السلطة الفلسطينية تعتزم وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل «قريباً»

عباس التقى اللجنة المكلفة تنفيذ القرار... والشروع في منح تراخيص في مناطق «ج»

محتجون فلسطينيون على حدود قطاع غزة مع إسرائيل اول من أمس (إ.ب.أ)
محتجون فلسطينيون على حدود قطاع غزة مع إسرائيل اول من أمس (إ.ب.أ)
TT

السلطة الفلسطينية تعتزم وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل «قريباً»

محتجون فلسطينيون على حدود قطاع غزة مع إسرائيل اول من أمس (إ.ب.أ)
محتجون فلسطينيون على حدود قطاع غزة مع إسرائيل اول من أمس (إ.ب.أ)

تعتزم السلطة الفلسطينية تنفيذ قرار وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل في وقت قريب، في خطوة تصعيدية جديدة.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صالح رأفت، إن لجنة مشكَّلة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس بدأت اجتماعات متواصلة لوضع آليات تطبيق القرار الذي اتخذ قبل أكثر من أسبوع. والتقى عباس أعضاء اللجنة، أمس، وطلب وضع الآليات المطلوبة لوقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل «التزاماً بقرارات القيادة متمثلة بالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير». ويُفترض أن ترفع اللجنة توصياتها واقتراحاتها إلى القيادة الفلسطينية في أقرب وقت ممكن.
وترأس عباس بنفسه اجتماع اللجنة لوضع الآليات الفورية لتنفيذ القرار الذي اتخذ في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، رداً على موجة اعتداءات إسرائيلية ضد الفلسطينيين في شرقي القدس والضفة الغربية. والتقى عباس مع اللجنة، في مقر الرئاسة بمدينة رام الله، وطلب وضع الآليات المطلوبة لوقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل «التزاماً بقرارات القيادة متمثلة بالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير».
ويُفترض أن ترفع اللجنة توصياتها واقتراحاتها إلى القيادة الفلسطينية في أقرب وقت ممكن.
وقال رأفت إن اللجنة تواصل اجتماعاتها لوضع الآليات الفورية لتنفيذ القرار. وأضاف: «القيادة الفلسطينية تتحرك على جميع المستويات لمجابهة الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد الفلسطينيين، بما في ذلك مع الأمم المتحدة والدول الكبرى لعقد مؤتمر دولي لوضع آليات لتنفيذ آليات الشرعية الدولية وتمكين الشعب الفلسطيني من تجسيد دولته وفق القرارات والشرعية الدولية».
وفي وقت لاحق أعلن مسؤول في اللجنة الفلسطينية المكلفة وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل، أنها لم تتخذ في أول اجتماع رسمي لها أي قرارات فورية بشأن المهام الموكلة إليها. وقال المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن اللجنة اكتفت لدى اجتماعها برئاسة الرئيس محمود عباس في مقر الرئاسة في رام الله، باستعراض الخطوط العريضة لعملها.
وأوضح المسؤول أنه لم يتم اتخاذ أي قرارات على الفور، بما في ذلك البت بمستقبل التنسيق الأمني مع إسرائيل، على أن يتم البحث أكثر وتحديد الخيارات فيما يتعلق بالخطوات الفلسطينية المقبلة، ودراسة تداعيات الأمر. وفي الوقت نفسه، أشار المسؤول إلى أن عباس أكد استمرار خطوات الحكومة للانفكاك التدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي، والبحث عن بدائل عربية، خصوصاً الأردن والعراق.
وكان عباس اتخذ، نهاية الشهر الماضي، وذلك بعد أيام من عملية إسرائيلية تمثلت بهدم أكثر من 100 وحدة سكنية فلسطينية، في وادي الحمص شرقي القدس، قراراً بوقف الاتفاقات مع إسرائيل.
وقال عباس آنذاك: «لن نرضخ للإملاءات وفرض الأمر الواقع على الأرض بالقوة الغاشمة، خصوصاً في القدس المحتلة، مضيفاً: «لا سلام ولا أمن ولا استقرار في منطقتنا والعالم دون أن ينعم شعبنا بحقوقه كاملة».
وكانت هذه المرة الأولى التي يخرج فيها الرئيس الفلسطيني ليعلن بنفسه وقف العمل بالاتفاقيات التي وقعت عام 1993 مع إسرائيل، وليس مجرد أنه ينوي ذلك. ويدور الحديث عن اتفاق أوسلو وملاحقه الأمنية والاقتصادية. لكن هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها القيادة الفلسطينية قرارات من هذا النوع. وتبدو المسألة معقدة لأن إسرائيل تتحكم بمعظم مناحي حياة الفلسطينيين، وهو الذي يجعل تطبيق الفلسطينيين لقرارات استقلالهم صعبة، ومحل شكوك. لكن الضغوط المالية الكبيرة التي مارستها الولايات المتحدة على الفلسطينيين وما رافقها من إجراءات إسرائيلية تمثلت بخصم أموال كبيرة من عوائد الضرائب الفلسطينية، وضعت السلطة في أزمة مالية خانقة، وأصبحت خيارات الفلسطينيين أقل، وبالتالي احتمال اتخاذهم قرارات مصيرية أصبح أكبر.
وفي سياق التحديات التي بدأها الفلسطينيون، أعلن وزير الحكم المحلي الفلسطيني مجدي صالح، عزم وزارته منح تراخيص بناء في مناطق «ج» الخاضعة لسيطرة إسرائيل أمنياً وإدارياً في الضفة الغربية.
وقال صالح إنه سيتم البدء بتنفيذ مخططات هيكلية تنظيمية في جميع المناطق، بغضّ النظر عن التصنيفات الإسرائيلية التي تعتبر مناطق «ج» مستباحة لها، مبيناً أنه سيتم منح الرخص في جميع المناطق بحسب النمو السكاني. وأشار صالح إلى أن الاتحاد الأوروبي أبدى موافقته لتنفيذ مشاريع تنموية في مناطق «ج»، ولكن إجراءات الاحتلال تحول دون تنفيذها، مؤكداً أن القانون الدولي لا يمنح الاحتلال أي صفة قانونية لتنظيم البناء في الأراضي الفلسطينية، وأن هذا يقتصر على مجلس التنظيم الأعلى الفلسطيني.
وبحسب اتفاق أوسلو للسلام، فإن الضفة الغربية تقسم لثلاث مناطق، الأولى «أ» وتخضع أمنياً وإدارياً للسيطرة الفلسطينية، والمنطقة «ب» وتخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية وإدارية فلسطينية، فيما المنطقة «ج»، تشكل نحو 60 في المائة من الضفة الغربية، فتخضع لسيطرة إسرائيل أمنياً وإدارياً. ولا يعرف إذا ما كان الفلسطينيون سيستطيعون التحكم في مناطق تسيطر عليها إسرائيل بالقوة نظراً لتحكم إسرائيل أيضاً في المناطق التي يسيطر عليها الفلسطينيون.
وقبل أيام، اتخذ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابنيت) قراراً يسمح ببناء 715 وحدة سكنية لفلسطينيين في مناطق «ج»، بما يسمح ببناء 6 آلاف وحدة استيطانية في المستوطنات بالمنطقة ذاتها، ما أثار ردود فعل فلسطينية غاضبة ترفض المخطط وتعتبره جزءاً من مخططٍ لضم تلك المناطق لإسرائيل.
وذكرت منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية، مساء أول من أمس (الجمعة)، أن إسرائيل تخطط لبناء 2430 وحدة استيطانية، بالإضافة إلى إعادة بناء 4 مستوطنات تم إخلاء بعضها.
وقال رأفت إن هدف حكومة بنيامين نتنياهو اليمنية المتطرفة هو تكريس احتلالها الاستعماري لعموم أنحاء الضفة بضمها لإسرائيل، ومنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران)، وعاصمتها القدس الشرقية، بحيث تضم قطاع غزة والضفة.
وأضاف أن هدف حكومة نتنياهو بدعم من إدارة ترمب القضاء على حل الدولتين وتكريس الاحتلال الإسرائيلي لعموم أنحاء الضفة، وفي مقدمتها القدس الشرقية.
ورداً على التوجه الإسرائيلي، دعت القوى الوطنية والإسلامية في رام الله، لاعتبار يوم الجمعة المقبل، يوم تصعيد ميداني على جميع نقاط الاحتكاك، ومنها وادي الحمص شرقي القدس، رفضاً لمشاريع الاحتلال وخطط البناء الاستيطاني ومصادرة الأراضي، وتمسكاً بالبناء الفلسطيني في كل المناطق.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.