هزيمة «رجل الصندوق» تصعق الاقتصاد الأرجنتيني وتعيده لبداية الألفية

انهيار بالبورصة والبيزو... والمركزي يبدد الاحتياطي في محاولة إنقاذ الموقف

التراجعات في الأسهم سجلت ثاني أكبر خسارة يومية على الإطلاق منذ عام 1950 (أ.ف.ب)
التراجعات في الأسهم سجلت ثاني أكبر خسارة يومية على الإطلاق منذ عام 1950 (أ.ف.ب)
TT

هزيمة «رجل الصندوق» تصعق الاقتصاد الأرجنتيني وتعيده لبداية الألفية

التراجعات في الأسهم سجلت ثاني أكبر خسارة يومية على الإطلاق منذ عام 1950 (أ.ف.ب)
التراجعات في الأسهم سجلت ثاني أكبر خسارة يومية على الإطلاق منذ عام 1950 (أ.ف.ب)

في يوم هو الأسوأ للاقتصاد الأرجنتيني منذ مطلع الألفية، هوت العملة الوطنية (البيزو)، بينما سجلت الأسهم والسندات انخفاضات لم تشهدها في 18 عاما، وأغلقت البورصة الاثنين على تراجع بلغ نحو 38 في المائة، وذلك غداة الهزيمة المدوّية للرئيس الليبرالي ماوريتسيو ماكري أمام مرشح يسار الوسط البيروني ألبرتو فرنانديز في الانتخابات التمهيدية للانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وظهرت بعض بوادر التحسن النسبية أمس، إذ أظهرت السندات الحكومية والأسهم في الأرجنتين دلائل على الاستقرار صباح الثلاثاء، وأظهرت مؤشرات أسعار من جيفريز للوساطة أن جميع السندات الأرجنتينية الرئيسية بالدولار التي يتراوح أجل استحقاق دينها من 2021 إلى 2117 ارتفعت بمقدار 0.5 سنت للدولار.
كما ارتفعت أسهم بانكو ماكرو الأرجنتيني المدرجة في الولايات المتحدة خمسة في المائة، وزادت أسهم غروبو سوبرفيل عشرة في المائة في تداولات ما قبل فتح السوق، بعد أن خسرت ما يزيد على نصف قيمتها أول من أمس الاثنين.
وبعد تراجعه بنحو 48 في المائة خلال الجلسة، وهي ثاني أكبر خسارة يومية على الإطلاق منذ عام 1950، أغلق مؤشر «ميرفال» على 27530 نقطة، في جلسة بدأها أصلاً بخسارة 10 في المائة من قيمته عند افتتاح التداولات وأنهاها بخسارة 37.93 في المائة من قيمته، في حين وصلت الخسارة التي تكبّدتها بعض الشركات المدرجة في البورصة إلى نحو 50 في المائة. لكن المؤشر عاود الارتفاع أمس الثلاثاء، وزاد نحو 11.5 في المائة في الساعة 1456 بتوقيت غرينتش، مدفوعا بتحسن عالمي للمعنويات عقب إعلان الولايات المتحدة إرجاء بعض الرسوم على البضائع الصينية.
كما خسرت العملة الأرجنتينية، البيزو، نحو 19 في المائة من قيمتها، إذ أغلقت على 57.30 بيزو للدولار الواحد، بعد أن هوى في وقت سابق نحو 30 في المائة إلى مستوى قياسي منخفض عند 65 للدولار، مقابل 46.55 بيزو لدى إغلاق التعاملات مساء الجمعة.
وتسببت انخفاضات بين 18 إلى 20 سنتا في السندات الحكومية القياسية للأرجنتين لأجل عشرة أعوام و100 عام في تداولها عند نحو 60 سنتا للدولار أو حتى أقل من ذلك. ومن ناحية أخرى قفزت تكلفة التأمين على الديون السيادية للأرجنتين ضد مخاطر التعثر 938 نقطة أساس مع قلق المستثمرين بشأن قدرة البلد الواقع في أميركا الجنوبية على سداد ديونه بعد هزيمة ماكري في الانتخابات الأولية. وقال متعاملون إن سعر الفائدة بين بنوك الأرجنتين قفز متضاعفا إلى ما بين نطاقي 90 و120 في المائة، مقارنة مع متوسط بلغ 61 في المائة يوم الجمعة.
وأظهرت بيانات رفينيتيف أن الأسهم والسندات الأرجنتينية والبيزو لم تسجل مثل هذا الهبوط المتزامن منذ الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلد الواقع في أميركا الجنوبية في 2001 وأدت إلى تخلفه عن سداد ديونه.
وخفض بنك مورغان ستانلي توصيته للدين السيادي للأرجنتين والأسهم، وقال إن حساباته تشير إلى أن البيزو قد يهبط بنسبة 20 في المائة أخرى.
وأتى هذا الانهيار غداة الهزيمة المدوّية التي مني بها ماكري الذي يتبنّى سياسات داعمة للشركات، ويعرف على نطاق واسع باسم «رجل الصندوق»، نسبة إلى اتفاقه مع صندوق النقد على خطة تقشف لم تلق قبولاً لدى الأرجنتينيين الذين تضاءلت قوتهم الشرائية بشكل كبير.
وتعاني الأرجنتين حاليا من الركود، ووصلت نسبة التضخم فيها 22 في المائة لأول مرة في النصف الأول من العام، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم، كما يعاني 32 في المائة من السكان من الفقر.
وكان البيزو خسر نصف قيمته أمام الدولار العام الماضي. وعقب خسائره يوم الاثنين، قال متعاملون إن البنك المركزي في الأرجنتين استخدم 50 مليون دولار من احتياطياته، للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، للتدخل في سوق الصرف الأجنبي والدفاع عن العملة المحلية (البيزو) في وجه موجة مبيعات واسعة... ولكن محاولته لجم التدهور باءت بالفشل.
وهيمن مرشح المعارضة ألبرتو فرنانديز، الذي اختار الرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر معه لمنصب نائب الرئيس، على الانتخابات الأولية بفارق أكبر كثيرا من المتوقع بلغ 15.5 نقطة مئوية.
وقال فرنانديز إنه سيسعى لإعادة صوغ اتفاق قرض مشروط بقيمة 57 مليار دولار وقعته الأرجنتين مع صندوق النقد الدولي، إذا فاز في الانتخابات العامة في أكتوبر. وامتنعت متحدثة باسم صندوق النقد عن التعقيب على نتيجة الانتخابات الأولية في الأرجنتين، مشيرة إلى سياسية الصندوق في عدم التعقيب على التطورات السياسية في أي دولة، علما بأن القرض الأرجنتيني هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ صندوق النقد.
وعلى الرغم من أن ماكري وجد صعوبات في إحداث تحول في الاقتصاد وترويض التضخم، فإن مستثمرين يرون في فرنانديز احتمالا محفوفا بمخاطر أكبر بسبب سياسات سابقة للمعارضة للتدخل في الاقتصاد، خاصة أنه سيكون على الأرجنتين سداد ديون بمليارات الدولارات في العام المقبل.
وتولى ماكري، وهو سليل واحدة من أكثر العائلات ثراء في الأرجنتين، السلطة في 2015 مع وعود بإعادة تنشيط ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية عبر إجراءات لتحرير الاقتصاد. لكن الانتعاش الذي وعد به لم يتحقق، وتعاني الأرجنتين ركودا مع تضخم يزيد على 55 في المائة.
وضربت أزمة مالية حادة البيزو وأرغمت ماكري على أخذ قرض صندوق النقد في مقابل التعهد بإنهاء العجز في ميزانية الأرجنتين. وأشارت انتخابات الأحد إلى أن فرنانديز لديه تأييد كاف للفوز بالرئاسة في الجولة الأولى من الانتخابات التي ستجري في أكتوبر من دون أن يضطر إلى خوض جولة إعادة في نوفمبر (تشرين الثاني).
وقال فرنانديز إن ردود فعل الأسواق كانت عقابا لماكري على فشله في الاقتصاد. موجها انتقادات حادة إلى منافسه بسبب ارتفاع قيمة الديون قصيرة الأجل للأرجنتين إلى مستويات غير مقبولة، ومضيفا أنه لا يريد إعلان توقف بلاده عن سداد التزاماتها في حال فوزه بجولة الإعادة من الانتخابات.
وقال فرنانديز إن الأرجنتين تحتاج إلى تغيير نموذجها الاقتصادي، مضيفا أن القطاع الزراعي في البلاد لا يصدر كميات كافية من الحبوب لتوفير ما يكفي من العملة الصعبة.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن فرنانديز قوله في مقابلة تلفزيونية مساء الاثنين: «لا أحد يصدق أن ماكري يستطيع سداد ديون البلاد... أسعار الأسهم تشير إلى أن المستثمرين ينظرون إلى البلاد باعتبارها مفلسة».
ولم يكشف فرنانديز عن سياساته الاقتصادية بالتفصيل حتى الآن، لكنه يقول إن «ماكري لم يفهم أي شيء... إنها ليست انتخابات سيئة... إنها حكومة مريعة وهو (ماكري) يستحق العقاب من الشعب».



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.