الاندماجات الإعلامية الكبرى... بين خفض التكاليف ومخاطر الاحتكار

دعوات لوضع شروط للصفقات العملاقة تضمن حرية الرأي

من الصفقات التي هزت عالم الإعلام في بداية القرن الـ21، شراء شركة «كومكاست» لقطاع برودباند من قبل شركة «إيه تي آند تي» في عام 2001 بمبلغ 72 مليار دولار
من الصفقات التي هزت عالم الإعلام في بداية القرن الـ21، شراء شركة «كومكاست» لقطاع برودباند من قبل شركة «إيه تي آند تي» في عام 2001 بمبلغ 72 مليار دولار
TT

الاندماجات الإعلامية الكبرى... بين خفض التكاليف ومخاطر الاحتكار

من الصفقات التي هزت عالم الإعلام في بداية القرن الـ21، شراء شركة «كومكاست» لقطاع برودباند من قبل شركة «إيه تي آند تي» في عام 2001 بمبلغ 72 مليار دولار
من الصفقات التي هزت عالم الإعلام في بداية القرن الـ21، شراء شركة «كومكاست» لقطاع برودباند من قبل شركة «إيه تي آند تي» في عام 2001 بمبلغ 72 مليار دولار

أسفرت موجة الاندماجات والاقتناء التي جرت في السنوات الأخيرة عن تغير خريطة البث التلفزيوني الدولي وبالتالي على وسائل الحصول على المحتوى المفضل لدى المشاهد. وقد ينتهي الأمر بضرورة الاشتراك في أكثر من خدمة بث تلفزيوني من الشركات الكبرى للحصول على المحتوى المثالي الذي يريده المشاهد ويحصل عليه حالياً من خدمة بث واحدة، مثل «نتفليكس».
وتقليدياً كان الفارق واضحاً بين صانعي المحتوى مثل «ديزني» و«يونيفرسال» و«إم جي إم» و«سوني»، وبين موزّعي هذا المحتوى مثل «كومكاست» و«فياكوم» و«نتفليكس» و«سي بي إس».
ولكن شركات صناعة المحتوى رأت فرصة سانحة في الكسب المزدوج من إنتاج المحتوى وتوزيعه في الوقت نفسه.
ومن يتابع أفلام الفضاء «ستار وارز» سوف يكتشف قريباً أنه لن يستطيع مشاهدتها فيما بعد على قنوات مثل «نتفليكس» وإنما عليه أن يبحث عن قناة بث تتبع «ديزني» التي حصلت على حقوق البث الحصرية لسلسلة ثمانية أفلام «ستار وارز» بعد إتمام واحدة من كبرى صفقات الميديا في التاريخ بشراء ««فوكس» القرن 21» بمبلغ 71.3 مليار دولار.
تبدو مسألة الاندماجات كأنها تقليص للمنافسة في السوق. ففي العام الماضي اشترت شركة «إيه تي آند تي» للاتصالات شركة «تايم وارنر» التي تملك بدورها شركة «إتش بي أو» واستوديوهات «وارنر بروزرز».
وتنتج شركة «إتش بي أو» حلقات «غيم أوف ثرونز» الشهيرة، ولأنها شركة مملوكة الآن لشركة «إيه تي آند تي» فقد يعني أن الحلقات الجديدة من هذه السلسلة سوف تمكن متابعتها فقط على قناة «ديركت تي في» المملوكة لشركة «إتش بي أو».
ويتبع معظم الشركات استراتيجية الحصول على المحتوى المرغوب وامتلاك قنوات البث الحصري له. وبعد موجة الاندماجات الأخيرة تسيطر خمس شركات كبرى على أكبر تسع قنوات بث تلفزيوني. وبعد امتلاك «سوني» لشركة «فوكس»، تسيطر المجموعة حالياً على نصف حجم السوق الأميركية للتلفزيون المدفوع هذا الموسم. وتسعى «ديزني» حالياً إلى تحويل كل المحتوى التابع لها الذي تبثه بالاشتراك مع قنوات أخرى إلى قنوات مملوكة لها. وتقول الشركة إنها سوف تبدأ بقناة «نتفليكس» في عام 2019، وسوف يعني هذا سحب أفلام ناجحة مثل سلسلة «ستار وارز» و«ثور» من «نتفليكس» في السنوات القليلة المقبلة بعد نهاية التعاقدات الحالية.
يقول روبرت أيغور المدير التنفيذي لشركة «ديزني»، إن الاندماج مع «فوكس» سوف يتيح للمجموعة تسريع استراتيجية توصيل المحتوى مباشرةً إلى المستهلك. وأضاف أن توزيع المحتوى في جهتي الترفيه والرياضة مهم للغاية في ضمان مستقبل المجموعة.
ويتكرر الموقف نفسه مع شركة أفلام «وارنر بروزرز» التي تمتلك العديد من المحتوى والأفلام التي أنتجتها بنفسها. وهي الآن جزء من شركة «إيه تي آند تي» المتخصصة في الاتصالات والتوزيع.
من النتائج المتوقعة أن الشركات التي تتخصص في التوزيع فقط، مثل «نتفليكس»، سوف تجد نفسها في موقف ضعيف في المستقبل أمام شركات المحتوى ذات قنوات التوزيع الخاصة بها. وذلك على الرغم من إعلان «نتفليكس» أنها تنوي إنفاق مبلغ 12 مليار دولار سنوياً على شراء المحتوى. وهي تسوق الآن بعض محتواها على أنه حصري لقناة «نتفليكس» ولكنها في الواقع لا تملكه.
وتملك «ديزني» الآن شركة «هولو» لتوزيع المحتوى داخل أميركا ولديها 20 مليون مشترك. ولا تنوي «هولو» أن تنفرد فقط بالمحتوى الذي توفره لها «ديزني» بل تعلن عن أفلام من إنتاج «إتش بي أو» التي تملكها «إيه تي آند تي».

صفقات هائلة
ما زال الرقم القياسي لصفقات الاستحواذ في عالم الميديا تحتفظ به شركة «أميركا أونلاين» التي اشترت من خلالها شركة «تايم وارنر» في عام 2000 بسعر قياسي وصل إلى 162 مليار دولار. وتم التعاقد على الصفقة في أوج فقاعة الإنترنت والتي كانت «أميركا أونلاين» رائدة في تقديم خدمات الإنترنت وقتها. وبعد الصفقة بعدة أشهر انفجرت الفقاعة. ولم تصل الشركتان إلى تفاهم حول العمل المشترك واستمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 2009 حيث جرى الانفصال وتحولت ملكية «أميركا أونلاين» إلى ملكية شركة «فيريزون» في صفقة قيمتها 4.2 مليار دولار.
في عام 2000 أيضاً تم استكمال صفقة شراء «فياكوم» لمؤسسة «سي بي إس» بمبلغ 35.6 مليار دولار. وجرت الصفقة في ذروة انتعاش البورصة وشركات الدوت كوم، ولكن الانفصال وقع بين الشركتين بعد سبع سنوات. وتتردد دعوات عودة الاندماج بين الشركتين، ولكن يبدو أن رئيس مجلس الإدارة في «فياكوم» البالغ من العمر 94 عاماً لا يتحمس لصفقات كبرى قريباً.
من الصفقات التي هزت عالم الميديا في بداية القرن الـ21 كانت شراء شركة «كومكاست» لقطاع برودباند من شركة «إيه تي آند تي» في عام 2001 بمبلغ 72 مليار دولار. ومنحت الصفقة المجموعة المشتركة نحو 22 مليون مشترك في 41 ولاية عبر الكيبل والإنترنت.
وفي عام 2016 تم الإعلان عن صفقة استحواذ «إيه تي آند تي» على «تايم وارنر» بحجم 85 مليار دولار. وحاولت وزارة العدل الأميركية الاعتراض القضائي على الصفقة على أساس أنه نوع من الاحتكار ولكن المحاولة فشلت لوجود سوابق لصفقات مماثلة لم تؤثر على السوق.
وفي العام نفسه 2016 جاءت صفقة الاستحواذ التالية التي جمعت بين شركات «تشارتر» و«تايم وارنر» و«كيبل برايت هاوس» بحجم 65.5 مليار دولار. ونتج عن الصفقة ثاني أكبر مجموعة كيبل. وكانت إحدى نتائج الصفقة أيضاً حصول جيمس دولان أحد مديري شركة «تشارتر» على 98.5 مليون دولار من الحوافز، مما جعله أعلى مدير عام أميركي أجراً خلال هذا العام.
ورغم عقد كل هذه الصفقات الكبرى فإن النقاش ما زال دائراً حول ما إذا كان المحتوى أو التوزيع هو الأهم في شبكات الميديا في المستقبل. ويقول جون كودي رئيس شبكة «أو تي تي» الأميركية، إن الشركات الناجحة عليها أن تمتلك قنوات التواصل المباشر مع المستهلك، وأن يكون التنافس على مستوى عالمي وبمحتوى جيد. وأشار كودي إلى نجاح «نتفليكس» في الفترة الأخيرة على أنه مثال يحتذى.
كما أن المنافسة في المستقبل سوف تعتمد على الحجم أيضاً، فكلما زاد حجم المشتركين انخفضت التكلفة على الشركة الموزّعة. وأحد أمثلة ذلك شركة «إيه تي آند تي» التي توفر خدمات لأكثر من 100 مليون مشترك. وتمتلك الشركة محتوى جيداً من شركة «إتش بي أو» التي تتبعها منها مسلسلات «غيم أوف ثرونز» و«وست ورلد» وأفلام «هاري بوتر».
وتستخدم شركات أخرى مثل «نتفليكس» و«أمازون» استراتيجية الحجم في الإنفاق الهائل على المحتوى لإغراء المستهلك. وتعرف الشركات الأصغر حجماً مثل «تايم وارنر» أن عليها أن تنفق بمعدلات كبيرة لكي تبقى في السوق. وعند نقطة معينة لا يعود للإنفاق منفعة حدية لأنه يأتي على حساب الأرباح.
وتلجأ الشركات الكبرى إلى حيلة أخرى هي خفض قيمة الاشتراك لكسب المزيد من المشتركين. وتعتمد هذه الخطة على امتلاك الشركة لاقتصاديات الحجم في مجال معين لاستغلاله لبيع باقات في مجال آخر. ودشنت شركة «إيه تي آند تي» مؤخراً خدمة اشتراك رخيصة بتكلفة 15 دولاراً فقط شهرياً توفر من خلالها 30 قناة تلفزيونية بما فيها «سي إن إن» مع باقة هاتف جوال غير محدودة.

مخاطر الاندماج
مع تعدد الصفقات الكبرى وسهولة الحصول على التراخيص من الوزارات المعنية التي يبدو أنها لم تعد تهتم بعواقب الاحتكار في أسواق يسيطر عليها العمالقة بالفعل، فإن هناك بعض المخاطر التي يعددها الخبراء المستقلون في أسواق الميديا. رئيسة شركة المحاماة «رامو لو»، أيلسا رامو، تقول إن هناك مخاطر على قيمة المحتوى مع تكرار الاندماجات، ومنها أن تفقد الشركات التي تنضم إلى مجموعات أكبر انفرادها الذي كانت تتميز به في فترة استقلالها.
وعبّر خبراء آخرون عن مصير الشركات الصغيرة التي تعتمد على الابتكار والمهارة في إنتاج مصنفات فنية جديرة بالمشاهدة، بأن مثل هذه الشركات مهددة بالاندثار تحت وطأة منافسة الكبار وقد ينتهي بها الأمر إلى الانضمام إلى المجموعات الأكبر حجماً.
ولا شك أن الخطر الظاهر من تقلص المنافسة في عالم الميديا أن المصير المحتمل هو الوقوع في فخ الاحتكارات في السوق. ومثل هذه الاحتكارات لها أخطارها التي تفوق مجرد رفع الثمن على المستهلك. فهناك مسألة حرية الرأي التي يمكن لاحتكارات الميديا أن تتحكم فيها وأن تمنع الآراء السياسية المخالفة لتوجهات مالكي ومديري هذه الاحتكارات. وهناك شبهة من هذا النوع في بريطانيا إزاء وسائل الميديا التي يملكها روبرت مردوخ في أثناء فترات الانتخابات من حيث تشجيع أحزاب على حساب أحزاب أخرى.
ومع استمرار وجود عمالقة السوق، فإن أحد الحلول المطروحة هو وضع شروط على أي اندماجات جديدة تضمن حرية الرأي وتمنع رفع الأسعار أو خفضها بنسب كبيرة يمكنها أن تؤثر على المنافسين في السوق. والأهم من هذه الشروط هي متابعة تطبيقها وتوقيع غرامات باهظة على المخالفين. وعلى الدول التي تسمح بدخول خدمات بث هذه الشركات أن تُلزمها أيضاً بقواعد العمل في السوق المحلية التابعة لها.

اندماج أكبر سلسلتي صحف في أميركا
أعلنت أكبر سلسلتي صحف في الولايات المتحدة مطلع شهر أغسطس (آب) الجاري، اندماجهما، في محاولة لخفض النفقات والتحرك ككيان واحد نحو مجال الإعلام الرقمي.
ووفقاً للإعلان ستندمج سلسلة «غيت هاوس» التابعة لشركة «نيو ميديا إنفستمنت غروب» مع سلسلة «جانيت». وتقدر قيمة الصفقة بنحو 1.4 مليار دولار وستؤدي إلى قيام مجموعة صحافية تُصدر 263 صحيفة يومية في 47 ولاية أميركية إلى جانب جزيرة غوام التابعة للولايات المتحدة.
وبعد إتمام الصفقة سيحصل مساهمو «جانيت» على نحو 49.5% من أسهم الكيان الجديد في حين ستمتلك شركة «نيو ميديا» نحو 50.5% من أسهمه.
وتأمل السلسلتان في جعل صحفهما أكثر جاذبية للمعلنين في ظل تراجع إيرادات الإعلانات في صناعة الصحافة المطبوعة ككل. في الوقت نفسه، من المتوقع أن يؤدي الاندماج إلى خفض النفقات بما يصل إلى 300 مليون دولار سنوياً للسلسلتين.



«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.