«العهد الجديد» في المغرب أنهى الاحتقان السياسي

اجتاز «الربيع العربي» بورشة إصلاحات دستورية... وأطلق مشاريع التنمية

العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
TT

«العهد الجديد» في المغرب أنهى الاحتقان السياسي

العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)

مثّل تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس الحكم، خلفاً لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، عام 1999، نقطة انطلاق ما سُمّي آنذاك «العهد الجديد» الذي بدأ بإنهاء سنوات الاحتقان السياسي وإطلاق مشاريع التنمية لمحاربة الفقر، وصولاً إلى إصلاح الدستور الذي سهّل اجتياز المغرب موجة احتجاجات «الربيع العربي» عام 2011، غير أن هناك تحديات كبيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما زال على المغرب مواجهتها للحفاظ على استقراره.
ورث الملك محمد السادس إرثاً سياسياً ثقيلاً نتج عن سنوات طويلة من الصراع السياسي بين الحكم والمعارضة، فكان لا بد من طيّ ملف الانتهاكات الجسيمة بحق المعارضين السياسيين، عبر إنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» في يناير (كانون الثاني) 2004، بناء على قرار ملكي بالموافقة على توصية صادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
ومكّنت الهيئة من كشف مصير 801 من ضحايا الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي أو من سقطوا خلال أحداث اجتماعية مختلفة، وتحديد أماكن دفن رفات 385 حالة. وحسب تقرير رسمي عرضه قبل أسابيع الوزير المكلف حقوق الإنسان مصطفى الرميد «لم يتبق إلا ست حالات، من أصل 66 حالة تركتها الهيئة، لم تمكن التحريات المنجزة بشأنها من الوصول إلى حقائق مؤكدة أو قناعات راجحة بشأن وفاة المعنيين بها».
وحسب التقرير ذاته، فإن العدد الإجمالي للمستفيدين من التعويض المالي بالنسبة إلى «هيئة الإنصاف والمصالحة»، من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي وذوي حقوقهم بلغ 27754 مستفيداً.
في هذا السياق، قال محمد العمراني بوخبزة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية بمدينة تطوان، لـ«الشرق الأوسط»، إن الملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش أعلن عن «المفهوم الجديد للسلطة» الذي حدد من خلاله تصوره للكيفية التي سيحكم بها البلاد، وكانت هذه الخطوة إشارة قوية على رغبة الملك بإدخال إصلاحات جوهرية على النظام السياسي.
وبدأت ورش متعددة مرتبطة بهذا المنحى، من بينها ملف حقوق الإنسان، وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، أو ما تُسمى «العدالة الانتقالية».
ويرى رئيس «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان» بوبكر لركو أن من أهم الأحداث الحقوقية التي طبعت حكم الملك محمد السادس، خلال عشرين سنة، «مصادقته على تقريرين مهمين بالنسبة للمغرب؛ الأول يتعلق بتقرير الخمسينية: المغرب الممكن، الذي يعتبر تشخيصاً وتقييماً لوضعية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والثاني يتعلق بالتقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة الذي يدخل ضمن التقارير التي تقوم بها لجان الحقيقة في إطار العدالة الانتقالية، إذ تم اختيار مقاربة التغيير في إطار الاستمرارية وتسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خارج النطاق القضائي، وإقرار مسؤولية الدولة وليس مسؤوليات الأفراد وعدم الكشف عن أسمائهم».
وقال لركو لـ«الشرق الأوسط» إن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة «حظيت باهتمام وطني ودولي نتيجة قوتها، سواء فيما يخص جبر الضرر الفردي أو الجماعي، أو فيما يخص تعزيز الحماية الدستورية لحقوق الإنسان، وضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر الإصلاح القضائي، والوضع الدستوري لمؤسسات الحكامة، والحكامة الأمنية ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ومواصلة الكشف عن الحقيقة، وحفظ الذاكرة ومصادقة المغرب على الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة، كاتفاقية روما (نظام المحكمة الجنائية الدولية)، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والبروتوكول الاختياري الثاني المرتبط بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام».
وأوضح المسؤول الحقوقي أنه «إذا كانت جل التجارب الدولية لم تتجاوز على العموم تنفيذ 30 في المائة من توصياتها، فإن التجربة المغربية أنجزت كثيراً منها، خصوصاً بعد إقرار دستور 2011 الذي نص على تعزيز الحماية الدستورية لحقوق الإنسان وعلى الحق في الحياة وتجريم التعذيب، وتجريم الاعتقال خارج نطاق القانون، وتجريم الإخفاء القسري وتجريم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب»، إضافة إلى النص على حرية الصحافة والاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي والتنظيم والإضراب «إلى جانب الوضع الدستوري للمؤسسات الوطنية الساهرة على حماية حقوق الإنسان واستقلال القضاء والمصادقة على اتفاقية الاختفاء القسري والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب».
وخلص لركو إلى أنه «مع تفعيل كثير من هذه المقتضيات، إلا أن تمتع المواطن بكل هذه الحقوق ما زال شغلاً شاغلاً للمجتمع المدني والحقوقي أساساً، خصوصاً تلك المرتبطة بتأسيس الجمعيات والاجتماع والتظاهر والتجمهر السلمي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي اعترفت بها الحكومة بتبنيها لكثير من قضاياها في الخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان».

- محاربة الفقر
في 2005، أطلق الملك محمد السادس مشروعاً تنموياً يهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة تحت اسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتهدف إلى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، وهي حالياً في مرحلتها الثالثة (2019 - 2023). وحسب إحصاءات رسمية قُدمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن المبادرة حققت خلال الفترة الممتدة ما بين 2005 و2017 ما مجموعه 43 ألف مشروع ونشاط ساهمت في تيسير الولوج للخدمات الأساسية والخدمات الصحية ودعم التعليم والإدماج الاجتماعي للشباب، من دون إغفال عدد من المعيقات التي ما زالت تعترض التنفيذ الأمثل للمبادرة.

- الحكم الذاتي والعودة الأفريقية
طرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء عام 2007، وجسّدت رغبة حقيقية لإنهاء الصراع حول الصحراء بعد سنوات من الجمود ولقيت ترحيباً إقليمياً ودولياً. وبعد أكثر من عقد على المبادرة، أعلن العاهل المغربي أن الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده، رافضاً كل تجاوز. ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس بالرباط تاج الدين الحسيني أن تحولاً طرأ على الدبلوماسية في عهد الملك محمد السادس، إذ «انتقل المغرب من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية هجومية، والقطع مع الكرسي الفارغ». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن نتائج هذه الدبلوماسية ظهرت بعودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، وتزايد عدد الدول الأفريقية التي تؤيد مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وارتفاع أعداد الدول التي سحبت اعترافها بـ«البوليساريو».
ولاحظ الحسيني أنه «خلال هذه المرحلة استفاد المغرب أيضاً من الدروس وتنكر حلفائه الأقربين، لا سيما الولايات المتحدة، عندما عرضت مشروع إسناد مهمة حماية حقوق الإنسان لبعثة مينورسو أمام مجلس الأمن، فقرر على أثر ذلك ألا يضع بيضه في سلة واحدة، ويعدد وينوع شراكاته مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ومنها الصين وروسيا اللتان عقد معهما شراكات استراتيجية مهمة، منها رفع نسبة التبادل التجاري عبر مشروع طريق الحرير الجديد مع الصين».
وبالنسبة إلى روسيا، يوضح الحسيني أن الشراكة لم تقتصر على المجالات الاقتصادية بل شملت أيضاً مجال التسلح، وشمل التعاون بين البلدين الحقل الديني أيضاً، إذ إن «المغرب أصبح يكوّن أئمة روساً لتفادي الغلو والتطرف ونشر الاعتدال والتسامح الديني». وقال إن المغرب «حاول في المرحلة الأخيرة ما أمكن الاقتراب أكثر من أفريقيا التي ابتعد عنها، ووقع اتفاقات ثنائية عدة مع البلدان الأفريقية، وبذلك أصبح أول مستثمر في غرب أفريقيا والثاني في القارة بعد جنوب أفريقيا».
واعتبر أن الدبلوماسية المغربية «انتقلت إلى المساهمة في القرار الدولي من خلال مشاركة واسعة للجنود المغاربة في (القبعات الزرق) للحفاظ على السلم، وإقامة مستشفيات متنقلة في عدد من المناطق لمساعدة ضحايا النزاعات العسكرية المعارك والحروب الإقليمية». وخلص إلى أن الدبلوماسية المغربية تتميز حالياً بـ«الحكمة واحترام المبادئ والأخلاق في العلاقات الدولية، وهي أكثر توازناً».

- الملك و«الربيع العربي»
بدأ الحديث عن الإصلاح الدستوري منذ السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس، وبرز آنذاك تياران، الأول اعتبر أن الإصلاح الدستوري ليس ضرورياً أو آنياً، في مقابل تيار آخر طالب بأن يبدأ العهد الجديد بدستور جديد، إلا أن هذا الإصلاح أُرجئ إلى حين استكمال وضع تصور لمشروع الجهوية الموسعة أو المتقدمة، حسب المحلل السياسي بوخبزة الذي أوضح أن أحداث «الربيع العربي» في 2011 وظهور «حركة 20 فبراير» الشبابية التي قادت الاحتجاجات عجّل بإقرار الإصلاحات الدستورية.
وقال إن «الملك محمد السادس تعامل بذكاء كبير مع هذه الأحداث، وأعلن في خطاب 9 مارس (آذار) 2011 عن فتح ورش إصلاح الدستور، وفتح نقاش مجتمعي كبير بشأنه للمرة الأولى، لا سيما أن الملك لم يحدد سقفاً معيناً لهذا الإصلاح. واعتمد في إعداد الدستور الجديد على لجنتين تقنية وسياسية بكفاءات مغربية أنتجت دستوراً مغربياً محضاً شاركت في إعداده أطياف متعددة سياسية ومدنية ونقابية، الأمر الذي تُوّج بموافقة الشعب عليه في استفتاء يوليو (تموز) 2011. وبذلك دخل المغرب عهداً جديداً من خلال هذا الدستور الذي كان أحد مخرجاته إجراء انتخابات 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011»، التي أوصلت للمرة الأولى حزباً ذا مرجعية إسلامية إلى رئاسة الحكومة (حزب «العدالة والتنمية») بعد أن عيّن الملك وفقاً للفصل 47 من الدستور رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وهو ما عده «تحولاً نوعياً في الحياة السياسية المغربية».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.