«مهرجان صندانس» ما زال يجذب هوليوود الباحثة عن الجيد والجديد

يعرض فيلمين عن الهم السوري

من «أنا أصول»
من «أنا أصول»
TT

«مهرجان صندانس» ما زال يجذب هوليوود الباحثة عن الجيد والجديد

من «أنا أصول»
من «أنا أصول»

هناك ثلج كثيف هذا العام فوق تلك البلدة التي تحب الخشب والتي ستستوعب عشرات ألوف الزائرين ما بين السادس عشر من هذا الشهر وحتى السادس والعشرين منه. الكثير من مبانيها خشبية، أسسها جيل وطئ تلك الجبال العالية في ولاية يوتا وعدها مسكنا. تصل إلى مطار عاصمة الولاية (سولت لايك سيتي) ولديك خيارات: طائرة مروحية ترتفع بك فوق الجبال الشمالية لتحط بك في «بارك سيتي» حيث المهرجان، أو تأخذ سيـارة تصعد بك تلك الجبال ذاتها وتتوقـف بك عند الشقـة أو الفندق الذي ستحل به.
هناك آلة لإزاحة الثلج تعمل في أحد الشوارع الموصلة إلى المبنى الذي تتخذه إدارة المهرجان مركزا لها، لكن السحب والبرد يهددان بمزيد من الثلوج، وهي لا تزال على أي حال تغطي الميادين والحدائق والمباني. هذا ما تتوقـعه وهذا ما تراه. أنت هنا في مهرجان شتوي بولاية شمالية في عام تميـز ببرودته الشديدة. وسط ذلك، وفي جحور صالات السينما، ستخرج للنور أفلام جديدة لم تعرض سابقا، والجامع بينها أنها تلتقي تحت مظلـة السينما المستقلة. المهرجان اسمه «صندانس»، وذلك تيمـنا بنصف عنوان فيلم «بوتش كاسيدي آند صندانس كـد» الذي حققه جورج روي هيل سنة 1969 مع روبرت ردفورد في دور «صندانس كد» (وبول نيومان كبوتش كاسيدي).
لكن المهرجان بدأ قبل أن يقرر روبرت ردفورد إدارته ومؤسسة «صندانس» التي جرى تأسيسها قبل نحو ثلاثين سنة. الدورة الأولى من هذا المهرجان جرت في عام 1978 في العاصمة بغاية جذب هوليوود للتصوير في ربوع ولاية يوتا. في ذلك العام، كانت هناك عدة عروض لافتة، ليست بالضرورة مستقلـة الإنتاج، لكنها كانت جيـدة بل متميـزة؛ من بينها فيلم جون شليسنجر «مدنايت كاوبوي» حول التكساسي الذي يحط في نيويورك بكبريائه ليخرج منها ذليلا، ومواطنه البريطاني جون بورمان قدم فيلمه الصارخ «خلاص» عن أربعة رجال حطـوا الرحال في غياهب أدغال الجنوب الأميركي وخرجوا أيضا مهزومين.
روبرت ردفورد نقله إلى تلك الجبال العالية وغيـر موعده من سبتمبر (أيلول) إلى يناير (كانون الثاني) وخصصه للسينما التي يحققها الجدد وبجهود خارج مؤسسات هوليوود الكبيرة. سريعا ما انتبهت هوليوود إلى أن هناك منجم ذهب في هذه الأفلام التي لم تنتجها ولن تكلـفها كثيرا إذا ما اشترتها، فأخذت تتوجـه إلى يوتا لا للتصوير، كما كانت الخطـة الأولى، بل للتبضـع. في السنوات الخمس عشرة الأخيرة ظهر واضحا أن المهرجان صار ملتقى سينمائيين يريدون أن يبيعوا ومؤسسات هوليوودية تريد أن تشتري.
وفي حين شاخت مهرجانات أميركية أخرى، منها مثلا «سان فرانسيسكو» الذي خطف الأضواء في السبعينات وجزء من الثمانينات، ومثل «شيكاغو» الذي لعب على أوتار محبي سينما الدهشة والعناوين الكبيرة في الثمانينات.

* حروب وإرهاب
ثلاثون سنة ونيـف ليست بالقليلة، وروبرت ردفورد، (77 سنة)، يوحي بأنه سيترك العمل الإداري ويقدم على المزيد من التمثيل والإخراج وربما على إنتاج حلقات تلفزيونية. لكنه سواء أعلن عزمه هذا خلال هذه الدورة أو بعدها، إلا أن ما جرى اختياره لها من أفلام يؤكـد أن «صندانس» لا يزال هو الملتقى المنشود لصانعي السينما، خصوصا من الأجيال الأصغر منه سنـا. ومثل كل مهرجان آخر، هو فخور بالعروض العالمية الأولى التي جمع من بينها تسعة عشر فيلما ليعرضها في قسم خاص.
واحد من هذه الأفلام «فتوة» (Boyhood) للمخرج ريتشارد لينكلتر المعروف بثلاثية «ما قبل»، التي احتوت على «ما قبل الغروب» و«ما قبل الشروق»، ثم «ما قبل منتصف الليل» في العام الماضي. «كالفاري» للآيرلندي جون مايكل ماكدوناف، يدور حول راهب طيب لديه أسبوع واحد ليعيشه حسب تهديدٍ، مصدره رجل غامض. ومن آيرلندا أيضا، «فرانك» لليني أبرامسون، حول حياة موسيقار شاب يقع تحت استغلال الذين لجأ إليهم لمساعدته.
المخرج الأميركي مايك كاهيل، الذي سبق أن اختطف جائزة رئيسة من هذا المهرجان عام 2011 عن فيلمه «أرض أخرى»، يعود بفيلم عنوانه «أنا أصول» (I Origins) الذي يمنحه مجال اللعب حول علاقة رومانسية بين تلميذ البيولوجي وفتاة ربما كانت أكثر من بواعث أحلامه.
الأنظار ستتوجـه لفيلم تشويقي من كتابة جون لي كاري بعنوان «أكثر رجل مطلوب» (A Most Wanted Man)، حول جاسوس ألماني اسمه غونتر باكمان يتعقـب مهاجرا شيشانيا وصل هامبورغ بغية معرفة ما إذا كانت له علاقة بـ«إرهابيين مسلمين»، كما يذكر الفيلم في ملخـصه. الفيلم من إخراج أنطون كوربين الذي قدم لنا عام 2010 فيلم «الأميركي»؛ بطولة جورج كلوني في دور القنـاص الذي يلجأ لبلدة إيطالية صغيرة لكي يغيـر حياته، ليكتشف أن ذلك لن يكون سهلا. بطولة «أكثر رجل مطلوب» للممثل فيليب سايمور هوفمن وراتشل أدامز ووليم دافو.
من بين «البرمييرز» أيضا، فيلم كان المخرج البريطاني مايكل ونتربوتوم صور جزءا منه تحت عنوان «الرحلة» عام 2010. لا أحد يعرف لماذا؟ لأن المخرج المعروف لم يطرحه للتوزيع، وقليلون جدا الذين أتيحت لهم مشاهدة الفيلم. الآن، يعود في فيلم، ربما هو تكملة لسلسلة في البال، صوره في العام الماضي، بعنوان جديد هو «الرحلة إلى إيطاليا»، من بطولة ستيف كوغن وروب بريدون.
في «صندانس» أربع مسابقات، اثنتان منها للروائي، واثنتان منها للتسجيلي. المسابقتان الروائيـتان؛ واحدة أميركية والثانية عالمية، كذلك الحال بالنسبة للتسجيلي.
أحد الأفلام التسجيلية الأميركية التي يـنتظر لها أن تلقى إقبالا كبيرا: «الفريق ئي» (E - Team)، وهو الفريق الذي تبعث به مؤسسة (Human Rights Watch) لتقصـي الحقائق على الأرض. وما يهم مخرجي الفيلم، روس كوفمن وكاي شيفيني، هو ما رصده الفريق حين وصل إلى ليبيا وإلى سوريا من سوء أوضاع وفساد وسقوط الحقوق الإنسانية تحت وطأة الديكتاتورية الفردية.
في الشأن السوري، وفي مسابقة الأفلام التسجيلية العالمية، نشاهد «عودة إلى حمص» الذي أخرجه طلال ديركي، حول شابـين سوريين يعودان إلى مدينتهما حمص، منقبين في حالها تحت وطأة الحرب الدائرة. كلاهما يتحول بعد حين من شابين مسالمين إلى مقاتلين في صفوف المعارضة ضد الحكم الباطش.
والموضوع السياسي يمتد ليشمل فيلما فرنسيا نمساويا مشتركا عنوانه «أتينا كأصدقاء»، ويتناول استغلال الصين من ناحية ومؤسسات أوروبية وأميركية من ناحية أخرى الوضع في جنوب السودان لاستثماره لصالح مواردها الاقتصادية. يكشف الفيلم، الذي أخرجه الفرنسي هوبير سوبر، عن كيف تشتري الصين 300 ألف برميل نفط يوميا من موقع في جنوب السودان بينما يموت سكان القرية القريبة من جراء تسمم مياههم الطبيعية.

* أين أفلام الدورة الماضية؟
* ككثير من مهرجانات العالم، قليل فقط من الأفلام التي يعرضها «صندانس» يجد طريقه لعروض نشطة لاحقا. في العام الماضي، نال فيلم «أخ بالدم»، لستيف هوفر، جائزة المهرجان كأفضل فيلم تسجيلي أميركي، لكنه بعد جولة شملت بضعة مهرجانات لا يزال يبحث عن توزيع، على عكس فيلم تسجيلي أميركي آخر عنوانه «وعد أميركي» الذي شهد عروضا تجارية وإن لم تكن مثمرة. الفيلم الذي شهد رواجا أفضل، وإن بقي محصورا، هو الروائي الأميركي «ليست هذه أبدان ملائكية» لديفيد لاوري، كذلك «اقتل أحباءك» لجون كروكيداس. معظم الباقي اختفى.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً