قتلى كواتم الصوت في بغداد يصدرون روايتهم الوثائقية الأولى

خمسة فصول تروى على ألسنة {شهداء الكلمة} بينهم هادي المهدي وكامل شياع

غلاف الرواية الوثائقية
غلاف الرواية الوثائقية
TT

قتلى كواتم الصوت في بغداد يصدرون روايتهم الوثائقية الأولى

غلاف الرواية الوثائقية
غلاف الرواية الوثائقية

لا يمكن اعتبار «الكاتم» رواية وثائقية فقط، ذلك لأنها تتجاوز حدود التوثيق وتدخل إلى فضاء الكشف والتنوير والتحريض، وأكثر من ذلك فهي نص سيكولوجي يعرّي ضعف بعض الشخصيات العراقية، ويكشف عن جبنها رغم أنّ شهداء الحرية الذين كتبوا هذا النص تحديدا كانوا غاية في الشجاعة وأنموذجا للتضحية التي يُحتذى به بدءا بالكاتب والمسرحي هادي المهدي والإعلامية أطوار بهجت والصحافي شِهاب التميمي، مرورا بالكاتب كامل شياع والصحافي أحمد آدم، والشاعر الشعبي رحيم المالكي، وانتهاء بالناشطة تسنيم، والشاعر رعد مطشّر، وعشرات الأسماء الأخرى التي لا يسع المجال لذكرها جميعا، هذا إضافة إلى كُتّاب وناشطين لاذوا بأسماءٍ مستعارة خشية من التصفيات الوحشية التي كانت تتبناها الأجهزة الأمنية أو تُوكلها إلى الميليشيات الحزبية التي أبدت شراسة غير معهودة في الخطف والقتل والتنكيل والاغتصاب.
تتألف رواية «الكاتم» من خمسة فصول تُروى على ألسنة شهداء الكلمة الذين رحلوا إلى العالم الآخر لكن كلماتهم المتوهجة، وأفكارهم التنويرية، ورؤاهم الثاقبة لما تزل حاضرة في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا. ولنعترف بأنهم كانوا أشجع منا، وأكثر بذلا وعطاء من جميع العراقيين في تلك المرحلة لأن «الجُود بالنفس أقصى غاية الجودِ».
يتضح من سياق النص السردي التوثيقي أن مساحة الأدوار التي أُسندت للشخصيات الرئيسة والثانوية مختلفة من شخصية إلى أخرى بسبب طبيعة الأحداث التي وقعت لكل شخصية على انفراد رغم أن كل الشخصيات تتساوى في فكرة التضحية والإيثار أو في الوفاء للقيم الإنسانية النبيلة في أضعف الأحوال.

* سؤال الحرية
تُثير شخصيات النص كلها ومن دون استثناء سؤال الحرية غير المبالغ فيها، فهادي المهدي يلخصها بكلمات مقتضبة لا تتجاوز حدود «الخدمات، والأمن، والأمان، والعدالة وحرية السفر». ثم يتوسّع قليلا ويقول: «الحرية التي لا تُقسّمنا إلى شيعة وسنة، أو إلى عرب وأكراد وتركمان، إلى مسيحيين ويهود، إلى صابئة وإيزيديين وشبك». إنه ببساطة يريدنا أن نبقى بشرا كما أنجبتنا أمّهاتنا وليس أشباحَ بشر! وبما أن الرواية هي أنموذج لأدب البوح والقسوة والاعتراف في آنٍ معا، فلا يجد ضيرا في القول بأن صمت شعبه قد خذله، كما خذله بعض زملائه «بكذبهم ودجلهم وجبنهم»، ثم يُصعّد من نبرته إلى أقصاها ليقول: «حتى أنّ النساء والبنات من زميلاتنا كُنّ أشجع بكثير من هؤلاء الرجال، وكانت الواحدة منهنّ بألف رجل من رجال العراق». إذن، هذه الرواية تمجّد نساء العراق على لسان شهيد الحرية هادي المهدي الذي ينتصر للمرأة العراقية المحتجّة التي انتفضت لكنها تعرضت لمعاملة قاسية تجاوزت حدود الشتائم والضرب والاعتقال إلى فعل الاغتصاب المقيت (لمجرد حمْلهن علمَ عراقٍ جديد لم يُكتَب عليه سوى عبارة «أحِبُك يا عراق»).
يعتقد المهدي بأن الطُغاة قد علّمونا على الصمت، أو دجّنونا بعد ترويض طويل إن صحّ التعبير لكنّ المواطن العراقي تململ مثل أقرانه في العالم وقرّر أن يحتج رافعا صوته غير أنّ الطُغاة الجُدد قمعوه، وحينما يئسوا من لعبة تكميم الأفواه أطلقوا عليه في بيته رصاصة من مسدس كاتم للصوت فأردوه قتيلا بينما كان متجها إلى المطبخ يُعّد لهم الشاي بيديه الكريمتين وحجتهم في ذلك أنه غدر بطائفته ومذهبه.
يسلّط هذا الفصل الضوء على اغتيال الإعلامية أطوار بهجت التي كانت على وشك أن تذيع على الملأ تفاصيل دقيقة عن تفجير الإمامين العسكريين وضلوع الحكومة الإيرانية فيها تخطيطا وتنفيذا ونجاحها في إثارة حرب طائفية حصدت آلافا مؤلفة من أرواح العراقيين الأبرياء، وبموتها كما يصرّح القتلة فقد «انطمرت وطمرت معها السرّ الكبير». وفي السياق ذاته تكشف الرواية بعض أسرار «القاعدة» بهُويتها المذهبية، وأسلحتها الإيرانية الصنع، وألغازها التي ظلت محيّرة حتى الآن منها أن الزرقاوي، كما تقول الأخبار، قد دخل من الحدود الإيرانية وأن جواز السفر الذي وُجِد في جيب معطفه كان إيرانيا! إن الحقيقة، كما تقول أطوار، تستحق أن يجازف من أجلها الصحافي، وهذا الموقف بحد ذاته درسٌ في ميثاق الشرف الصحافي، وسمة من سمات الصحافيين الشجعان.
لم تكن أطوار هي المُستهدَفة الأخيرة فلقد تبعها طابور طويل من الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم الغالية من أجل عراقٍ حرٍ جديد لعل أبرزهم شِهاب التميمي الذي اغتاله الأشرار لأنه نداءاته كانت تصُب في إدانة الاحتلال الذي جاء بالظلاميين الجُدد وفسادهم الذي كان الراحل أحد شهوده.

* دولة بوليسية
هناك تُهم جاهزة لكل من يحتج أو يرفع صوته في العراق «الديمقراطي الجديد» وهي البعث و«القاعدة»، وإن لم ينفعا فالغدر بالطائفة أو الطعن بالمذهب! وهذه التهم هي نتاج دولة بوليسية جديدة محكومة بثقافة حزب واحد بامتياز يقصي معارضيه، ويلغي مناوئيه من خارطة الوجود. حكومة ظلامية متخلفة تنظر إلى المتظاهرين والمحتجين كمشاغبين مندسّين سوف يملّون من موضة التظاهر التي يحأكون فيها شباب تونس ومصر وبقية بلدان «الربيع العربي».
نخلص في هذا الفصل إلى أن السلطة الجديدة لا تريد رأس الحسين، وإنما تريد رأس العراق ورؤوس العراقيين جميعا. وإلاّ كيف نفسّر سكوت الخصوم والحلفاء في العراق الجديد على مقبرة الزركة الجماعية التي أفرطت فيها السلطة في استعمال القوة لمجرد أنها ادعت بأنّ المهدي المنتظر هو زعيمها؟! فيما تخّدر هذه السلطة الظلامية شريحة واسعة من شعبها بالغيبيات، وعبادة الموتى، والعيش في الماضي السحيق. يتشاءم المهدي في خاتمة المطاف ليصل إلى قناعة مفادها بأن هذا العالم سخيف وفارغ، ولا شيء على هذه الأرض يستحق الحياة!

* نُصب الحرية
يتكرر حضور بعض الشخصيات الرئيسة في الفصل الثاني المعنون «الأسيرة ساحة التحرير» ونسمع فيها صوت شيطانهم الكبير الذي يحثّ أزلامه وإمعّاته على محاصرة هذه الساحة التي أصبحت رمزا للحرية والاحتجاج، بل إنه يلعن هذه الساحة ونصبها الذي بات يوحّد المحتجين فلا غرابة أن يلعن الفن برمته.
يركز هذا الفصل على أن أي مظاهرة هي إشارة واضحة إلى عدم شرعية الحكومة، ولكي يشوّهوا فكرة الاحتجاج فإنهم يزعمون بأن المتظاهرين يريدون الإطاحة بالمذهب الذي يحكم ويسود في الوقت الراهن.
تتجسّد الفكرة الأساسية لهذا الفصل في الجمل الآتية: «أن تكون كاتبا أو إعلاميا هذا يعني أنك تحمل ضميرا لا ينحاز إلاّ للحقيقة، ضميرا لا يُشترى ولا يُباع حتى ولو بمال العالم كله». ومن خلال الحديث الدائر بين شهاب التميمي وكامل شياع وهادي المهدي نكتشف أن أصدقاء المهدي لم يخذلوه فحسب، وإنما خافوا من موته، ومن رمزية صوته الرافض والمحتج، وبمعنى آخر خافوا من غضب أسيادهم الغارقين في الظلام.

* سُرّاق المال العام
تنطوي الرواية على مفاجآت كثيرة صدمت هادي المهدي الذي اكتشف تباعا من خلال عمله كمترجم من العربية إلى الدنماركية لمصلحة خبير الكومبيوتر الدنماركي الذي كلفته القوات الأميركية بحلّ الشفرات في كلام المسؤولين العراقيين الذين تراقبهم أجهزة التنصت في المنطقة الخضراء من دون علمهم. ولعل أبرز ما في هذا الفصل هو خيبة أمله بوزير الثقافة الذي كان يتبجح بأن مهمته الأولى هي إنهاء الفساد في وزارة الثقافة وفي وزارة سيادية يديرها بالوكالة. لقد خاب ظنه تماما حينما سمع نعت هذا الوزير للعراقيين المغلوبين على أمرهم بأنهم «شعب مثل القرود تعطيهم تجد يدهم تُقبّل رأسك، أما إذا أدرت بوجهك عنهم فإنهم يأكلون من..». ثم يتمادى أكثر حين يقول: «قردا، أي وربّ العزة، قردا ولا أستثني أحدا»!
المتظاهرون لا يحملون سوى الورود وأعلام العراق لكنهم أخافوا الظلاميين ففصلوا الكرخ عن الرصافة بالألواح الكونكريتية، وهاجموا المتظاهرين منتهكين حقوق الإنسان في رابعة النهار ومع ذلك فقد تحولت ساحة التحرير من مجرد ساحة يوشحها نصب لفنان كبير إلى رمز يُقلق السارق والقاتل والكذّاب والمنافق والدجال والتوفيقي والجبان.

* سنغفر ولكننا لن ننسى
يسرد الفصل الرابع قصة الناشطة تسنيم التي اُختطف والدها ثم وجد مقتولا ومرميا في حاوية للقمامة عام 2005 فأُصيبت بالشلل الذي يمنعها من مواصلة دراسة القانون في بلد لا قانون فيه! ولأنها كانت مُصرّة على معرفة القتلة وأسيادهم أردوها قتيلة كي تكون عبرة لكل الناشطات العراقيات. ومع كل هذه القسوة ووحشية الظلاميين إلاّ أن هادي يطلب من أصدقائه أن لا ينتقموا لأنهم رفعوا شعر نيلسون مانديلا «سنغفر ولكننا لن ننسى»!
في الفصل الخامس والأخير يعرّف هادي المهدي الدولة البوليسية بأنها الدولة التي يزعجها الانتقاد، والتي تخطف مواطنيها، وتُسقّط خصومها، وتستوزر حمقاها وأغبيائها إلى أن يقول: «إنها دولة ترى في اللطم والنواح والبكاء قمة ما توصلت إليه البشرية من تقدّم». فينصح هذا الشعب المخدّر بالجهل والخوف والسذاجة بالذهاب فورا إلى ورش الانتحار الجماعي.
يتنبأ منْ ساهموا في تدوين هذه الرواية الوثائقية بنبوءة متشائمة جدا حينما يختتمون النص بالبيتين التاليين: «بلاد.. ها هنا كانت - بلاد كانت تسمّى العراق».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».