زعيم جيش تحرير السودان: سنقاوم سلمياً أي حكومة تتفق مع العسكر

عبد الواحد نور دعا الشباب إلى مواصلة الثورة والتحالف مع «الشيوعي» ونفى نيته «اختطاف الثورة»

عبد الواحد نور
عبد الواحد نور
TT

زعيم جيش تحرير السودان: سنقاوم سلمياً أي حكومة تتفق مع العسكر

عبد الواحد نور
عبد الواحد نور

رغم أجواء الفرح الشعبي العارم بالسودان، والترحيب الإقليمي والدولي، بتوصل المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، وقوى الحرية والتغيير التي تقود الحراك في الشارع، إلى توافق حول وثيقة الإعلان الدستوري التي تمهد الطريق أمام تشكيل حكومة انتقالية، يرفض عبد الواحد محمد نور، مؤسس ورئيس حركة وجيش تحرير السودان المقيم في باريس، هذا الاتفاق باعتباره قائماً على «المحاصصة الثنائية»، متوقعاً فشله في علاج أي من مشكلات البلاد المستعصية.
ويذهب عبد الواحد أبعد من ذلك، بمناشدة الشباب والنساء والمنظمات السياسية مواصلة الثورة السلمية لإسقاط الحكومة الانتقالية المقبلة. وقال إنه سيعارض أي حكومة انتقالية تبرم اتفاقاً مع العسكر، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن حركته ستواصل المقاومة السلمية مع الشباب والنساء وأصحاب المصلحة، موضحاً: «أوقفنا إطلاق النار لأسباب إنسانية، ونجدده كل ثلاثة أشهر، وعندما انتفض الشعب ضد البشير، كان طلابنا في الجامعات السودانية في قلب المظاهرات، وتم اعتقال المئات منهم، وأودعوا في السجون بشكل عنصري»، مناشداً الشباب والتنظيمات السياسية التي تسعى للتغيير بالانخراط في تحالف جديد «لإحداث التغيير الحقيقي عبر الثورة السلمية، وإسقاط حكومة المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير».
ووجه رئيس تحرير السودان الذي رفع السلاح ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير قبل 18 عاماً، ورفض توقيع أي اتفاقية سلام معه، نداء للحزب الشيوعي السوداني الرافض المشاركة في هياكل ومؤسسات الفترة الانتقالية للانخراط في التحالف الواسع لإنهاء حكومة العسكر والتغيير، وقال: «نلوم الحزب الشيوعي في الوقت نفسه لأنه وجه اتهامات للحركات المسلحة بأنها لم تفعل شيئاً لإسقاط البشير»، وأضاف: «هذه الحركات هي التي استطاعت تركيع النظام، وجعلته ينهار عبر استنزاف ميزانية الدولة التي تحولت إلى ميزانية حربية، كما عزلته دولياً حتى أصبح مطارداً بواسطة المحكمة الجنائية».
وقال نور الذي لم ينضم إلى قوى الحرية والتغيير إن «الثورة تعني تغييراً شاملاً وحقيقياً، وتحويل السلطة إلى مدنية كاملة، وليس بمشاركة العسكر»، وأضاف: «لكن ما حدث هو أن اختفى الرئيس المعزول عمر البشير، واستبدل به معاونوه في المجلس العسكري والميليشيا التابعة له»، وتابع: «ليس هناك من سبب يجعلهما شركاء في الثورة سوى البندقية التي يحملونها»، متهماً قوى سياسية دون أن يسميها في تحالف قوى الحرية والتغيير بأنها كانت جزءاً من نظام الرئيس السابق عمر البشير، وأخرى من صناعة النظام، وقال: «هذه التنظيمات التي كانت تشارك البشير في نظامه لن أحدد أسماءها وهي تعرف نفسها والشعب السوداني يعلمها، وهي التي أعطت الشرعية لنظام المؤتمر الوطني وعمراً جديداً للاستمرار في السلطة... وراكمت ثروة مالية، والآن هي التي اختطفت الثورة الشعبية»، وأضاف: «هناك قوى سياسية كانت في مفاوضات مع نظام البشير في أديس أبابا حتى قبيل الثورة بأيام، وآخرين شاركوا في الانتخابات التي جرت في ذلك العهد لإعطاء البشير شرعية، وقد صرف النظام أكثر من 140 مليون دولار على تلك القوى».
وقال نور إن الأوضاع الحالية لن تستمر، وإن فئات الشباب والنساء ستواصل الثورة لإسقاط نظام البشير الذي ما زال يحكم بأيدٍ خفية من أعوانه، مشيراً إلى أن قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري اكتسبا الشرعية من المجتمع الإقليمي والدولي، وليس من الشعب، معتبراً أن الوثيقة الدستورية التي جرى توقيعها الأحد الماضي مجرد محاصصة، كالاتفاقيات التي عقدها الرئيس السابق عمر البشير مع الحركة الشعبية في «نيفاشا» الكينية، المعروفة باتفاقية السلام الشامل 2005.
ونفى عبد الواحد نور بشدة أنه يسعى إلى خطف الثورة وثمارها، وقال: «نحن أول تنظيم سياسي عسكري لديه عناصر في الخرطوم ومدن السودان الأخرى، ولدينا الملايين من النازحين الذين ظلوا يقاومون سلمياً، ونحن نطالب بالدولة الديمقراطية العلمانية الفيدرالية والمواطنة المتساوية، ونعمل بالنضال السلمي، كما حملنا السلاح وتعرضنا للإبادة الجماعية والقصف بالسلاح الكيماوي، وقدمنا الشهداء».
وأوضح أن حركته ظلت ترفض الحلول الجزئية، رغم الإغراءات والضغوط الدولية، وأضاف: «نظام البشير منذ اليوم الأول اتهم طلاب الجبهة الشعبية المتحدة، وهي تنظيم تابع لنا، بأنهم وراء اندلاع الثورة، وهذا اعتراف. ومع ذلك، لم نسعَ إلى اختطاف الثورة لأنها ملك للشعب السوداني وحده، ونحن نطالب بدولة المواطنة دون إقصاء لأي طرف».
وفي مقابلة أخرى مع وكالة الأنباء الألمانية، قال عبد الواحد، من مقر إقامته في العاصمة الفرنسية: «الاتفاق الذي تم توقيعه عصر الأحد الماضي هو مجرد اتفاق محاصصة لتقاسم كعكة السلطة، وبالتالي لا يوجد مشروع لبناء الدولة أو حل مشكلاتها المتفاقمة»، وتساءل مشدداً: «أين التغيير الذي حدث؟! الثورة تعني تغيير النظام، لا التفاوض مع مَن ورثوه. الطرفان انتهازيان، سرقا الثورة وحوّلا الأمر لمكاسب خاصة بهما!».
وأضاف: «الشعب السوداني انتفض عن بَكْرة أبيه، وطالب بإسقاط نظام البشير العسكري الإسلامي من جذوره، وكان هتافه الأبرز (تسقط بس) فقط، لا تفاوض... فالثورة أجبرت البشير على الاختفاء من المشهد، والمجلس العسكري انتهز الفرصة وحل محله بالحكم، دون أي تفويض شعبي أو شرعي حينذاك... بالأساس لم يكن بقاؤهم بالمشهد والإبقاء على سلطة البشير خياراً مطروحاً مع اشتداد موجة الثورة يوماً بعد يوم... تلك القيادات هي امتداد لنظام البشير، ولطالما كانوا أدواته وآلياته في كل الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب».
ويستبعد نور أن يحمل المستقبل القريب أو حتى البعيد ما يبدد شكوكه حول طرفي الاتفاق، وقدرتهما على حل مشكلات البلاد، على الرغم مما تضمنه الإعلان الدستوري من بنود تؤكد مدنية الدولة، فضلاً عما يطلقه الطرفان من تصريحات ووعود بأن قضية السلام أهم القضايا الرئيسية التي سيتم العمل والتركيز عليها خلال الفترة المقبلة، وأوضح: «كما قلت، الاتفاق قائم على نظام المحاصصة، وهو النظام الذي قامت عليها أغلب الاتفاقيات التي جرت خلال عهد البشير بينه وبين مَن قَبل التفاوض معه من أحزاب سياسية وحركات عسكرية... ربما أكثر من أربعين اتفاقية، وكلها فشلت في تحسين أوضاع السودانيين».
وأردف: «مَن يتصور أن العسكر سيتركون السلطة واهم... والكل يعرف أن الرئيس القادم هو من قيادات هذا المجلس... وأن الحديث عن الانقلابات لدغدغة المشاعر وتخويف الناس من الحركة الإسلامية... ويقولون إذا اختفينا نحن من المشهد سيعود النظام القديم، متناسين أنهم بالأساس خرجوا من رحم تلك الحركة، بل وكانت طريقهم للوصول لمناصبهم الحالية... هم بالأساس اختزلوا جرائم البشير الذي قتل وهجّر الملايين من أهل دارفور والسودان بشكل عام في مجرد قضايا فساد مالي تافهة... ولن يسلّموه لمحكمة الجنايات الدولية لأنهم يعلمون أنهم لو فعلوا ذلك سيلحقون به، فهم كانوا أدواته في جرائمه».
وحول موقفه الراهن، قال نور: «لن نتفاوض أو نعقد صفقات مع أي حكومة ستنشأ عن هذا الاتفاق مع العسكر... وسنقاومها، والشعب السوداني الذي لطالما ناضلنا من أجله بات يعرف حقوقه جيداً، ونعتقد أنه سيكتشف تدريجياً مخاطر هذا الاتفاق، وينضم إلينا إلى أن يسقط، ونبدأ بتأسيس دولة مدنية صرفة على أسس صحيحة... أما طبيعة المقاومة وسبلها، سلمية أم عسكرية، فهذا يتوقف على معاملتهم لنا».
ولا يستبعد نور أن يحاول المجلس العسكري في الفترة القادمة ضم الحركات المسلحة إلى صفه، خصوصاً بعد أن فقدت تلك الحركات ثقتها بقوى الحرية والتغيير، وحتى لا يكونوا سلاحاً ضده إذا ما دعت الحاجة... كما استبعد أن يحدث أي خلاف بين رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح برهان ونائبه محمد حمدان دقلو المعروف بـــ«حميدتي». وشدد: «لا يوجد تصارع، بل تكامل... فالبشير بالأساس أفرغ الجيش من الكفاءات الوطنية، واستعان بدلاً منهم بالميليشيات، وفي مقدمتها (الجنجويد) التي غيّرت اسمها إلى قوات الدعم السريع، وهي الأكثر نفوذاً وقوة في البلاد... لذا بات برهان يمثل واجهة المجلس النظامية أمام المجتمع الدولي، بينما تقبع السلطة الحقيقية بيد حميدتي».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.