«تحمُّل المرض»... هل يمكن أن يكون أفضل من محاربته؟

فرضيات علمية واعدة حول تسامح الجسم مع الكائنات المسببة للعدوى

«تحمُّل المرض»... هل يمكن أن يكون أفضل من محاربته؟
TT

«تحمُّل المرض»... هل يمكن أن يكون أفضل من محاربته؟

«تحمُّل المرض»... هل يمكن أن يكون أفضل من محاربته؟

هناك مفهوم جديد يطلق عليه «تحمل المرض»» Disease tolerance»، فبدلا من محاولة التخلص من الكائن المسبب للعدوى علينا تغيير شيء ما في الوظائف الحيوية للجسم، أي الوسيلة التي تساعدنا على تحمل الكائن المسبب للمرض.
- استراتيجيات مضادة
من حيث المبدأ يمكن للإنسان حماية نفسه من الأمراض المعدية باستخدام ثلاث استراتيجيات مميزة هي: التجنب، والمقاومة، والتسامح. فالتجنب يقلل من خطر التعرض للعوامل المعدية، والمقاومة تقلل من عبء العوامل المسببة للمرض بمجرد أن تنشأ العدوى. أما التسامح فإنه يقلل من التأثيرات السلبية للعدوى على لياقة المضيف البدنية دون أن يؤثر على عدد الكائنات المرضية. وبدلا من ذلك يقلل التسامح من تعرض المضيف لتلف الأنسجة.
يقول بالافيري شيبر في الدراسة المنشورة في مجلة ساينس Science عام 2015: «يجب عدم الخلط بين مصطلح التسامح المستخدم في هذا السياق والتسامح المناعي المعروف بعدم الاستجابة للمضادات التي ينتجها الجسم. ومن المعروف أن الإصابات المرضية في الإنسان أو الحيوان تؤدي إلى تغيرات جوهرية في السلوك مسببة التعب وفقدان الشهية وحمى وتقلبات في النوم. كل هذه الأحداث تعرف (بسلوكيات المرض) وقد يساعد فقدان الشهية والإرهاق بالمثل في الحفاظ على العمليات الحيوية وتعزيز التسامح مع الإجهاد في كثير من الأنسجة».
إن الوسيلة الرئيسية لمكافحة العدوى هي مضادات الميكروبات مثل اللقاحات ومضادات الفيروسات والمضادات الحيوية. ولكن هناك قيودا على هذا النهج؛ فبالإضافة إلى أن المضادات لا تنفذ عملها على جميع الأمراض فهي أيضا تقتل البكتريا النافعة التي تعيش في الجسم وتساهم في زيادة مقاومة البكتريا الضارة (مثل البكتريا الفائقة). ومن المحتمل أن قتل الكائن المسبب للعدوى لا يحدد بالنهاية ما إذا كان المريض سينجو بعد إصلاح العجز الوظيفي (مثل التلف في الأنسجة أو الخلل في التمثيل الغذائي) الذي يحدث أثناء العدوى.
- تحمل المرض
وتدعم النتائج العلمية التي نشرت عام 2018 فرضية جانيل إيريس Janelle Ayres’ التي نشرت في مجلة «ذي ساينتسيت» التي طرحتها منذ سنوات وهي أن مكافحة العدوى يجب ألا تكون حربا شامله فبدلا من محاولة التخلص من مسببات المرض التي غزت الجسم، فإن المقترح هو أن تمنح تلك الكائنات ما تريده والتحول بها إلى أن تتطور تدريجيا إلى شيء حميد. وهو ما قد يقلل الأضرار الناجمة عن مسببات المرض والجهاز المناعي.
وتسمى هذه الظاهرة المعروفة باسم «تحمل المرض»، وهو الأمر الذي يمكن أن يفعله الجسم بصورة طبيعية من خلال الاستفادة من الأنظمة الوظيفية المختلفة، مثل التمثيل الغذائي للوقاية من المرض. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يعتبر جديدا نسبيا على مستوى التعامل السريري، فإن بعض الأدوية التي كانت متوفرة في الأسواق منذ فتره طويلة تشجع هذه الاستراتيجية التي تعمل على تحسين النتائج.
وعلى سبيل المثال؛ ففي كل مرة يصاب بها الإنسان بالإنفلونزا ويأخذ دواء «تايلينول» فإنه يحاول تهدئة التفاعل المناعي الذي يجعله يشعر بالمرض. ونتيجة لذلك سوف يشعر بالتحسن رغم أن الدواء قد لا يؤثر على أعداد الكائنات المسببة للمرض في الجسم. وخلال الإصابة تظهر استجابات مناعية مصممة للتخلص من الكائنات المسببة للعدوى ويعتقد أنها الوسيلة الوحيدة أو الأساسية التي يتعامل بها الجسم مع مسببات المرض. ويقول روسلان ميدزتوف Medzhritov خبير المناعة في جامعة يال للعلوم الطبية في الولايات المتحدة، إن هناك آلية أخرى تسمى «التسامح مع المرض» حيث بدلا من محاولة التخلص من مسببات المرض علينا أن نغير بعض الأشياء في جسمنا مثل وظائف الأعضاء وهو ما يسمح لنا بتحمل وجود الكائن المسبب للمرض.
- جذور «التسامح»
روى الباحثون عن أول التلميحات عن «تحمل المرض» في الإنسان عام 2006 عندما وجدوا أن الأشخاص الذين لديهم نوع «ألفا» من الثلاسيميا (وهو اضطراب في الدم عادة ما يقلل من إنتاج الهيموغلوبين) يتمتعون بحماية بطريقة ما لنقص الحديد الحاد المرتبط بعدوى الملاريا.
تم تطوير مفهوم التسامح بوصفه استراتيجية دفاعية واستخدامها في دراسات مناعة النبات لعقود طويلة، وحديثا أدخلت في مجال مناعة الحيوان. وقد أظهرت الملاحظة الأصلية التي أجراها رابرغ وفريقه العلمي عام 2007 والمنشور في مجلة ساينس أن شدة المرض يمكن فصلها عن عبء العامل المسبب للمرض. وكان ذلك أول مثال واضح على تحمل المرض في الحيوانات. من جهته، حاول مزيار ديفانغاهي في بحثه الذي نشر عام 2018 في وكالة أخبار جنوب شرقي آسيا «ANI» أن يفسر لماذا يتحمل الغالبية العظمى من المصابين ببكتريا السل الرئوي، الإصابه حتى دون أن يتطور المرض. وقد أشار الاختصاصيون في هذا المجال إلى تلك الحالة المسماة «السل الكامن» التي يعاني منها ملايين البشر حول العالم. وأكد ديفانغاهي على أن الاصابة بالسل هي أفضل مثال على تحمل المرض.
- «التسامح ضد التأهب»
عندما يمرض الإنسان فإنه يريد أن يشعر بالتحسن مباشرة، ويبدأ الجسم بتحقيق هذا الهدف من خلال تنشيط الجهاز المناعي لكي يهزم الكائنات الغازية في أسرع وقت ممكن. وعادة ما تساعد اللقاحات الجهاز المناعي في هذه المعركة بينما تعمل المضادات الحيوية أو الأدوية المضادة للفيروسات كحلفاء في ساحة المعركة.
وتستهدف جميع هذه الوسائل، مسببات المرض وتمنعها من التكاثر والانتشار في الجسم. ولكن في كثير من الأحيان فإن ما يجعل الإنسان مريضا هو رده المناعي الذي يدفع الجسم إلى حالة التأهب. وهذا هو السبب في أن المريض يتناول المسكنات أو الأدوية الخافضة للحرارة مثل الاسيتامينوفين أو البراسيتامول والتي لا تؤثر على مسببات المرض على الإطلاق ولكنها تهدئ الالتهاب الذي يسبب الأعراض. وقد توصل العلماء حديثا إلى أن الجسم قادر على أن يعمل بالأسلوب نفسه لتعزيز الصحة من خلال تثبيط الاستجابة المناعية وتقليل الإصابة الناجمة عن مسببات الأمراض الغازية.
وعادة ما يقوم المريض أثناء العدوى بحبس الحديد في خلاياه حتى لا تتمكن البكتريا الغازية من الحصول عليه. وعند عدم توفر الحديد تقوم البكتريا بتحليل الهيموغلوبين الذي يحتوي على الحديد في خلايا الدم الحمراء وتحطم تلك الخلايا للاستفادة من الهيموغلوبين فيها.
ويوافق ألكسندر رودنسكي عالم المناعة في مركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان في بحثه الذي نشر عام 2017 في مجلة نيتشر على أن هذا الميدان بأكمله مثير للغاية، واصفا التسامح مع المرض بأنه منطقه جديدة تماما غير مستغلة إلى حد كبير ويمكن أن يكون لها تطبيقات ليس على الأمراض المعدية فحسب بل أيضا على الحالات السريرية الأخرى مثل السرطان، وذلك بالمساعدة في تجنب فقدان العضلات وغيرها من التشوهات المرضية التي تنشأ بسبب الإصابة بالمرض أو بسبب العلاج.
وفي مقاربة جديدة للعلاج، تدرس جانيل أيريس من معهد سالك للدراسات البيولوجية في منطقة جولا في كاليفورنيا والمنشور عام 2019 في مجلة ذي ساينتست كيف يتحكم الجسم ويصلح الضرر الجانبي الناتج خلال التفاعلات مع الميكروبات السيئة. أظهرت أيريس أن آليات التحكم في الأضرار لا تقل أهمية عن الجهاز المناعي للحيوان عند الإصابة بعدوى.
ومن المحتمل أن يؤدي اكتشافها لمجموعة جديدة تماما من آليات الدفاع إلى علاجات جديدة لن تتمكن البكتيريا من تطوير مقاومة لها. ولتشابه الأضرار بسبب العدوى أو بسبب الأمراض غير المعدية، فإن العلاجات التي تتعامل مع آليات السيطرة على الضرر يمكن أن تكون لها تطبيقات أوسع من المضادات الحيوية. في نهاية المطاف، من خلال الاستفادة من آليات التحكم في الضرر، تهدف الباحثة إلى تطوير علاجات للأمراض المعدية وغير المعدية (مثل الأمراض المرتبطة بالسرطان والشيخوخة) دون الحاجة إلى المضادات الحيوية.


مقالات ذات صلة

8 آثار جانبية خطيرة لحمية الكيتو

صحتك تتميز حمية «الكيتو» بارتفاع نسبة الدهون (رويترز)

8 آثار جانبية خطيرة لحمية الكيتو

يحذّر خبراء الصحة من آثار جانبية خطيرة قد تنتج عن اتباع حمية الكيتو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك هشاشة العظام تصيب النساء أكثر من الرجال (رويترز)

علامات صامتة قد تشير لاحتمالية الإصابة بهشاشة العظام

على الرغم من أن هشاشة العظام تُوصف أحياناً بأنها «مرض صامت»، إذ قد تتطور دون أعراض حتى حدوث كسر، فإن هناك بعض العلامات التي قد تشير لاحتمالية حدوثه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قطع من الدجاج (أ.ب)

أيهما أكثر فائدة لبناء العضلات...الدجاج أم البيض؟

يُعدّ كلٌّ من الدجاج والبيض ممتازاً لبناء العضلات، لكن لكلٍّ منهما فائدة مختلفة قليلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك حبات من الخرشوف بأحد المتاجر في لندن (أرشيفية - رويترز)

6 أطعمة تخفض مستويات الكوليسترول في الجسم

يمكن لبعض الأطعمة أن تخفض مستويات الكوليسترول بشكل طفيف، تعرف عليها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك جهاز لقياس ضغط الدم (رويترز)

6 نصائح لخفض ضغط الدم

لأول مرة منذ عام 2017، قامت جمعية القلب الأميركية والكلية الأميركية لأمراض القلب مؤخراً بتحديث إرشاداتهما لمساعدة مرضى ارتفاع ضغط الدم على خفض مستوياته.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».