جبهة «حرب العملات» تنفتح «رسمياً» بين أميركا والصين

واشنطن تصنف بكين «متلاعبة بالعملة»... والأخيرة تحذر من فوضى عالمية

جبهة «حرب العملات» تنفتح «رسمياً» بين أميركا والصين
TT

جبهة «حرب العملات» تنفتح «رسمياً» بين أميركا والصين

جبهة «حرب العملات» تنفتح «رسمياً» بين أميركا والصين

لأول مرة منذ 25 عاماً، صنفت وزارة الخزانة الأميركية، بشكل رسمي، الصين دولة «متلاعبة بالعملة». ورد بنك الشعب (المركزي) الصيني نافياً ذلك، مشدداً على أن هذا القرار «سيضر بشدة بالنظام المالي الدولي، ويسبب الفوضى في الأسواق المالية».
جاءت الخطوة الأميركية بعد أن سمحت الصين لعملتها، اليوان، بالتراجع أمام الدولار لأدنى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية، حيث انخفض اليوان بنسبة 2.7 في المائة مقابل الدولار، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ 11 عاماً. وتخطى اليوان حاجز 7 يوانات لكل دولار خلال تعاملات الأيام الثلاثة الماضية.
ونفى البنك المركزي الصيني ادعاءات الولايات المتحدة بالسماح لليوان بالتراجع أمام الدولار كرد فعل على قرار الرئيس ترمب بفرض رسوم جمركية على ما قيمته 300 مليار دولار من الواردات الصينية. ورد البنك، في بيان أمس (الثلاثاء)، بأن قرار واشنطن بوصف بكين بأنها متلاعبة بالعملة «سيضر بشدة بالنظام المالي الدولي ويسبب الفوضى في الأسواق المالية». وقال إن التصنيف هو صورة أخرى من صور «السلوك الحمائي» الذي تمارسه إدارة الرئيس ترمب، وحذر من أنه سيكون له «تأثير كبير على التمويل العالمي».
وأضاف البنك، في أول رد رسمي للبلاد على أحدث أزمة أميركية في الحرب التجارية المتصاعدة بسرعة بين الجانبين، أن هذه الخطوة «ستمنع حدوث انتعاش اقتصادي وتجاري عالمي»، مؤكداً أن «الصين لم ولن تستخدم سعر الصرف أداة للتعامل مع النزاعات التجارية».
وتابع البيان: «نصحت الصين الولايات المتحدة بكبح جماح الأزمة قبل أن تصل إلى الهاوية، وأن تدرك أخطاءها، وأن تتراجع عن المسار الخطأ». بينما اعتبرت وزارة الخزانة الأميركية، بيان المركزي الصيني، اعترافاً صريحاً بأن البنك «يتمتع بخبرة واسعة في التلاعب بعملته، ولا يزال مستعداً للقيام بذلك بشكل مستمر».
وكان محافظ البنك المركزي الصيني، يي غانغ، قال في بيان مساء الاثنين، إن الصين «لن تشارك في تخفيض قيمة العملة التنافسية، ولن تستخدم سعر الصرف لأغراض تنافسية أو أداة للتعامل مع الاضطرابات الخارجية مثل النزاعات التجارية».
ويوم الاثنين، أعلنت وزارة التجارة الصينية أن شركاتها قد توقفت عن شراء المنتجات الزراعية الأميركية رداً على قرار فرض الرسوم الجمركية الأخير لواشنطن. وقال بنك الشعب الصيني: «في النهاية، ستأكل الولايات المتحدة ثمرة عملها». وحذرت وسائل الإعلام الصينية من أن بكين قد تستخدم موقعها المهيمن كأكبر مصدر إلى الولايات المتحدة، وسيلة ضغط في النزاع التجاري. وقد يتضمن ذلك استخدام منتجات حيوية تعتمد عليها واشنطن من بكين، مثل المعدات العسكرية والإلكترونيات الاستهلاكية عالية التقنية.
من جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن سياسته التجارية مع الصين لن يكون لها تأثير سلبي على المستهلكين أو المزارعين الأميركيين. وغرد ترمب أمس قائلاً: «تتدفق مبالغ ضخمة من الصين وأجزاء أخرى من العالم إلى الولايات المتحدة لأسباب تتعلق بالسلامة والاستثمار وأسعار الفائدة! نحن في وضع قوي للغاية. تأتي الشركات أيضاً إلى الولايات المتحدة بأعداد كبيرة. شيء جميل للمشاهدة!».
وتابع: «كما تعلمنا في العامين الأخيرين، يدرك مزارعونا الأميركيون العظماء أن الصين لن تكون قادرة على إيذائهم، لأن رئيسهم وقف معهم وعمل ما لم يفعله رئيس آخر - وسأفعل ذلك مرة أخرى العام المقبل إذا كان ضرورياً!».
وطالب ترمب رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بالتدخل والرد على ممارسات الصين. وقال في سلسلة من التغريدات يوم الاثنين: «لقد خفضت الصين سعر عملتها إلى أدنى مستوى تاريخي تقريباً. يطلق على هذا (التلاعب بالعملات). هل يستمع الاحتياطي الفيدرالي؟ هذا انتهاك كبير وسيضعف الصين إلى حد كبير بمرور الوقت!».
وأضاف: «بناء على التلاعب التاريخي بالعملة من جانب الصين، أصبح الآن من الواضح للجميع أن الأميركيين لا يدفعون الرسوم الجمركية - بل يتلقون أموالاً مجانية من الصين، والولايات المتحدة تستقبل عشرات المليارات من الدولارات!».
وجاء قرار الولايات المتحدة بتصنيف الصين دولة متلاعبة بالعملة بعد أقل من 3 أسابيع من إعلان صندوق النقد الدولي أن قيمة اليوان الصيني تتماشى مع الأسس الاقتصادية للصين، في حين أن قيمة الدولار الأميركي مبالغ فيها بنسبة من 6 إلى 12 في المائة.

الخيارات الأميركية
ولم تسمح السلطات الصينية لعملتها المحلية بالتراجع عن مستوى 7 يوانات لكل دولار منذ 2008؛ بل إنها في بعض الأحيان، تدخلت، عن طريق ضخ جزء من الاحتياطي الأجنبي الذي يحتفظ به البنك المركزي الصيني، لمنع العملة من التراجع عن ذلك المستوى. وكانت آخر مرة صنفت فيها الولايات المتحدة الصين دولة متلاعبة بالعملة في عام 1994، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.
ويتداول اليوان داخل الصين حالياً عند نحو 7.03 يوان لكل دولار، بينما يتم تداوله عند 7.05 يوان لكل دولار خارج الصين. واتخذ البنك المركزي الصيني يوم الثلاثاء خطوات إضافية لدعم عملته، بما في ذلك خطط لإصدار سندات حكومية بقيمة 30 مليار يوان في هونغ كونغ الأسبوع المقبل. ورغم أن إصدار هذه السندات يتم بشكل منتظم، فإن المبلغ هذه المرة يبدو كبيراً. ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل المعروض من اليوان في السوق، وبالتالي تزيد قيمته.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، سمح البنك المركزي الصيني لليوان بالتحرك بنسبة 2 في المائة صعوداً وهبوطاً أمام الدولار، على أساس السعر اليومي الذي يحدده البنك. وطوال تلك الفترة كانت الصين دائماً مدرجة في «قائمة المراقبة» في المراجعة نصف السنوية التي تجريها الخزانة الأميركية لممارسات العملة من قبل شركاء الولايات المتحدة التجاريين. وأظهرت المراجعة الأخيرة التي تمت في مايو (أيار) الماضي، أن الصين انطبق عليها معيار واحد فقط من المعايير الثلاثة التي يتم على أساسها تحديد إذا كانت الدولة تتلاعب بالعملة أم لا، طبقاً لقانون تطبيق وتيسير التجارة لعام 2015.
وجاء تصنيف يوم الاثنين بموجب قانون قديم، وهو قانون التجارة الخارجية والتنافسية الشامل لعام 1988، الذي يمنح مساحة أكبر لوزارة الخزانة في تصنيف الدول المتلاعبة بالعملة. وبموجب هذا القانون، سيكون أمام الولايات المتحدة خياران: إما التفاوض مع الصين، أو رفع القضية إلى صندوق النقد الدولي. وقد تشمل العقوبات الأميركية على الصين حظر مؤسسة الاستثمار الأميركية الخاصة عبر البحار من الاستثمار في الصين، وهي وكالة حكومية أميركية تستثمر في البلدان النامية. ومن المرجح أيضاً أن تطلب الولايات المتحدة من صندوق النقد الدولي أن يزيد الرقابة على ممارسات الصين في العملة.

أسلحة الحرب
ويرى الخبراء أنه نظراً لأن الصين تستورد كمية أقل من البضائع من الولايات المتحدة مقارنة بما تصدره، فإن الدولة الآسيوية لديها منتجات محدودة يمكنها فرض تعريفات إضافية عليها كرد فعل على التعريفات التي يفرضها ترمب على الواردات الصينية. وهذا يقيد قدرة بكين في الرد على تعريفات ترمب، ويترك أمامها عدداً قليلاً من الخيارات الجيدة التي يمكن أن تستخدمها في التفاوض والمناورة مع أميركا. ولهذا لجأت الصين إلى الخيار الأقرب والأسرع، وهو السماح لليوان بالتراجع أمام الدولار حتى تجعل البضائع الصينية أرخص نسبياً للمشترين الأميركيين.
وقد يظهر ذلك الدولار قوياً؛ لكن ذلك سيكون بشكل «ظاهري» فقط، بمعنى أن قوة الدولار أمام عملة أخرى - في حالة تخفيض قيمة هذه العملة بشكل متعمد - سيكون قوة ظاهرية لا تستند على زيادة في الصادرات الأميركية. وأبدى ترمب مخاوفه من أن قوة الدولار تؤذي الولايات المتحدة في التجارة الدولية بجعل صادراتها أكثر تكلفة.
ويرى بعض المحللين أن تصنيف الصين دولة متلاعبة بالعملة يحمل «أهمية رمزية» فقط، ويهدف بالأساس لتنشيط القاعدة الانتخابية للرئيس ترمب بعد أن حذرت بعض الدراسات من احتمالية تباطؤ الاقتصاد الأميركي بسبب النزاع التجاري مع الصين. ومن المرجح أن تلجأ الإدارة الأميركية إلى الرد على ممارسات بكين برفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية إلى مستوى 25 في المائة. وهناك مخاوف أيضاً من «حرب عملات عالمية».



خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.