«معارك عدن» تهدد آلاف المدنيين وتحذير من توقف كلي للخدمات

سيل من بيانات التأييد للشرعية ودعوات أميركية وبريطانية للتهدئة

سحب الدخان تتصاعد قرب أحد مواقع الاشتباك بين الانتقالي والحكومة اليمنية في عدن أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد قرب أحد مواقع الاشتباك بين الانتقالي والحكومة اليمنية في عدن أمس (رويترز)
TT

«معارك عدن» تهدد آلاف المدنيين وتحذير من توقف كلي للخدمات

سحب الدخان تتصاعد قرب أحد مواقع الاشتباك بين الانتقالي والحكومة اليمنية في عدن أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد قرب أحد مواقع الاشتباك بين الانتقالي والحكومة اليمنية في عدن أمس (رويترز)

اشتدت المواجهات في يومها الثالث على التوالي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن بين القوات الحكومية ومسلحي «الانتقالي الجنوبي» وسط أنباء عن سقوط عشرات الجرحى والقتلى وتوقف شبه كلي للخدمات وفي ظل دعوات إنسانية لفتح ممرات آمنة لآلاف الأسر المدنية المحاصرة في المنازل.
وفي الوقت الذي تواصلت فيه النداءات الدولية لوقف المعارك واللجوء إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار، تدفق سيل من البيانات المحلية من سلطات المحافظات اليمنية لتأييد الشرعية ورفض ما وصفوه بـ«الانقلاب» على مؤسسات الدولة من قبل القوات الموالية لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي».
وعلى وقع المعارك المتصاعدة في مختلف مديريات محافظة عدن وأحيائها بين القوات المتقاتلة، وظف كل من أنصار الحكومة اليمنية و«المجلس الانتقالي» مواقع التواصل الاجتماعي لشن حروب إشاعات موازية تتحدث عن انتصارات كل طرف رغم عدم وجود أي مؤشرات على الأرض لحسم سريع للمعارك وفق ما أفادت به مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط».
وفيما حذرت السلطات المحلية من توقف كلي لخدمات المياه والكهرباء بسبب عدم القدرة على وصول إمدادات الوقود إلى محطات التشغيل أطلق حقوقيون في المدينة نداءات تطلب فتح ممرات آمنة لخروج آلاف الأسر المحاصرة في عدد من أحياء كريتر وخور مكسر والمنصورة بخاصة مع تصاعد وتيرة العنف وسقوط القذائف الصاروخية على المنازل.
وفي بيان للمؤسسة العامة للكهرباء قالت إن ناقلات الوقود «لا تستطيع التحرك من مصفاة عدن إلى محطات توليد الكهرباء بسبب ما يدور من اشتباكات وإغلاق للطرقات».
وأضافت أن الكميات الموجودة في المحطات حاليا بدأت تنفد وأن عدم تزويدها سيجعل من خروج محطات التوليد أمرا لا مفر منه، مشيرة إلى أن ما تبقى من محطات التوليد العاملة بالديزل ستخرج تباعا في حالة عدم تزويدها».
وألغى طيران الخطوط الجوية اليمنية كامل الرحلات المجدولة من مطار عدن بينما خيمت على المدينة أجواء من الرعب وأغلقت أغلب المتاجر أبوابها في حين أكد شهود لـ«الشرق الأوسط» أن القوات من الطرفين لجأت إلى إغلاق الشوارع واللجوء إلى مواجهات الكر والفر مع استمرار تدفق التعزيزات العسكرية.
وبينما زعم أتباع «الانتقالي» إحراز تقدم على الأرض في كريتر حيث يحاولون لليوم الثالث على التوالي التقدم للسيطرة على القصر الرئاسي في منطقة «معاشيق» ظهر نائب وزير الداخلية اليمني الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس مجلس الوزراء أحمد الميسري رفقة وزير النقل صالح الجبواني وقائد المنطقة العسكرية الرابعة في الجيش اليمني اللواء فضل حسن، في مقطع مصور وهم يتجولون في حي «ريمي» في مديرية المنصورة شمال المدينة بالقرب من منزل الميسري بالتزامن مع سماع أصوات الرصاص في الجوار.
وتخوض القوات الحكومية ممثلة بألوية الحماية الرئاسية وفصائل من المقاومة الشعبية المعارك ضد كتائب من مسلحي «المجلس الانتقالي» في أحياء كريتر وخور مكسر والمنصورة ودار سعد، باستخدام الأسلحة المتوسطة وقذائف الهاون دون سيطرة أي طرف على الأوضاع حتى لحظة كتابة الخبر.
وتحدث سكان في مديرية «كريتر» لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف عن وجود المئات من الأسر المحاصرة في مناطق التماس حيث تدور المواجهات داعين المنظمات الدولية للضغط على الفريقين من أجل فتح ممرات آمنة.
وذكر ناشطون أنهم شاهدوا جثثا متناثرة، في حين قطعت المياه عن كثير من الأحياء، في وقت أصبح الآلاف من السكان دروعا بشرية بسبب حرب الشوارع التي يخوضها طرفا القتال.
وبين الأهالي في اتصالاتهم «أن مئات الأسر محاصرة في حارة القطيع في مديرية كريتر جنوب المدينة بسبب الاشتباكات»، مشيرين إلى أن القذائف العشوائية تهدد حياتهم في منازلهم.
ولم تتوافر أي حصيلة رسمية عن أعداد الضحايا خلال أيام المواجهات الثلاثة وسط تبادل الاتهامات، إلا أن مصادر محلية تتحدث عن سقوط العشرات بين قتيل وجريح، في مختلف مناطق المواجهات إضافة إلى إصابة عشرات المنازل بأضرار كبيرة جراء القصف. وكان «المجلس الانتقالي الجنوبي» الداعي إلى انفصال جنوب اليمن أعلن الأربعاء الماضي النفير العام لأتباعه لاقتحام القصر الرئاسي في عدن وطرد من وصفهم بأتباع «حزب الإصلاح» تمهيدا للسيطرة على المدينة والمؤسسات الحكومية.
وتقود ألوية الحماية الرئاسية المعركة في الجهة المقابلة للدفاع عن القصر والمقرات الحكومية والبنك المركزي فضلا عن الدفاع عن المعسكرات الحكومية في مديريات عدن، بعد أن تعهدت بعدم السماح بسقوط المؤسسات أو الاعتداء عليها من قبل أتباع «الانتقالي».
وفي شمال المدينة، ذكرت مصادر محلية وميدانية أن المواجهات على أشدها بالقصف المتبادل بين قوات اللواء الرابع حماية رئاسية بقيادة العميد مهران قباطي وقوات «اللواء العاشر عاصفة» التابع لـ«الانتقالي» بقيادة يسري العمري.
ورغم النداءات الدولية والمحلية للتهدئة إلا أن المعارك اشتدت أمس وتوسعت إلى شمال وغرب المدينة في وسط أنباء عن استقدام تعزيزات للحكومة من أبين المجاورة شرقا وتعزيزات للانتقالي من الضالع شمالا.
وتوالت أمس بيانات التأييد للشرعية من قبل السلطات المحلية في محافظات عدن ولحج وأبين وحضرموت والمهرة وشبوة وصنعاء وحجة وتعز والضالع وعمران، في بيانات منفصلة بثتها وكالة «سبأ» الحكومية.
وأكدت البيانات دعمها للرئيس عبد ربه منصور هادي وللشرعية ورفض ما وصفته بالانقلاب على مؤسسات الدولة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي، داعية إلى توجيه جهود جميع اليمنيين لاستكمال تحرير البلاد من انقلاب ميليشيات الحوثي الموالية لإيران.
وذكرت المصادر الرسمية أمس أن رئيس الحكومة معين عبد الملك أجرى اتصالات هاتفية من مقر إقامته الحالي في الرياض شملت نائبه وزير الداخلية أحمد الميسري وقائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء فضل حسن، وذلك «لمتابعة الأوضاع الراهنة في العاصمة المؤقتة عدن، والجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية والعسكرية للحفاظ على الأمن والاستقرار وملاحقة العناصر الخارجة عن النظام والقانون».
وأفادت وكالة «سبأ» أن رئيس الحكومة اطلع «على التصعيد العسكري الذي تنفذه مجاميع مسلحة تابعة لما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي، والجهود الجارية بالتنسيق مع تحالف دعم الشرعية لإنهاء هذا التصعيد والحفاظ على أمن وسلامة وحياة المواطنين»، مؤكدا بهذا الخصوص دعم الحكومة للأجهزة الأمنية والعسكرية للقيام بواجباتها في الحفاظ على الأمن والاستقرار.
وبحسب الوكالة قدم نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية وقائد المنطقة العسكرية الرابعة، إيضاحا كاملا لرئيس الوزراء حول حقيقة الأوضاع الجارية في عدن حيث اتهما من وصفوهما بـ«المجاميع المسلحة الخارجة عن النظام والقانون» بالاعتماد «على التهويل الإعلامي لترهيب المواطنين وإقلاق السكينة العامة، وافتعال معارك داخل الشوارع والأحياء السكنية المكتظة بالمواطنين».
وتواصلا للقلق الدولي من تداعيات المواجهات في عدن، عبرت الخارجية الأميركية عن قلقها من اندلاع أعمال العنف والاشتباكات ودعت في بيان للمتحدثة باسم الخارجية مورغان أورتاغوس «إلى الامتناع عن التصعيد وعن إراقة المزيد من الدماء وإلى حل الخلافات من خلال الحوار».
وقالت المتحدثة الأميركية إن «التحريض على مزيد من الانقسامات والعنف داخل اليمن لن يؤدي إلا إلى زيادة معاناة الشعب اليمني وإطالة أمد الصراع» مؤكدة أن «الحوار يمثل السبيل الوحيد للتوصل إلى أن يكون اليمن مستقرا وموحدا ومزدهرا» وفق ما جاء في البيان.
من جهته قال وزير الخارجية، البريطاني دومينيك راب إنه قلق جدا من تصاعد العنف في عدن مؤكدا أن بلاده تدعو جميع الأطراف لوقف القتال والانخراط عاجلا بمحادثات لمعالجة الشكاوى.
وفيما دعا السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون إلى وقف القتال قال إن «مئات المدنيين عالقون في بيوتهم نتيجة للصراع ولا بد من الحوار وإنهاء القتال حتى يتمكن الناس من قضاء العيد مع أسرهم بسلام».
ونفى قائد اللواء الثالث حماية رئاسية لؤي الزامكي في بيان أنباء إصابته أو السيطرة من قبل «الانتقالي» على معسكر «طارق» في مديرية خور مكسر وسط عدن وقال إن قيادة اللواء «لن تفرط في الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية». متوعدا بفرض «هيبة الدولة» - على حد تعبيره - بجميع الوسائل المتاحة.
ولم يصدر عن قادة «الانتقالي» أي موقف رسمي جديد يشير إلى تراجعهم عن مطلب إسقاط الحكومة الشرعية والمؤسسات في عدن بالقوة، باستثناء تغريدة لأمين عام المجلس أحمد لملمس فهم منها الإصرار على الاستمرار في القتال.
وفي اتصال مع «الشرق الأوسط» قال متحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي «حاولنا التهدئة ولكن كان هناك هدنة مع وزير الداخلية لكي يذهب إلى مقر التحالف العربي، ولمعرفة هل من يقاتل من القوات بإمرته، ومحسوبين على ألوية الحماية الرئاسية، سواء مناصرين أو مقاتلين لكنه للأسف تخلى عن الهدنة وهذا ما تسبب في اشتعال الأحداث»، مضيفا، لقد واجهنا سابقا في 2015 مثل هذا السيناريو ضد «القاعدة» أو «داعش» وهو ليس غريبا علينا خصوصا مظاهر انتشار القناصة في أسطح المنازل.
وبسؤاله، هل تواصلتم مع التحالف قال المتحدث إنه من المفترض أن تدين الجهة الرسمية ما حدث لدى تشييع جنازة الشهيد أبو اليمامة من استهداف للمواطنين خصوصا لنعلم لماذا هذا الاستخدام المفرط في القوة واستخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.