، واضعين نصب أعيننا ما قدّمه النقد الغربي من معطيات تعيننا على فهم لب القضية وما حولها وقبل ذلك الوقوف على أسس الاشتباك فيها.
- أكاديمية وناقدة عراقية



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».