نفير «الانتقالي» يهدد عدن بانقلاب جديد

اشتباكات في محيط القصر الرئاسي وتوتر أمني يخيم على المدينة

مصلون يؤدون صلاة الجنازة أمس على ضحايا التفجير الذي أصاب عدن الأسبوع الماضي (رويترز)
مصلون يؤدون صلاة الجنازة أمس على ضحايا التفجير الذي أصاب عدن الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

نفير «الانتقالي» يهدد عدن بانقلاب جديد

مصلون يؤدون صلاة الجنازة أمس على ضحايا التفجير الذي أصاب عدن الأسبوع الماضي (رويترز)
مصلون يؤدون صلاة الجنازة أمس على ضحايا التفجير الذي أصاب عدن الأسبوع الماضي (رويترز)

دخلت العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، منعطفاً أمنياً جديداً، أمس، ينذر بالشروع في انقلاب على الحكومة الشرعية، بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، بعد أن أعلن قادة ما يُعرَف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» النفير لاقتحام القصر الرئاسي الموجود في منطقة معاشيق.
وفي حين بدأت الأحداث بمشاركة الآلاف من أتباع «الانتقالي» الذي يتزعمه محافظ عدن السابق، عيدروس الزبيدي، في تشييع جثمان القيادي في الحزام الأمني العميد منير اليافعي، المعروف بـ«أبو اليمامة»، إلى مقبرة قريبة من القصر الرئاسي تطور الأمر إلى اشتباكات متبادلة بين مسلحي «الانتقالي» وحرس القصر الرئاسي.
وعلق نائب رئيس الوزراء اليمين وزير الداخلية، أحمد الميسري، بالقول إن الأحداث التي شهدتها عدن أمس أريد لها إحداث الفتنة وضرب السكينة والأمن والاستقرار من قبل عناصر معروفة لدى الجميع.
وأوضح الوزير في كلمة له بثتها قنوات فضائية محلية، أن «الفتنة دبت بعد استشهاد اللواء منير اليافعي أبو اليمامة قائد قوات الدعم والإسناد، بأيادي الحوثيين الإجرامية، وما تبعتها من أحداث تم الترتيب لها لاستغلال جثة الشهيد لأغراض سياسية لا يمكن لها الوصول إلى مبتغاها؛ لذلك مارسنا الحلم والحكمة والصبر للحفاظ على السكنية العامة والاستقرار».
ووصف الميسري بيان بن بريك بأنه موتور، متهماً إياه بأنه «يهدف إلى إحداث الفتنة، ودعا إلى النفير العام، وتحدث باسم أبناء الجنوب عامة، وأعلنها صراحة بالحرب على مؤسسات الشرعية».
ودعا وزير الداخلية اليمني أبناء عدن إلى الهدوء والصبر قائلاً: «نحن قادرون على التعاطي مع الممارسات اللامسؤولة، وسنقوم بواجبنا على أكمل وجه، ونطلب ممن دعاهم بن بريك إلى عدم الاستجابة لهذه الدعوات القاتلة لأن هدفها الحرب، وهي لا تخدم إلا الحوثي وحده». مضيفاً: «وقد أبلغنا التحالف رفضه هذه الممارسات، ونطلب من الجميع الهدوء والصبر والثقة في قدرتنا على تجاوز الأزمة (...) وندعو قيادات (الانتقالي) من العقلاء أن يعلنوا موقفاً واضحاً... هل تباركون ما يدعو إليه أو هل يتحدث بن بريك باسمكم أم يتحدث باسمه؟».
وفي سياق ردود الأفعال، قال السفير البريطاني لدى اليمن، مايكل أرون، على حسابه في «تويتر»: «أعرب عن قلقي البالغ بخصوص التطورات الأخيرة في عدن، وأدعو جميع الأطراف للتهدئة. أدين كذلك بشدة استهداف معسكر الجلاء الذي أودى بحياة الكثيرين، وفي الوقت نفسه فإنه من غير المقبول استخدام هذا الهجوم لتهجير الشماليين البسطاء وبدء صراعات مسلحة بين القوات الجنوبية والحكومة الشرعية».
من ناحيته، ذكر الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، في تغريدة على حسابه في «تويتر»: «التطورات حول قصر المعاشيق مقلقة، والدعوة إلى التهدئة ضرورية، ولا يمكن للتصعيد أن يكون خياراً مقبولاً بعد العملية الإرهابية الدنيئة، الإطار السياسي والتواصل والحوار ضروري تجاه ارهاصات وتراكمات لا يمكن حلها عبر استخدام القوة».
وفيما زعم نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي هاني بن بريك أن قوات الحماية الرئاسية التي يقودها نجل الرئيس عبد ربه منصور هادي أطلقت النار على مشيّعي الجنازة، اعتبر ذلك سبباً كافياً لإعلان النفير العام واقتحام القصر للقضاء على مَن وصفهم بأتباع حزب «الإصلاح».
وظهر بن بريك على قناة تلفزيونية موالية للمجلس مع مجموعة من قيادات الانتقالي الذي يطالب بفصل جنوب اليمن عن شماله، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الطوعية بين الشطرين في 1990، داعياً أتباعه إلى النفير، وإسقاط قصر «معاشيق».
وذكرت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن القصر خالٍ من أعضاء الحكومة، إلا أن مقربين من وزير النقل في الحكومة الشرعية صالح الجبواني بثوا صوراً للوزير، وهو في مكتبه بالقصر وأمامه سلاحه الشخصي، ولم يتسنَّ لـ«الشرق الأوسط» التأكد من صحة المعلومة من مصدر مستقل.
وذكرت مصادر أمنية وطبية أن قتلى وجرحى سقطوا في الساعات الأولى من الاشتباكات بين أتباع الانتقالي وقوات الحماية الرئاسية في محيط معاشيق، في وقت انتقل التوتر الأمني من مديرية كريتر حيث يقع القصر الرئاسي إلى مديرية خور مكسر، بالقرب مع معسكر بدر الذي يسيطر عليه عسكريون موالون للحكومة الشرعية، حيث سمع إطلاق نار متقطع كما أغلقت الشوارع المجاورة للمعسكر.
ودعا القيادي بن بريك الذي كان وزيراً سابقاً للدولة في الحكومة الشرعية لإسقاط مَن وصفهم بـ«الخونة الذين ينتمون إلى ميليشيات حزب الإصلاح في قصر (معاشيق)»، على حد تعبيره. وقال: «من هنا نعلن لكافة قيادات المقاومة الجنوبية النفير العام والاستعداد الكامل التام للوقوف مع شعبنا الأعزل».
وفي تغريدة تالية على «تويتر»، زعم نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي أن أتباعه الذين أطلق عليهم وصف «القوات الجنوبية» لن يتعرضوا إلا لمن وصفهم بـ«الإرهابيين»، داعياً المنتسبين إلى الحرس الرئاسي من الجنوبيين إلى إلقاء أسلحتهم مقابل تأمينهم.
وفي حين طالب ناشطون يمنيون الحكومة الشرعية بسرعة اتخاذ مواقف تحفظ هيبتها في المدينة، أصدرت قوات الحماية الرئاسية بياناً أكدت فيه أنها بكل تشكيلاتها تحترم حرية التعبير الشعبية، لكنها توعدت بالدفاع عن القصر الرئاسي.
وتتولى قوات اللواء الأول حماية رئاسية بقيادة العميد الركن سن الرهوة حماية القصر، وسط أنباء عن وجود العميد ناصر هادي نجل الرئيس اليمني في المدينة لمساندة القوات التي يتولى قيادة الألوية التابعة لها.
وقالت قوات الحماية الرئاسية في بيانها إنها «لن تعترض أو تفضَّ أي تجمع شعبي سلمي في سبيل ذلك، لكنها لن تسمح بتجاوز الحدود، كالذي يُشاع عن اقتحام القصر الرئاسي والمؤسسات السيادية التابعة للدولة».
وأضافت أنها «ستقوم بحماية كل ما يقع تحت سلطتها والتصدي لكل ما يعكر الأمن والسلم الاجتماعي بأي طريقة كانت».
وأعادت المواجهات التي بدأت في عدن أمس الذاكرة إلى الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة أواخر يناير (كانون الثاني) 2018، بعدما حاول أتباع الانتقالي الجنوبي إسقاط الحكومة الشرعية بالقوة، وهي المواجهات التي عمَّت أغلب مناطق المدينة، وسقط خلالها نحو 50 قتيلاً إضافة إلى عشرات الجرحى على مدار أيام من الاشتباكات التي كانت توقفت بعد تدخل حاسم من قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية.
وكان هجوم حوثي مزدوج بصاروخ باليستي وطائرة مسيرة، الخميس الماضي، على معسكر الجلاء في مديرية البريقة غرب عدن أدى إلى مقتل 36 جندياً، بينهم القيادي في الحزام الأمني، وقائد اللواء الأول دعم وإسناد منير اليافعي (أبو اليمامة)، وهو ما اعتبرته قيادات الانتقالي الجنوبي لاحقاً أمراً مدبراً لتصفية القائد الموالي لهم، مشيرين بأصابع الاتهام إلى حزب «الإصلاح»، رغم اعتراف الحوثيين أنفسهم وتبينهم للهجوم.
ودعا قادة «الانتقالي»، منذ أيام، أتباعهم من جميع المناطق الجنوبية للتوافد إلى مدينة عدن للمشاركة في تشييع جثمان «أبو اليمامة» متوعدين بالثأر له، قبل أن تتطور الأحداث، أمس، على نحو دراماتيكي ويدعو بن بريك إلى النفير لاقتحام القصر الرئاسي.
وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط» أن الاشتباكات امتدت لتشمل، أمس، قوات من «لواء بدر» الموالي للشرعية، وأخرى موالية للمجلس الانتقالي في خور مكسر، وسط حالة من الذعر خيمت على سكان الأحياء المجاورة، حيث سُمِع تبادل إطلاق النار وصولاً إلى منطقة جزيرة العمال.
وكان أتباع «الانتقالي الجنوبي» أصدروا بياناً، أول من أمس (الثلاثاء)، وصفوا فيه الحكومة الشرعية بأنها حكومة «احتلال» داعين إلى مغادرتها الفورية مدينة عدن «ونقل كامل السلطات من المناطق الجنوبية سلمياً»، و«إخلاء كافة الوحدات العسكرية الشمالية المتمركزة في أرض الجنوب، ونقلها إلى جبهات الحرب ضد الحوثي في الشمال» وترك مهام تأمين عدن لقوات الدعم والإسناد الموالية للمجلس الانتقالي.
ودعا البيان الرئيس هادي والتحالف الداعم للشرعية إلى تمكين «الانتقالي» من إدارة أرض الجنوب بحدود ما قبل 21 مايو (أيار) 1990. وإدارة موارد جنوب اليمن بسلاسة دون تأخير، متهماً الشرعية بالشراكة مع الحوثيين و«داعش» في تنفيذ الهجمات الأخيرة على العاصمة المؤقتة عدن.
وفي أول تعليق أممي على التطورات الأمنية في المدينة، عبر المبعوث إلى اليمن مارتن غريفيث عن قلقه، وقال في تغريدة على «تويتر»: «أشعر بالقلق من التصعيد العسكري في عدن، اليوم (أمس)، بما في ذلك التقارير عن الاشتباكات في محيط القصر الرئاسي، كما أنني أشعر بقلق عميق من الخطاب السائد في الآونة الأخيرة الذي يشجع على العنف ضد المؤسسات اليمنية».
وكان غريفيث التقى، في العاصمة الأردنية، عمان، حيث مكتبه الدائم، رئيس «الانتقالي الجنوبي» عيدروس الزبيدي، في سياق سعيه لإحلال السلام في اليمن، والتشاور مع مختلف المكونات والأحزاب والقوى الفاعلة على الأرض.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.