السياحة منجم جنوب أفريقيا الجديد

من الطبيعة الغنية إلى قصص مثيرة عن نيلسون مانديلا

كيب تاون
كيب تاون
TT

السياحة منجم جنوب أفريقيا الجديد

كيب تاون
كيب تاون

كانت جنوب أفريقيا ولحقبة طويلة من الزمن دولة منبوذة ومعزولة، بسبب ممارسات الفصل العنصري، واضطهاد الأقلية البيضاء للأكثرية السوداء، ولكنها قفزت في السنوات الأخيرة لتُصبح واحدة من دول العالم السياحية. يقصدها ملايين السياح للتمتع بشواطئها النظيفة وصحاريها الرملية ومنحدراتها الصخرية وغاباتها وبحيراتها ومواقعها الأثرية الحفرية الأقدم في العالم. الأهم من كل هذا، فرصة تتبع حياة الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، وزيارة متحف الفصل العنصري الذي لا يزال شاهداً على العنصرية المقيتة. فالناس هنا لا يريدون كَنس المكان وإخفاء الأوساخ تحت السجادة، ولكنهم راغبون في عرضها أمام العالم، ليقولوا هكذا كنا وهكذا تحولنا إلى مجتمع إنساني يعيش شهر عسل ما بعد الفصل العنصري.
الآن تضم جنوب أفريقيا كثيراً من أوجه الجمال التي تستحق الزيارة في كل الفصول، وخصوصاً عندما يكون الشتاء مخيماً على نصف الكرة الشمالي، بينما يكون الصيف مشرقاً وبهيجاً فيها.

شعب بألوان «قوس قزح»
تقع جنوب أفريقيا في أقصى جنوب القارة، وهي من ضمن أكبر 25 دولة في العالم من حيث مساحة الأرض، بينما يبلغ عدد سكانها أكثر من 57 مليون نسمة، وهم مثل ألوان «قوس قزح» في تنوعهم. 80 في المائة منهم من السود الناطقين بلغات أفريقية مختلفة، وهؤلاء لم يتم منحهم حق الانتخاب حتى عام 1994، ويتحدثون عشر لغات رسمية. أما ما تبقى من السكان فهم من أصول أوروبية وآسيوية (هندية) وأجناس متعددة الأعراق والأديان، ومنها الدين الإسلامي. كما تشكل اللغة الإنجليزية القاسم المشترك بينهم، ولا تزال لغة التفاهم والتجارة والعمل والتعليم. فهي ما تبقى من إرث الاستعمار البريطاني.
كيب تاون هي العاصمة الرسمية للبلاد، إلا أن كلاً من بريتوريا وجوهانسبرغ هما أكثر شهرة، وكثيراً ما يتم الخلط بين الأخيرة وبين العاصمة؛ خصوصاً أنها واحدة من أكبر 50 منطقة حضرية في العالم. فإلى جانب أنها أكبر وأغنى مقاطعة في جنوب أفريقيا، هي أيضاً مقر المحكمة الدستورية، ومركز تجارة الذهب والماس على المستوى العالمي. ولكن يبدو أن السياحة قد تفوقت على التعدين، وصارت هي الذهب الجديد بالنظر إلى توافد ملايين السياح كل عام إليها. فقد حصلوا على كل إشارات الأمان وارتاحوا للحداثة والحياة العصرية، كما تبدلت النظرة الخاطئة التي كانت ترى في هذا البلد غابة برية تتجول فيها الأسود والنمور في الشوارع.

أهم أماكن الجذب السياحي في جنوب أفريقيا
Table Mountain (جبل الطاولة)
أينما كنت في العاصمة، كيب تاون، فإن عينيك سوف تلتقطان جزءاً من هذا الجبل الذي يبلغ ارتفاعه نحو 1000 متر، ويبدو شديد الانحدار من الجوانب، ولكنه مسطح من الأعلى (ومن هنا جاءت تسميته). وهو واحد من أقدم الجبال على هذا الكوكب، ومن عجائب الدنيا السبع الجديدة، والمعلم الأيقوني، ونقطة الجذب الرئيسية للسياح. وهذا يعني أنه الأكثر تصويراً في البلاد أيضاً.
وهنالك طريقتان للوصول إلى قمة الجبل، أولاهما بواسطة التلفريك، وثانيهما سيراً على الأقدام. ولكن هذه الطريقة تناسب فقط من يتمتعون بدرجة معقولة من اللياقة البدنية؛ لأن الصعود قد يستغرق بضع ساعات، ولا بد من انتعال حذاء مناسب والتزود بكمية مناسبة من الماء والطعام الخفيف.
بمجرد الوصول إلى القمة ستظهر الأرض غير مسطحة كما تبدو من بعيد، وتحتوي على عدد من الوديان والقمم. وهي موطن لآلاف الأنواع من النباتات والزهور. ويمكن للمتسلق أن يحظى بمناظر بانورامية لجزيرة روبن؛ خصوصاً في وقت الغروب والمساء. أما السياح الأكثر جُرأة، فيمكنهم الصعود إلى القمة بالمظلات، وهي رحلة آمنة، وتتم بإشراف محترفين.

Two Oceans Aquarium (حوض المحيطين للحيوانات البحرية)
يقع في كيب تاون، وتم افتتاحه عام 1995. وهو نقطة التقاء المحيطين الهندي والأطلسي، ويعرض الحياة البحرية المتنوعة داخلهما، ومن هنا جاء اسمه. يضم الحوض سبع نوافذ زجاجية ضخمة، وصالات واسعة تختزن الملايين من غالونات الماء. ويمكن للزائر أن يدخل في الأنفاق العميقة، ويقترب من أسماك القرش العملاقة وأسماك البطريق. كما يمكنه التمتع بمشاهدة أعشاب البحر ونجم وسرطان البحر وشقائق النعمان البحرية، والدخول إلى المسبح. أما الغواصين المؤهلين، فيُمكنهم الوصول إلى أعماق الماء للسباحة مع الأسماك والحيوانات البحرية النادرة، مثل قنديل البحر الشفاف وفرس البحر الصغير والعنكبوت العملاق والأسماك المتلألئة.
وثمة أنشطة مسلية للصغار، وعروض للدمى والفنون الموسيقية. ويفضل حجز تذاكر الدخول عبر الإنترنت، لتلافي الزحام والطوابير الطويلة.

Cradle of Humankind (مهد البشرية)
موقع أنثروبولوجي يقع على بُعد 90 دقيقة بالسيارة عن وسط مدينة جوهانسبرغ، ويعد واحداً من مواقع التراث العالمي لليونيسكو، بعد أن دخل القائمة في عام 1999. يشغل الموقع نحو 47000 هكتار، ويحتوي على كثير من الكهوف الجيرية، ويمكن القول إنه أغنى موقع بشري في العالم؛ لأنه الموطن لنحو 40 في المائة من جميع الحفريات المكتشفة؛ حيث يمكن للزائر مشاهدتها في المتحف الملحق بالموقع، والتعرف على الأحجار واللقى، وخمسة عشر هيكلاً عظمياً متحجراً من فصيلة هومينين المنقرضة التي تم العثور عليها مؤخراً.
وبعيداً عن الحفريات، فإن هذه المنطقة هي موطن لمجموعة متنوعة من الطيور والنباتات النادرة المهددة بالانقراض. هذا وتتيح الزيارة فرصة تناول الطعام في جو هادئ على المحيط، واكتشاف الحياة البرية الرائعة، أو اختيار بعض الزوايا لالتقاط صور الزفاف المميزة، أو المبيت في أحد الفنادق المريحة بقرب المكان.

Nelson Mandela Square (ساحة نيلسون مانديلا)
كان اسمها سابقاً «ميدان ساندتون» قبل عام 2004، حيث أزيح الستار عن تمثال برونزي بطول 20 قدماً للزعيم الراحل نيلسون مانديلا. وهو ميدان عام ومركز للتسوق في مدينة جوهانسبرغ، تحيط به مطاعم راقية ومتاجر فاخرة للبيع بالتجزئة. ويمكن للسائح المشي إلى مركز التسوق (Sandton City) المجاور، أو الاستمتاع بأحد العروض الحية الزاخرة بالألوان التي تقدم في الميدان.
وغالباً يصادف السائح مجاميع من تلاميذ المدارس وهم يزورون النصب، ويقدمون بعض النشاطات الموسيقية الغنائية التي تتغنى بالزعيم ودوره في إنهاء حقبة التمييز العنصري بسلام. وعموماً هو مكان متميز يجمع السياح من كل أنحاء العالم، ويتيح الفرصة لتناول وجبة في أحد المطاعم الراقية التي تقدم أطباقاً محلية تقليدية إلى جانب أطباق من المطبخ العالمي. لكن عيب هذا المكان أنه مزدحم جداً في موسم السياحة، ما يستدعي الوقوف في طوابير طويلة قبل الدخول إلى أي من هذه المطاعم.

Boulders Beach (شاطئ الصخور)
إذا كنت من هواة مراقبة الطيور، وخصوصاً البطريق، فإن هذا الشاطئ مناسب تماماً لك. برسوم زهيدة يفتح الباب للسير في ممشى طويل عبارة عن شواطئ تُغطيها الرمال البيضاء، وعلى الجانبين تتقافز هذه الطيور، ربما لتظهر انزعاجها من المتطفلين أو ربما لترحب بهم؛ خصوصاً وأن بعضهم لا يبخل عليها بالطعام. ويمكن هنا التقاط الصور والأفلام واكتشاف البرك الصخرية الصغيرة حول الشاطئ، وممارسة السباحة أو السير باتجاه القرى الصغيرة التي يسكنها الصيادون.
عندما تُصاب بالتعب، يمكنك استئجار سيارة تأخذك إلى منازل الشاطئ الملونة، لتناول الطعام في أحد المطاعم التي تقدم طعاماً متنوعاً، يشمل اللحوم والوجبات المحلية والحمص والفلافل.

Robben Island (جزيرة روبن)
تحمل هذه الجزيرة تاريخاً حزيناً، كونها مثالاً صارخاً لسياسة الفصل العنصري التي عاشته البلاد. فقد كانت المكان الذي سجن فيه نيلسون مانديلا. يمكن الوصول إلى الجزيرة بواسطة العبَّارات الصغيرة التي تنطلق من مدينة كيب تاون. بعدها يمكن القيام بجولة بواسطة الحافلة، تتجول بك بين الأزقة وعبر بوابات السجن. ورغم أنها رحلة غير سعيدة، فإنها تبعث الأمل وتجدد الثقة بقدرة الناس على التعايش وقبول الآخر ودعم بعضهم لبعض من خلال الدخول في حوارات مع السكان المحليين. الأفضل حجز التذاكر مقدماً من خلال الموقع على الإنترنت.

V&A Waterfront واجهة (في آند إيه) المائية
واحدة من أكبر مناطق الجذب السياحي في البلاد. تتوسطها المطاعم الشعبية والمقاهي والمحلات التجارية الراقية، والمسارح ومحلات الحرف اليدوية، وليس بعيداً عنها يوجد المتحف البحري وبرج الساعة والحدائق النباتية. ورغم أن مواطني جنوب أفريقيا يعترفون بافتقارهم إلى مطبخ غني ومميز، فإنهم تداركوا الأمر، وأصبحوا يتفننون في كل الأنواع، مثل مطعم أفريقيا، الذي يُقدم نحو 16 طبقاً كلها بنكهات أفريقية مختلفة، من السبانخ الكونغولي والكاري الأوغندي، إلى الجبن الأبيض الإثيوبي الرائب مع الأعشاب المحلية، والمثلجات الطبيعية بنكهات النعناع والتوت وجوز الهند وكراميل التمر والهيل الداكن.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.