الناقلة الإيرانية تغادر جبل طارق إلى وجهة مجهولة... وطهران تحذّر واشنطن

أرسلت إشارة إلى توجهها إلى ميناء يوناني غير مؤهل لاستقبالها... والناقلة البريطانية تنتظر قراراً قضائياً إيرانياً

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمر صحافي مع نظيره الفنلندي بيكا هافيستو عقب مباحثات في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمر صحافي مع نظيره الفنلندي بيكا هافيستو عقب مباحثات في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
TT

الناقلة الإيرانية تغادر جبل طارق إلى وجهة مجهولة... وطهران تحذّر واشنطن

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمر صحافي مع نظيره الفنلندي بيكا هافيستو عقب مباحثات في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمر صحافي مع نظيره الفنلندي بيكا هافيستو عقب مباحثات في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)

وسط غموض حول الوجهة النهائية، هرعت ناقلة نفط إيرانية إلى عمق البحر المتوسط مبتعدة عن مياه جبل طارق باتجاه مصير مجهول قبل أن تكشف مؤسسات ملاحية أنها أرسلت إشارة عن توجهها إلى ميناء يوناني غير مؤهل لاستقبالها، وسلمت طهران رسالة إلى السفارة السويسرية في طهران تحذر من «عواقب وخيمة» لأي خطوة أميركية لاحتجاز الناقلة، في حين رهنت الخارجية الإيرانية إطلاق سفينة بريطانية محتجزة لدى «الحرس الثوري» في مضيق هرمز بقرار من القضاء الإيراني.
وغادرت ناقلة النفط الإيرانية «أدريان داريا 1» مياه جبل طارق في منتصف الليل إلى اتجاه غير معلن، وذلك بعد ساعات من رفع العلم الإيراني وإزالة الاسم السابق اسم غريس بعدما حذفتها بنما من سجلاتها يوم 29 مايو (أيار)، غير أن بيانات تتبع سفن من شركة رفينيتيف أظهرت لاحقاً أن الناقلة التي محملة بالكامل وتنقل نحو مليوني برميل من النفط. وقُدرت قيمة الشحنة بعشرات الملايين من الدولارات، تتجه إلى كالاماتا في اليونان، بحسب تقرير لوكالة «رويترز».
وفي السياق نفسه، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن موقع «مارين ترافيك» المتخصّص في تعقّب حركة السفن، بأن الناقلة «أدريان داريا» أبحرت ليل الأحد إلى مرفأ كالاماتا اليوناني، وسط غموض حول الوجهة النهائية للناقلة.
وإذا دخلت الناقلة المياه الإقليمية لليونان فسيكون هذا على الأرجح أول تحدٍ كبير في السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الجديد كيرياكوس ميتسوتاكيس منذ تولى السلطة في يوليو (تموز).
وقال متحدث باسم خفر السواحل اليوناني، إنه لا توجد معلومات رسمية لدى خفر السواحل تفيد بأن الناقلة متجهة إلى كالاماتا وإنه يتابع الأمر.
وأفادت وكالة «بلومبرغ» عن مسؤول ميناء كالاماتا، جيانولا نيكولاوس بأن الناقلة لن تتمكن من دخول الميناء، وذلك رغم أنها تعطي إشارة بأنها متوجهة إليه، مشيراً إلى أن الميناء «لا يمكنه التعامل مع سفن ذات غاطس يتجاوز ثمانية أمتار (26 قدماً)»، ويصل غاطس «أدريان داريا 1» يصل إلى نحو 22 متراً. والغاطس هو مقياس عمق السفينة عندما تكون بكامل حمولتها.
وأضاف المسؤول اليوناني، أن السفن التي يتجاوز طولها 120 متراً لا تدخل الميناء أيضاً. ويتجاوز طول «أدريان داريا 1» 330 متراً.
وبحسب الوكالة، فإن الميناء متخصص بصورة كبيرة في استقبال القوارب الشراعية والسفن السياحية.
واحتجز مشاة البحرية الملكية البريطانية الناقلة قرب جبل طارق في الرابع من يوليو، للاشتباه بنقلها النفط إلى سوريا في انتهاك لعقوبات الاتحاد الأوروبي؛ ما أدى إلى أسابيع من التأزم بين طهران والغرب. وأدى أيضاً إلى تصعيد التوترات في الممرات الدولية لشحن النفط عبر الخليج.
واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني الناقلة ستينا إمبيرو التي تحمل علم بريطانيا في 19 يوليو في مضيق هرمز بزعم انتهاكها قواعد الملاحة. وجاء ذلك بعد أسبوعين من احتجاز الناقلة «غريس 1»، وبعد ساعات قليلة من خطاب للمرشد الإيراني علي خامنئي يتوعد بريطانيا برد مماثل.
وأصبحت الناقلتان ورقتي ضغط في خضم أزمة أكبر تشمل عداءات أوسع نطاقاً منذ انسحبت واشنطن العام الماضي من اتفاق عالمي لكبح جماح برنامج إيران النووي، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية على طهران بسبب تطويرها صواريخ باليستية إضافة إلى دورها الإقليمي،.
وفي قرارها الإفراج عن الناقلة، أكدت حكومة جبل طارق أنها تلقت ضمانات خطية من إيران بأن السفينة لن تتوجه إلى دول «خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي». لكن إيران نفت إعطاء أي تعهدات بشأن وجهة الناقلة لقاء الإفراج عنها.
وفي مؤتمر صحافي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية عباس موسوي، إن طهران تنتظر قراراً من محكمة بشأن اتهام الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» بانتهاك قواعد الملاحة، وعبّر عن أمله في إتمام الإجراءات في أسرع وقت ممكن.
وقال موسوي «لا علاقة على الإطلاق بين هاتين الناقلتين»، موضحاً أن الناقلة البريطانية «قامت بخرق القواعد البحرية مرتين أو ثلاث»، في إشارة إلى الناقلة «ستينا إيمبيرو» التي ترفع العلم البريطاني وتحتجزها إيران في ميناء بندر عباس. وتابع أن «المحكمة تنظر في الأمر، ونأمل أن يكتمل (التحقيق) في أقرب وقت ممكن، وأن يصدر حكم».
من جهته، قال رئيس القضاء الإيراني إبراهيم رئيسي إن إطلاق الناقلة الإيرانية «ليس كافياً»، مطالباً الحكومة البريطانية بدفع تعويضات عبر متابعة قضائية «لكي تكون عبرة لمن يتخذون إجراءات، خلافاً للقواعد الدولية»، بحسب ما نقلت وكالة «إيسنا» الحكومية.
ورفعت حكومة منطقة جبل طارق التابعة لبريطانيا، أمر احتجاز الناقلة الخميس، لكن محكمة اتحادية في واشنطن أصدرت الجمعة أمراً باحتجاز الناقلة والنفط الذي تنقله وقرابة مليون دولار بدعوى أن هناك صلات تربطها بـ«الحرس الثوري» الإيراني المصنف على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية. وهو الطلب الذي رفضته منطقة جبل طارق أول من أمس، وقالت إنها ملتزمة بقانون الاتحاد الأوروبي.
وحاولت واشنطن احتجاز الناقلة «غريس 1»، ولم تعلق السلطات اليونانية على الوضع.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أيضاً رداً على سؤال عما إذا كان باستطاعة الولايات المتحدة تجديد طلب احتجاز الناقلة بعد إبحارها من جبل طارق: «مثل هذا الفعل، بل ومجرد الحديث عنه... سيعرّض سلامة الشحن في المياه الدولية للخطر». وأضاف: «أصدرت إيران التحذير اللازم من خلال القنوات الرسمية، وخصوصاً عبر السفارة السويسرية، للمسؤولين الأميركيين بألا يرتكبوا مثل هذا الخطأ؛ لأنه سيؤدي إلى عواقب وخيمة».
وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران التي ليست لديها علاقات دبلوماسية مع واشنطن.
ورأى موسوي أن قرار جبل طارق القضائي الإفراج عن الناقلة شكّل ضربة «للأحادية» الأميركية، موضحاً أن «الأميركيين لم ينجحوا في عقوباتهم الأحادية الجانب غير القانونية». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن موسوي، أنه «رفض الطلب الأميركي» من قبل سلطات جبل طارق «مؤشر إلى أن كلمة أميركا باتت غير مسموعة وإلى أن لا مكان للبلطجة في عالم اليوم»، كما حض الدول الأخرى على أن «ترد بصورة قانونية على إجراءات الحظر الأميركية أحادية الجانب، وأن ترفضها لأن لا أساس قانونياً لها».
وتريد واشنطن خفض صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، وعاودت فرض العقوبات الأميركية التي تقضي بإجراءات عقابية شديدة على أي انتهاكات حتى من جانب غير الأميركيين والشركات غير الأميركية وتشمل تجميد الأصول والاستبعاد من النظام المالي الأميركي.
ونسبت «رويترز» إلى مصادر في قطاع المال، أنه بينما لا تزال لوائح الاتحاد الأوروبي تسمح للشركات والمواطنين في التكتل بالتبادل التجاري مع إيران، فإن الخوف من العقوبات الأميركية يعني عدم استعداد أكثر البنوك لإجراء المعاملات المالية حتى تلك المصرح بها مثل المعاملات الخاصة بالغذاء والأدوية.
من ناحية أخرى، قال العضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، لوكالة «إيسنا» الحكومية، إن الأزمة في العلاقات مع بريطانيا، والتي تضمنت احتجاز طهران لناقلة ترفع العلم البريطاني الشهر الماضي، لن تنتهي إلا بعد وصول الناقلة إلى وجهتها.
وقال النائب الإيراني: «إلى أن تصل ناقلة النفط الإيرانية إلى وجهتها، ينبغي على البريطانيين المساعدة في إنهاء الأزمة». وتابع: «وهذا يعني أن الأزمة مع بريطانيا لم تنته. بريطانيا تتحمل المسؤولية الرئيسية عن إنهاء أزمة ناقلة النفط»، مشيراً إلى أن الأزمة متواصلة «حتى تحصل إيران على مصالحها».
وأشار فلاحت بيشه إلى أن طهران تنظر للتطورات الأخيرة في إطار وقائع حدث سابقاً بينها وبين كل من بريطانيا والولايات المتحدة وخلص إلى أن «البريطانيين يريدون إثارة أزمة أخرى للخروج من الأزمة الحالية» من دون أن يقدم تفاصيل.
وتتزامن أزمة الناقلة مع جهود تبذلها ثلاث دول أوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) للحفاظ على الاتفاق النووي حياً عبر تفعيل آلية مالية تلتف على العقوبات الأميركية وتسمح بمواصلة التجارة مع طهران وتمارس الحكومة الإيرانية ضغوطاً على الأطراف المشاركة في الاتفاق النووي منذ مايو الماضي بإعلانها بدء خطة للانسحاب التدريجي من الاتفاق.
بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال زيارة إلى فنلندا «يسرنا انتهاء هذه المحنة، وآمل أن يؤدي هذا لخفض التصعيد». وذكر أيضاً أن أمر الاحتجاز الأميركي ليس له أساس قانوني، ووراءه دوافع سياسية بهدف «زيادة التصعيد». وقال إن إيران «لا يمكنها كشف الوجهة التي سيُنقل إليها النفط» وقال إنه بسبب «العقوبات الأميركية لا يمكننا التحدث بشفافية كبيرة عن الوجهة».
وأجرى ظريف مباحثات في هلسنكي، مع نظيره الفنلندي بيكا هافيستو والرئيس سولي نينيستو، في إطار جولة أوروبية تشمل السويد والنرويج.
وقال وزير الشؤون الخارجية الفنلندي بيكا هافيستو، إن أوروبا تبذل قصارى جهدها لإنقاذ الاتفاق، لكن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قال إن بلاده ليست مهتمة بإجراء محادثات مع واشنطن، لكن ينبغي أن تركز أي وساطة على إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 والذي انسحبت منه العام الماضي.
وهذه أول زيارة يقوم بها ظريف عقب تأزم العلاقات بين الدول الإسكندنافية على إثر إحباط مخطط للاستخبارات الإيراني للقيام بسلسلة اغتيالات لناشطين ومعارضين سياسيين في الدنمارك.
وكانت السويد أوقفت مواطناً نرويجياً من أصل إيراني على صلة وثيقة بالسفارة الإيرانية في النرويج على ذمة التحقيق قبل أن تؤكد أنه المتهم الأساسي في القضية.
وترأس فنلندا حالياً الاتحاد الأوروبي منذ الشهر الماضي. ومن المقرر أن يبحث وزراء دفاع وخارجية الاتحاد المهمة الأوروبية لضمان أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز بعدما انضمت بريطانيا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة لنفس الغرض.
وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران منذ انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحادي الجانب في مايو 2018 من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية في إطار حملة «الضغوط القصوى» ضدها.
وردت إيران بتعليق تنفيذ بعض التزاماتها في الاتفاق. وكاد الوضع يخرج عن السيطرة في الأسابيع الأخيرة مع وقوع هجمات ضد سفن، وإسقاط إيران طائرة مسيرة أميركية، واحتجاز ناقلات نفطية.
وفي ذروة الأزمة، ألغى ترمب ضربات جوية ضد إيران في يونيو (حزيران) في اللحظة الأخيرة، رداً على إسقاط الطائرة المسيرة الأميركية.



طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.


توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
TT

توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

وسعت السلطات الإيرانية، خلال الأيام الأخيرة، حملة الاعتقالات بحق شخصيات وناشطين من التيار الإصلاحي، شملت قيادات حزبية وبرلمانيين سابقين، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام رسمية وإصلاحية.

وتأتي هذه التوقيفات في وقت تواصل فيه طهران تشديد قبضتها الأمنية في الداخل، بالتوازي مع تمسّكها بشروطها في ملف التفاوض مع الولايات المتحدة، مصرة على استمرار تخصيب اليورانيوم، ورفض إدراج برنامجها الصاروخي في أي مسار تفاوضي، مع التشديد على انعدام الثقة بواشنطن.

وأفادت وسائل إعلام محلية وإصلاحية بأن أجهزة أمنية وقضائية أوقفت أربع شخصيات إصلاحية بارزة أبدت تعاطفاً مع المحتجين خلال المظاهرات الأخيرة.

وأكدت تقارير متطابقة أن حملة التوقيفات بدأت الأحد، وشملت آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران» الإصلاحي، إلى جانب إبراهيم أصغر زاده، النائب الأسبق، ومحسن أمين‌ زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

وذكرت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن «المؤسسات الأمنية والقضائية» أوقفت هؤلاء الناشطين، مشيرة إلى أن «الاتهامات الموجهة إليهم تشمل استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتناغم مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وإنشاء آليات تخريبية سرية».

إيرانيون يتظاهرون ضد الحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

بدورها، أكدت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن أسمائهم، موضحة أن الاعتقالات جاءت بعد «الانتهاء من التحقيق في أعمال وأنشطة بعض العناصر السياسية المهمة الداعمة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة».

وفي السياق نفسه، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير. ولم تكشف الوكالة عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية.

وأضافت «تسنيم» أن الأحداث التي وصفتها بـ«الإرهابية» أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل»، وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي. وحسب الوكالة، أدى رصد سلوك عناصر سياسية بارزة خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية إلى وضع ملفاتهم على جدول أعمال الادعاء العام، قبل توجيه اتهامات إلى أربعة أشخاص واعتقال عدد منهم، واستدعاء آخرين للتحقيق.

توسع دائرة التوقيف

واستمرت حملة الاعتقالات صباح الاثنين، إذ أعلن عن اعتقال جواد إمام، المتحدث باسم «جبهة الإصلاحات»، بعد مداهمة منزله فجر الأحد من قبل عناصر استخبارات «الحرس الثوري»، وفق ما أوردته صحيفة «شرق» الإصلاحية، ووكالة «فارس».

وفي سياق موازٍ، اعتُقل حسين كروبي، نجل الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، بعد استدعائه إلى نيابة الثقافة والإعلام، وفق ما نقل المحامي الخاص به لصحيفة «اعتماد».

وفي وقت لاحق، قالت وكالة «فارس» إنه «في إطار مواصلة التعامل مع الحلقة الانقلابية والمحرضة على الفوضى، جرى توقيف علي شكوري‌ راد، عضو اللجنة المركزية لحزب (اتحاد ملت)، بموجب حكم قضائي».

جواد إمام الثاني من يسار الصورة خلال لقاء مع الرئيس مسعود بزشكيان نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

كما جرى استدعاء كل من محسن آرمين وبدر السادات مفيدي وفرج كميجاني، وهم أعضاء في اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات، عبر إخطارات قضائية. وسبق ذلك بيوم واحد الإعلان عن توقيف قربان بهزاديان ‌نجاد، مستشار مير حسين موسوي ورئيس حملته الانتخابية في انتخابات عام 2009.

وكانت إيران قد شهدت في 28 ديسمبر (كانون الأول) احتجاجات واسعة بدأت على خلفية الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية ذات مطالب سياسية وصلت إلى الدعوة لإسقاط النظام.

ووفق السلطات، تحولت المظاهرات من احتجاجات سلمية إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، واتُّهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلفها.

وأدت حملة القمع اللاحقة إلى إنهاء الاحتجاجات، التي وُصفت بأنها التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979.

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال تلك الأحداث، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

وقبيل توسّع حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات، وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية.

وقال إن «الذين يصدرون من الداخل بيانات ضد الجمهورية الإسلامية يرددون صدى النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، محذراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

انتقادات إصلاحية

وفي رد فعل سياسي، قال حزب «اتحاد ملت إيران» الإصلاحي إن اعتقال آذر منصوري، إلى جانب شخصيات إصلاحية أخرى، يمثل «خطأً استراتيجياً» لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات.

وطالب الحزب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين، منتقداً ما وصفه بـ«التعامل الأمني» مع قوى سياسية سلمية.

وأشارت «جبهة الإصلاحات» في بيان وقعه عدد من أعضائها إلى أن «قطاعاً واسعاً من مواطني إيران فقدوا ثقتهم بجميع المؤسسات التي كان يفترض أن تكون ملاذاً لهم وممثلةً لمطالبهم»، مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، وتقديم تقرير شفاف إلى الرأي العام.

اتهامات لقوات الأمن

وتزامنت الاعتقالات مع تصاعد الجدل حول تصريحات علي شكوري‌ راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، الذي اتهم القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب المتشدد أمير حسين ثابتي، الذي طالب شكوري‌ راد بتقديم أدلة، محذراً من أن عدم تقديمها «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً». وفي رسالة رسمية، اتهمه بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة».

واحتج النائب المتشدد مهدي كوتشك ‌زاده، الاثنين، على عدم اعتقال شكوري راد قائلاً: «كيف يعقل أن تعتقلوا بضعة أشخاص لا قيمة لهم، في حين لا يتخذ أي إجراء بحق شكوري‌ راد؟».

وأضاف كوتشك‌ زاده: «كيف لا تتخذون أي إجراء بحق السيد شكوري ‌راد الذي يوجه، في ظروف حرب شاملة، تلك الترهات إلى القوات العسكرية والأمنية؟ أوقفوا هؤلاء، فبهذه الطريقة لا يمكن إدارة البلاد».

ماذا قال شكوري‌ راد؟

وفي تسجيل صوتي نُشر الأسبوع الماضي، قدّم شكوري‌ راد رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية.

وانتقد شكوري‌ راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، عاداً أن ذلك «أحرق دوره بصفته قوة وسطية»، مؤكداً أن «القوة الوسطية رأسمال اجتماعي أساسي في الأزمات».

وأشار شكوري‌ راد أيضاً إلى المؤتمر الأخير لحزب «اتحاد ملت»، حيث طُرح اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد علي خامنئي، لمعالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، مؤكداً أن هذا الطرح نوقش داخل أطر حزبية مغلقة.

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» المعارضة، قد ذكرت في 20 يناير، أن اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات» عقدت اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقشت فيه مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي، وتشكيل «مجلس انتقالي» لإدارة البلاد وتهيئة مسار انتقال سياسي.

وأضاف التقرير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان، والتراجع عن أي دعوة علنية، بما في ذلك مقترحات «استقالات جماعية»، و«دعوات لمظاهرات واسعة».

«جبهة إنقاذ إيران»

ومن جانبه، أفاد موقع «كلمة» التابع لمكتب مير حسين موسوي، الاثنين، أن موجة الاعتقالات الجديدة استهدفت شخصيات أيدت فكرة تشكيل «جبهة إنقاذ إيران»، وهو اقتراح طرحه موسوي، مشيراً إلى أن توقيفات الأيام الأخيرة.

وقال أمير أرجمند، مستشار موسوي، إن النظام «يعد انتقال ثقل المعارضة إلى الداخل وتشكّل معارضة وطنية تهديداً وجودياً»، مضيفاً أن الاعتقالات الأخيرة «صممت في هذا السياق».

منصوري تجلس إلى جانب محسن ميرزائي مدير مكتب الرئيس الإيراني خلال اجتماع يوليو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وقال المحلل الإصلاحي أحمد زيد آبادي إن اعتقال واستدعاء قادة في «جبهة الإصلاحات» في هذا التوقيت «يثير أسفاً بالغاً»، محذراً من أن هذه الإجراءات لا تزيد إلا من الاحتقان النفسي على المدى القصير، وتعمق الشروخ بين القوى السياسية على المدى البعيد.

ورأى أن تجارب ما بعد كل اضطراب تُظهر أن الإصلاحيين غالباً ما يدفعون الثمن، سواء شاركوا أم لم يشاركوا، عبر خسارة كوادرهم وإمكاناتهم التنظيمية، لكنه رغم موجات الاعتقال المتجددة لا يستبعد «بصيص أمل» يسمح بعبور إيران أزماتها من دون انهيار.

من جهته، تساءل الناشط الإصلاحي حسن زيد آبادي على منصة «إكس» عن توقيت الاعتقالات وقال: «هل الثقة التي قادت إلى الاعتقالات الأخيرة هي نتيجة اتفاق مع جهات أجنبية؟ ربما!».