ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

عندما مات في لندن عام 1827 ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه

من رسوماته
من رسوماته
TT

ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

من رسوماته
من رسوماته

باختصار شديد: لقد وُلِد ويليام بليك في لندن عام 1757 وفيها مات عن عمر يناهز السبعين عام 1827. وكان أول شاعر رومانطيقي في إنجلترا قبل ووردزورث وكوليردج. ويبدو أنه وُلِد في عائلة فقيرة وظل فقيراً طيلة حياته كلها من دون أن يشتكي من ذلك، ومن دون أن يلهث وراء الثروة والجاه والغنى، كما يفعل معظم الكتاب والمثقفين. ولم يسافر خارج بلاده قطّ، ولم تكن له عشيقات، وإنما ظل مخلصاً لامرأة واحدة هي زوجته. وكانت أُمّية لا تعرف القراءة والكتابة فعلمها ذلك بعد زواجهما. ورغم أنها كانت عاجزة عن فهمه أو مشاركته لرؤاه العبقرية أو الجنونية، فإنها أصبحت مساعدته المخلصة.
ولكن إذا كان بليك قد تعود على هذه البساطة والفقر في حياته، فإنه كان يشكو من الوحدة والعزلة والتهميش. فقد كان يكتب ويرسم دون أن يهتم به أحد. وهذا أمر صعب جداً بالنسبة للمبدعين والخلاقين، فهم يحبون أن يعترف الآخرون بهم وبإنجازاتهم. وكان الناس عموماً يعتبرونه رجلاً مختلاً من الناحية العقلية لا أكثر ولا أقل. وبالتالي فمن الذي سيهتم بخربشات شخص مجنون؟ ألم يكن يقول إنه في حوار دائم مع الرسل، والملائكة، والمسيح؟! أما كانوا يرونه أحياناً يمشي في الشارع وهو يتحدث بصوت عالٍ مع نفسه فقط؟ كان يتحدث مع أشخاص غير مرئيين وكأنهم أشخاص حقيقيون يسيرون إلى جانبه. كان يرى ما لا يرى.
والشيء الذي زاد من تفاقم الوضع هو أنه كان يحتقر العادات والتقاليد السائدة. ولم يكن يقيم وزناً للمؤسسات الاجتماعية والدينية. وكيف يمكن لإنجلترا المحافظة أن تقبل شخصاً يقول هذه العبارة: «من حجارة القوانين بنوا السجون، ومن تعاليم الدين المفهومة خطأ بنوا المواخير». وينبغي العلم أنه عندما مات ويليام بليك في لندن عام 1827 كان مجهولاً تقريباً من قِبَل معاصريه. ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه في تاريخ الفكر والآداب الإنجليزية. وهكذا راح يلتحق بعالم رؤاه وخيالاته وكأنه قديس. ولكنه كان واثقاً من نفسه وليس خائفاً على «مستقبله» إذا جاز التعبير. كان يعرف أن الأجيال القادمة سوف تعترف به وتدرك أخيراً مدى قيمته وعبقريته.
فقد كان يعرف ماذا فعل وماذا قدم من إنجازات للإنجليز وللبشرية في آن معاً. وكان يعرف أن دوره سيجيء عاجلاً أو آجلاً وسيكتشف الناس حقيقته وأهميته بعد مماته بعد أن تجاهلوه أو أنكروه في حياته. فقد خلّف وراءه كتباً رائعة، كتباً مليئة برسومه وتصاويره الجميلة. ومن دون أن تعرف إنجلترا والبشرية كلها، فإنهما فقَدَتا بموته أحد كبار المفكرين والشعراء. وهذا ما ستكتشفه الأجيال التالية. والواقع أننا لا نستطيع أن نفهم أصل الفكر الحديث من المركيز دو ساد إلى كافكا إذا لم نأخذ أعماله بعين الاعتبار. لقد كان ويليام بليك رائياً لا مجنوناً. ولكن ما الفرق؟ لقد كان سابقاً على عصره بكثير ولذلك لم يفهموه بل وراحوا يسخرون منه ويشكون في إمكانياته العقلية والنقلية.
أما من الناحية الشكلية، فقد كان هذا الكاتب والفنان العبقري رجلاً قصير القامة برأس ضخمة وعينين مزهوتين أو فخورتين. وكان طيلة حياته يفضل مصاحبة الأطفال على معاشرة الكبار، وكان من الطليعيين السابقين لأوانهم. وقد سبق نيتشه إلى تصحيح القيم الأخلاقية بعد أن نقد بشكل راديكالي العادات والأعراف التقليدية السائدة في عصره. وقد جعل من حياته كلها فصلاً من فصول الجحيم، قبل رامبو بزمن طويل. وقبل أن يظهر السورياليون على سطح الأرض بعدَّة قرون راح يهرب من عالم الواقع إلى عالم ما فوق الواقع: عالم الرؤى والأحلام الوردية، عالم الصفاء والنقاء.
لقد عرف ويليام بليك قبل بيرغسون وبروست وجويس أن الانبعاث العفوي للذاكرة العميقة أو لأعماق الذاكرة اللاشعورية يتيح لنا أن ننتصر على الزمن، ونتصل بالأبدية المتواصلة للكينونة. يُضاف إلى ذلك أنه كان شاعراً ملتزماً، أي منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. فقد انفجر بالحقيقة حتى ولو كانت خطرة جداً، حتى ولو كلفه ذلك غالياً. لقد قال لهم: الأطفال يموتون من الجوع في لندن، والكهنة يرتلون الأناشيد الدينية في الكنائس وكأن شيئاً لم يكن! هل يُعقل ذلك؟ هل يجوز؟ أهذا هو الدين؟ أهذا ما أمرَنا به يسوع المسيح؟ ألم يقل لنا أن نشفق على الفقراء والضعفاء والمحتاجين؟ ألم يقل هذه العبارة البليغة: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت السماوات؟
هنا تكمن عظمة ويليام بليك. نعم، لقد تمرد هذا الكاتب «المجنون» على القيم الزائفة أو المنافقة لمجتمعه وعصره. لقد تمرّد على كلا الصعيدين الفلسفي والديني. وأكبر دليل على ذلك اعترافه هو شخصياً بالمسألة. ألم يقل إن طريق الانتفاضة الزائدة عن الحد يؤدي بنا إلى بلوغ القصر المنيف للحكمة؟ المقصود ذروة الحكمة.
يقول الشاعر هذه الكلمات التي تدل على شخصيته أكثر من أي شيء آخر: «لا أريد أن أستخدم أسلوب المنطق والحجج والمقارنات. فعملي يتمثل بالإبداع والخلق ليس إلا. إنني أرفض المحاجات العقلانية الناشفة. إنني أطرح من الشعر كل ما ليس إلهاماً عفوياً صادراً من الأعماق. قال ذلك لكيلا يستهزئوا به أكثر مما فعلوا حتى الآن عن طريق اتهامه بالهلوسات والجنون».
كل ويليام بليك موجود في هذه الكلمات، وكل فلسفته في الحياة أيضاً. لقد كان يعرف أنه رؤيوي ملهم ينتمي إلى طبقة العباقرة لا إلى عموم الناس العاديين. وكان يقول باستمرار إن كتاباته تُملى عليه من قبل الملائكة والقديسين والمسيح. وقد وصل به الأمر إلى حد أنه كتب في إنجيله الخالد ما يلي: «عندما مات يسوع كنتُ إلى جانبه»!!
ولذلك شكّوا بقواه العقلية وقالوا إنه مجنون. والواقع أنه لم يكن مجنوناً إلا في نظر الأغبياء. فالرجل كان يرى الله في كل مكان وليس فقط في الكنيسة محبوساً بين أربعة جدران. ونضيف من عندنا: ألم يرد في القرآن الكريم: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». كان بليك فيلسوفاً حراً وشاعراً ملهماً وكفى. والواقع أنه عاش في عصر مكبوت جداً بسبب سيطرة الأصولية المسيحية ورجال الدين على العقول. ولذلك فإنه انتفض ضدهم وأعلن ثورته العارمة عليهم. ويبدو أن كثيراً من معاصريه كانوا يشاطرونه نفس مشاعر التمرد ضد الأخلاق القمعية السائدة، خصوصاً المحرمات أو التابوهات الجنسية.
فإنجلترا آنذاك كانت محافظة جداً من هذه الناحية على غرار المجتمعات التقليدية المحكومة من قبل الخوارنة والقساوسة والمطارنة. كانت شبه طالبانية! مَن يصدق ذلك الآن؟ أين كنا وأين أصبحنا؟ وعندما كان كتّاب ذلك العصر يهاجمون «الأخلاق» فإنهم كانوا يقصدون الأخلاق القمعية الخاصة بالجنس على وجه التحديد، وليس الأخلاق في المطلق... لم تكن أوروبا قد تحررت بعدئذ من أغلال الماضي وقيوده. ولذلك فإن ويليام بليك اتخذ مواقف مضادة للأصولية عندما قال إن المتعة هي مصدر الحياة وليس التنسك والابتعاد عن الرغبات. ينبغي العلم بأن سيرة حياة ويليام بليك عادية جداً ولا تحتوي على أي أحداث استثنائية. فوالداه كانا من أصل متواضع، وقد أنجبت أمه خمسة أطفال كان بليك هو الثاني من بينهم. وأبوه كان تاجر خردوات في أحد شوارع لندن الشعبية الفقيرة.
وكانت العائلة متدينة جداً كمعظم أناس ذلك الزمان. فالكتاب المقدس كان يحتل مكانة كبيرة في البيت، والجميع يتلونه بين وقت وآخر. ومنذ الطفولة ابتدأ ويليام بليك بقراءته مراراً وتكراراً. ومنذ البداية كان شاعرنا المقبل طفلاً غريب الأطوار. فعندما كان في الثامنة من عمره قال لإخوته إنه رأى شجرة جميلة مثقلة بالملائكة تماماً كالعصافير! وعندئذ ضربه والده كفاً على وجهه لكي يسكت ولا يعود إلى رواية هذه الحماقات. ولكن الضرب لم يجعله يتراجع عن مواقفه. فقد زعم أنه رأى ذلك على الشجرة، وهو لا يقول إلا ما رآه.
وفي إحدى المرات قال إنه رأى النبي زكريا جالساً تحت شجرة. وعندئذ ضربه والده مرة أخرى. ولكنه لم يتراجع عما قاله، ثم كفَّ والده عن ضربه بعد أن ملَّ من العملية. وأخذ الجميع يسخرون منه ومن رؤاه الخيالية أو الجنونية هذه. ولكن السخرية لم تردعه عن رواية أحلامه، مثلما لم يردعه الضرب. فهو شخص غير عادي، شخص يرى ما لا يراه الآخرون. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وعندما كانت عائلته هي التي تسخر منه كان يسكت على مضض. ولكن عندما كان الآخرون في الشارع هم الذين يسخرون منه كان يشتبك معهم بالأيدي. وكانت تحصل معارك. لم يكن جباناً قطّ؛ ويليام بليك. كان يرد الضربات مثلما يتلقاها وأكثر.
في السادسة من عمره شعر والده بأن عنده مواهب فنية فوضعه في مدرسة لتعليم الفنون. ولاحظ بعدئذ أنه اختار الحفر أو النقش لا الرسم. وسعد والده لأن هذا الطفل المجنون قليلاً وجد طريقه في الحياة. ولكنه أُصِيب بخيبة أمل بعدئذ عندما سمع أنه ينظم الشعر! ووبخه وعنفه قائلاً: الشعر لا يطعم خبزاً يا ابني! ما لنا وما للشعر؟ ثم حصلت له قصة عجيبة أذهلت كل مقربيه بل ودوختهم. فقد سعى والده لتقديمه إلى رسام شهير كان مقرباً جداً من الملك و«يحل ويربط» في الأوساط الفنية كما يُقال. نقصد بذلك أنه كان نافذاً جداً ويستطيع أن يفتح لك الأبواب إذا ما أراد أو يغلقها كلياً في وجهك. ولكن عندما قدمه والده إلى هذا الشخص المهم سرعان ما أصيب الطفل بالهلع وهرب من المقابلة فوراً، وأعطى ساقيه للريح. ودهش والده جداً من هذا التصرف، ولم يعرف السبب. فركض وراءه لكي يلحق به. وعندما وصل إليه سأله عن سر تصرفه الغريب هذا. فأجابه: هذا الشخص يلبس عقداً حول رقبته. وسوف يُشنق يوماً ما! فجنّ جنون والده ولم يكد يصدق ما سمعه. وقال بينه وبين نفسه: حقّاً إن ابني مريض... إنه مجنون صوفي ولا أستطيع أن أفعل له شيئاً. ولكن هل نعلم أن نبوءته تحققت وأن هذا الرسام الشهير قد شُنق بالفعل بعد اثني عشر عاماً من ذلك التاريخ. فقد اتهمه الملك بإهدار المال العام أو استخدامه لمصلحته الشخصية. نعم، لقد تحققت نبوءة ويليام بليك المشؤومة هذه. ألم نقل لكم إنه يرى ما لا يراه الآخرون؟
فهل كان يتمتع بقدرات خارقة للعادة يا ترى؟ هل كان يستطيع أن يرى ما لا يُرى بالعين المجردة؟ وأخيراً يمكن القول إن هذا الطفل غريب الأطوار الذي سبب كثيراً من القلق والمخاوف لوالده كان بالفعل عبقرياً لا مجنوناً. لقد كان يتمتع بمواهب خارقة للطبيعة. وقد عبر عن أحاسيسه شعراً ونثراً وتأثر بالكبار من أمثال: شكسبير، وميلتون، وجان جاك روسو، وفولتير.

من أقوال ويليام بليك:
- في حبة واحدة من الرمل ترى العالم كله... وفي زهرة واحدة من الحقول ترى الفردوس
- ما دامت البراعم تتفتح فهذا يعني أنه لا يوجد موت حقيقي... أين هو انتصارك يا موت؟!
- أسهل عليك أن تغفر لعدوك من أن تغفر لصديقك



«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان
TT

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر. يتبدى هذا الولع في النبش الدائم والتوغل في دهاليز الشعر، والتعامل معه كأنه الحبيب العاشق، تخاصمه وتصالحه، وتفتش في جيوبه السرية عن معنى الوجود وحقيقة الحياة، وتعيشه كتوأمة للروح والموسيقى، وباسمه تهدي ديوانها إلى جبال مدينتها طرطوس وساحلها العظيم؛ فالشعر هو قوس البداية والنهاية، في ظلالهما يجدد القدرة على العطاء والحلم؛ لذلك تخاطبه الشاعرة دائماً باعتبار المخلِّص، وفي نص حمل الاسم نفسه «المخلِّص» تقول فيه:

«أكتب الشعر

لأني أولد

أكتب الشعر

لأني أموت»

لا تكتفي الشاعرة بهذه الصرخة الشديدة، المشرّبة بنوازع الميلاد والموت، بل تفتح النص نفسه على أفق دلالي يبدو أكثر رحابة، في تكثيف المعنى والإحساس بالفكرة، وما وراءها، فلا شيء سوى الشعر يمكن أن يلملم حياة ممزقة، ويردها إلى طبيعتها الإنسانية وفطرتها الأولى، ويعيد لها نوعاً من التوازن المفتقد، والذي أصبح بمنزلة جرح، مفتوح على جراح أكبر يتردد صداها بقوة في تداعيات الواقع والوجود:

«أيها الشعر التحفني

غيمة تعانق قمراً

لتداري حزنه...

أيها الشعر ارسمني

عشبة تعلو...

يعيدها المطلق

إلى التراب

أيها الشعر نادني باسمي

لتزهر كلماتٌ في غابات لساني

لمَّني

من بين إحالات العدم

بعثرني

بين تأويلات الوجود»

هذا التراوح بين الوجود والعدم تنعكس ظلاله على معمارية الديوان الصادر أخيراً عن دار النهضة ببيروت ويتشكل في 90 صفحة، وعبر 6 عناوين رئيسية تنضوي تحت كل عنوان منها 5 قصائد، وهو ما يضعنا أمام خماسيات شعرية تتلاقح فيما بينها من نص إلى آخر، كما تتفاوت في القصر والطول، بحسب الحالة الشعورية للذات الشاعرة. إذن ثمة وعي بالشعر، لكنه وعي مربك غير مطمئن لشيء، محاصر دائماً بالخوف والعبث والرتابة، والملل من حياة تكرر نفسها كل يوم، بحسب تداعيات الإرث والتقاليد، في هذا المناخ الجهم، كيف تكتسب القصيدة حيواتها: بالتجريب والمغامرة وكسر رتابة الشائع والمألوف، أم تظل معلقة في رقبة الشك والخوف، في انتظار معجزة، تناثرت شظاياها ما بين الأرض والسماء، ما بين الماضي والحاضر... ربما لذلك، يبدو الحل في التحايل على الحياة، واللعب على مساحات الوضوح والغموض، أو الأبيض والأسود، في الداخل والخارج معاً، لكنه تحايل زائف، يفتقد إرادة التشبث بالحياة، حيث يتحول الشعر إلى قناع لها، أو في أحسن الأحوال مرثية شجية لرحيلها المفاجئ... يتراءى ذلك في نص بعنوان «حيوات القصيدة - صفحة 13»... تقول فيه الشاعرة:

«لحظة ولادتها

تموت القصيدة

بعدما عاشت فكرة

سيرتها الأولى

تعود روحها

تحيا نشأة ثانية

أحياناً تتقمص حياة النسيان

تُهمل على رف ِّمكتبة

في انتظار أن يعاد لها النبض

بعضها يحظى بحياة مبتذلة

غزل بنات يذوب بسرعة

تاركاً دبقاً

يحدث أن

تعيش توأمة للموسيقى

تتوسد دفاتر العاشقين

تصاحب ليالي الأرق

ترافق الدروب».

وعلى المنوال نفسه، وفي محاولة للإمساك بسيكولوجيا الشعر، وتجلياته المباغتة تقول في نص بعنوان «إرباك - ص 17»:

«تربكني

مخاوف القصيدة

أحيطها بحرز يحميها

أدثرهما بما استطعت من الشعور

ثم أتركها تتجسد

غزالة معنى»

تتبدى فكرة القناع هنا في اللعب على وتر النقيض الضد «تقمص حياة النسيان»، بينما يبدو الشعر كأنه حالة من الإرباك، وصراع خفي بين الفكرة وولادتها، وأن القصيدة تحتاج إلى «حرز» ليصونها من كل هذا التداعي.

يعزز ذلك أن الرمز وحقوله الدلالية في الديوان ليس وسيطاً لشيء، إنما هو علامة، تكاد تكون مكتفية بذاتها، إلى حد الارتعاش والخوف من أن يظل الأمل معلقاً على جدار النسيان، بلا ذاكرة أو أثر يدل عليه؛ لذلك تسعى الذات إلى الماضي لاستحضار التاريخ ومعايشته من جديد، تاريخ سوريا القديم ومدنها التراثية وأساطيرها الخالدة، في تقاطع مع الواقع الراهن، وما آلت إليه البلاد من تردي الأوضاع على شتى الأصعدة... تقول في نص بعنوان «اقتلاع» ص 31:

«في حياة سابقة

حين كانت الأشياء

تتجسد في هيئتها الأولى

الصخور مليئة بالنبض

الينابيع تشدو

الهواء يحمل الأحلام

بحر فينيقيا عصي عن الخراب

السفن محملة بالزجاج الأول

بذور أبجدية أوغاريت أينعت

مسرح أمريت رحم الحضارة

أنوال تحيك البهجة

نساء تلوِّن المدى

ضفائرهن تراقص الريح»

يعتمد النص على بنية توصيفية تحيل إلى ما كان، ومن رحمه تستشرف ما قد يكون؛ لذلك تبرز المراودة وأنسنة الأشياء كركيزتين أساسيتين في الديوان، كما تتخفف النصوص من العلاقة التعليلية، التي تحبس الصورة الشعرية بين قوسي العلة والمعلول، من قبيل: «لتداري حزنه»، «لتزهر الكلمات في غابات لساني»، في المقابل تتكئ الذات الشاعرة على نفسها، تراود الشعر بتلقائية ومحبة، تفتح له كل النوافذ والأبواب، تعانقه جسداً وروحاً، وترجوه ألا يتأخر، حتى لا تغضب، والشعر بدوره يبادلها المشاعر نفسها، ويرجوها أن تتخفف قليلاً من القلق والإحساس الثقيل بوطأة الزمن، وتأخذ زينتها كاملة، حين تشرع في الكتابة، يتراءى هذا في نص بعنوان «صحبة صامتة - ص57» تقول فيه:

«أعيش في صحبة الأشياء

حرة من التعلق والجدال

حضوري خفيف أمام ثقل الكلام

منحتني الوحدة دلالها

أينعت وداعةً

من حقيبتي

يكاد المفتاح يثب

الخطى تعجِّل الطريق

البيت بأشيائه

ينتظر العناق

يطمئن بوصولي

يعشوشب المكان

تتسع العتبةُ

ينساب الماء نسيماً على جسدي

تتنفس المنشفة مسامي

تنسدل ملابسي هائمة

أزداد رقة

الثلاجة تناديني

تشدو الملاعقُ والصحون

تحتضن الألفة تعبي

دفتر يومياتي يتوق

ليطأ القلمُ أرضه

محملاً بتفاصيلي

أجلس أمام مكتبي

نظرات الكتب مزهرة على الرفوف

اقتباسات مبعثرة تبتسم

أنفاس الأوراق المطوية

لوحة المفاتيح تضاء

أثر أصابعي في روحهم

أصغي إلى الصمت

أتذوق اللذة

في أُنس الأشياء»

في الختام، يضعنا الديوان أمام ما يمكن تسميته «شعرية النمط» أو «الإطار»، لكن تبقى من السمات الفنية اللافت فيه التركيز على تفاصيل الحياة اليومية، وتصويرها ككائنات صديقة، وعلامة، توقظ الذاكرة وتفتحها على تداعيات الأمكنة والبشر، يبرز هذا على نحو خاص في فصل «تمارين على الحب»، فالشجرة والمقهى والظل والمجاز علامات لافتة على أن الحبَّ مرَّ من هنا.


«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي
TT

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي. وتأتي الغرابة من أن الفرنسيين من أشد الرافضين للتدخل الآلي في الإبداع البشري، فما بالك بتتويجه!

ويأتي هذا الإعلان بعد جدال طويل أثاره وصول رواية الهايتي- الكندي ثيلسون أوريليان، صاحب رواية «كان هذا أو الموت» الصادرة عن «دار غراسيه للنشر» إلى نهائيات جائزة «غونكور» لتُتَّهم بعد ذلك بأن غالبيتها كُتبت رقمياً، وتُستبعد كلياً، وسط صدمة وارتباك في الأوساط الأدبية.

وكأي جائزة أدبية، ستعمل لجنة تحكيم متخصصة، تكون هذه المرة مؤلفة من خمسة أشخاص، بينهم نقاد صحافيون وكتاب، على قراءة الأعمال، المولدة آلياً وبشرياً، وتحديد الفائز. أما أولوية اللجنة، فهي «تقييم الجودة الجمالية والسردية والأسلوبية للمخطوطات، بشكل مستقل تماماً».

وتُقدَّم نسخة الرواية التي يُشترط ألا تكون صادرة سابقاً عن دار نشر، مع استثناء النشر الذاتي على منصات كـ«أمازون»، من خلال الموقع الإلكتروني، ويحدد صاحبها بشفافية تامة اسم البرنامج الذكي الذي استخدمه كي يتمكن من كتابة نصه. وحسب الإعلان فإن كل النماذج الذكية مسموح بها، ولا يوجد تقييد على الكُتَّاب. كما أن النص يُشترط أن يكون أدبياً، ولكن ليس من الضروري أن ينتمي إلى الجنس الروائي. فقد يكون سيرة ذاتية أو نصاً مفتوحاً؛ بل تُشجَّع بشكل خاص الأعمال غير الروائية، كالسير الذاتية، والمذكرات، وحتى المقالات الطويلة.

وليس من الواضح إن كانت مشاركة الكاتب للذكاء الاصطناعي في الكتابة، يفترض أن تقتصر على طرح الأسئلة على الآلة، وتوجيه النص، أم أن يعمل على الصياغة، وتوليد الأفكار، وإعادة توليف النص.

ولم يخبرنا بيان الجائزة من يملك مهارة كشف مدى تدخل الآلة، وما هو الجهد البشري المبذول في النص؟ فكل هذا لا يزال ضبابياً، ويُنتظر أن يسيل كثير من الحبر في مقبل الأيام.

ثمة اعتراف بأن مهمة لجان الجائزة لن تكون سهلة؛ لأنها في مواجهة تقنيات تتطور كل يوم، وهذا بحد ذاته يحتاج متابعة وفهماً حثيثين.

تم الإعلان عن الجائزة يوم 21 من الشهر الحالي، وبدأ موعد تسليم الروايات للدورة الأولى، وينتهي في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكما في الجوائز التقليدية، يتم اختيار قائمة أولية تضم عشرة مرشحين، قبل الإعلان عن الفائز في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، الذي ستهتم الجائزة بنشر عمله وتأمين تغطية إعلامية واسعة النطاق له، بالتزامن مع حفل توزيع الجوائز. كما تُنشر الفكرة الأولية للعمل الفائز بموافقة المؤلف، لإثراء النقاش حول الكتابة المشتركة.

شارك في تأسيس الجائزة كل من فيليب رودريغيز وألبين سيرفيان وجيل مينتري، وهم رواد أعمال في مجال التكنولوجيا. رودريغيز هو شريك مؤسس في شركة الاستشارات الخاصة بعمليات الاندماج والاستحواذ «أفولتا»، ويعتبر شخصية بارزة في صناعة العملات المشفرة وتقنية «البلوك تشين»، وسيرفيان هو الرئيس السابق لمجلة «تيتو» ورائد أعمال في مجال الإعلام الرقمي، أما مينتري فهو يدرِّس في جامعة هارفارد وجامعة باريس 1 بانتيون- سوربون، ولكنه -وهذا الأهم- شارك في تأسيس منصة «إليكتيس» للتصويت الإلكتروني.

ومعرفة هوية المؤسسين ومهنهم البعيدة عن الأدب قد تفسر جرأتهم في خوض واحد من المجالات الحساسة بالنسبة للفرنسيين، أي الكتابة والإبداع، وخلط كل ذلك بالذكاء الاصطناعي، وأيضاً الجوائز الأدبية التي حظيت باستمرار بمكانة واحترام كبيرين. فما هو مطروح الآن معاكس تماماً للمزاج الفرنسي، وللرؤية الفرنسية للأدب بشكل خاص.

نقرأ على موقع الجائزة شرح مسهب: «فهي تعطَى لنص كُتب بالفرنسية، بصرف النظر عن جنسية كاتبه أو مكان إقامته»، بمعنى أنها فرنكوفونية، والنص الأدبي يتراوح طوله بين عشرة آلاف وخمسين ألف كلمة.

يذكِّرنا المنظمون على موقعهم الإلكتروني بأن «(جائزة باسكال) ليس هدفها قياس ما إذا كانت الآلة ستتفوق على الكاتب»؛ بل تهدف إلى تسليط الضوء على خمسة أهداف: توسيع آفاق التقدم البشري، وتطبيق الذكاء الاصطناعي، ودمج التقاليد الفرنسية للجوائز الأدبية مع صناعة الذكاء الاصطناعي، والشمولية الثقافية من خلال الذكاء الاصطناعي، وقياس قدرات الذكاء الاصطناعي في الأدب.

أما العمل الأدبي فلا بد من أن يكون مفيداً، أو يهدف إلى التنبيه بشأن أحد التحديات البيئية أو الاجتماعية أو الأخلاقية المعاصرة، أو المساعدة في حله «بطريقة مبتكرة».

تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت جزءاً من ورش الكتابة، والعمل على المخطوطات، والتأليف بشكل غير مباشر. لذا فإن «جائزة باسكال» تطرح السؤال بصوت عالٍ: «كيف يمكن أن يصبح العمل الفني عندما يتعاون المؤلف مع الآلة؟» وما يريدونه أيضاً هو مراكمة التجربة، ورؤية تطور المؤلفات من سنة إلى أخرى، وبالتالي قياس ما تتيحه الآلة من تحولات في بناء النص الأدبي.

وحسب ما تسرب فإن جاك أتالي، المستشار السابق للرئيس الراحل فرنسوا ميتران، سيكون ضمن لجنة هذه الدورة. وهو أمر لم يؤكد بعد. ولكن ما أُعلن عنه أن الجائزة لا تشترط وجود ناشر، وأنها تتولى بنفسها نشر النصوص التي تختارها بعد فوزها.

ويستفيد أصحاب المشروع من غياب قانون فرنسي ينظِّم هذا النوع من النشاطات الأدبية. وبالتالي حتى لو لم تكن الفكرة لها ما يكفي من المؤيدين وسط النخبة، فلا يوجد ما يمنع طرح مثل هذه الجائزة؛ خصوصاً أنها لا تشترط في المتقدمين أن يكونوا كتاباً محترفين. هذا يعني أن المشاركين سيكونون على الأرجح مجهولين من قبل القراء، وربما من التكنولوجيين المهرة، أكثر مما هم من عشاق اللغة وجهابذتها.

وتأتي هذه الجائزة في وقت يدين فيه المبدعون استخدام الذكاء الاصطناعي، ويطالبون بتطبيق قواعد وضوابط صارمة. ووصفت منصة «ليفر إبدو» الفرنسية التي تعنى بالكتب والنشر الجائزة بأنها أحد تداعيات «زلزال أوريليان». وللتذكير فقط، فالحديث هو عن كاتب رواية «كان هذا أو الموت» الذي فاز بجائزة «فناك» ثم وصل إلى أعتاب أهم جائزة أدبية فرنسية هي الـ«غونكور» في سبتمبر (أيلول)، وبدأ اتهامه بأن غالبية روايته كُتبت بالذكاء الاصطناعي. أثار الخبر ما يشبه الفضيحة؛ إذ كيف فات هذا الأمر ناشره الكندي، ومن ثم «غراسيه» واحده من أعرق دور النشر الفرنسية. وبسبب نكران الكاتب المستمر، بقيت قضيته موضع تجاذب، ودخلت فيها اتهامات بالعنصرية كونه ملوناً، إلى أن قررت لجنة الجائزة استبعاده نهائياً. وحارت المكتبات بين أن تواصل عرض روايته أو تسحبها من واجهاتها. ولم يضع حد للبلبلة سوى تأكيد ناشره مؤخراً بأن الكتاب ليس صناعة بشرية خالصة. وتأتي «جائزة باسكال» بعد هذه الجلبة، وكأنها رد غير مباشر على الأصوات القوية الرافضة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أما لماذا أُطلق اسم عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال على الجائزة، فلأنه المفكر الغربي الوحيد الذي كان رائداً في مجال الأجهزة الميكانيكية، ومتقناً للغة في وقت واحد. ويستعير أصحاب المشروع أقوالاً لكاتبهم، منها: «كلما ازدادت فطنتك عثرتَ على أشخاص أكثر تميزاً».

لا تُمنح هذه الجائزة لمجرد كتاب جديد: «بل تُكرَّم الأعمال التي تُضيف مختلفاً، ولا تُعيد إنتاج صيغة سبق إنتاجها. وتسعى (باسكال) إلى استكشاف ما تُتيحه الآلات الذكية من إمكانات في مجال الإنتاج الفكري المفيد والفعَّال الذي يُسهم في الحفاظ على البشرية وبيئتها»، هذا على الأقل ما يعدنا به أصحاب المشروع.


الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.