الحملة «الواهنة» شمال سوريا تكشف حدود القوة الجوية السورية والروسية

خبير: بإمكان الفصائل في إدلب جعل النصر العسكري للنظام مكلفاً للغاية

عناصر «الخوذ البيضاء» يبحثون عن ناجين بعد غارة على أريحا بمحافظة إدلب الجمعة (أ.ف.ب)
عناصر «الخوذ البيضاء» يبحثون عن ناجين بعد غارة على أريحا بمحافظة إدلب الجمعة (أ.ف.ب)
TT

الحملة «الواهنة» شمال سوريا تكشف حدود القوة الجوية السورية والروسية

عناصر «الخوذ البيضاء» يبحثون عن ناجين بعد غارة على أريحا بمحافظة إدلب الجمعة (أ.ف.ب)
عناصر «الخوذ البيضاء» يبحثون عن ناجين بعد غارة على أريحا بمحافظة إدلب الجمعة (أ.ف.ب)

نفّذت الطائرات الروسية، أمس، ضربات جوية عدة طالت ريف محافظة حماة، حيث شنت عدة غارات على كلٍّ من بلدة كفرزيتا وقرية الزكاة شمال حماة، وقرية تل ملح شمال غربي المدينة، بعد هدوءٍ نسبي لعمليات القصف الجوي منذ مساء الأحد، في حين واصلت قوات النظام عمليات قصفها البري على منطقة «خفض التصعيد»، وارتفع إلى نحو 150 على الأقل تعداد القذائف الصاروخية والبرية التي أطلقتها قوات النظام منذ الصباح على أماكن في كل من تل ملح والأربعين والزكاة والجبين والجيسات والعريمة والحويجة والحواش والصخر وكفرزيتا بريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي، وقرية جزرايا جنوب حلب ومنطقة الراشدين والبحوث العلمية بضواحي حلب الغربية، بالإضافة إلى محور كبانة بريف اللاذقية الشمالي.
وشهدت محافظة إدلب خلال الأسابيع الأخيرة أشدّ المعارك منذ توقيع الاتفاق. ومنذ بدء التصعيد نهاية أبريل (نيسان)، قُتل أكثر من 590 مدنياً جراء الغارات السورية والروسية، فيما قُتل 45 مدنياً في قصف للفصائل المقاتلة والجهادية على مناطق سيطرة قوات النظام القريبة، وفق المرصد السوري.
وأسفرت حملة على مدار شهرين من الضربات الجوية المكثفة من جانب قوات للنظام السوري وحلفائها الروس، مصحوبة بهجوم بري شرس ضد محافظة إدلب، آخر المناطق المهمة الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، عن مقتل المئات وتشريد أعداد ضخمة دون أن تحقق مكاسب تُذكر لرئيس النظام السوري بشار الأسد.
وأسفرت هجمات المسلحين في المتوسط، عن مقتل ما يزيد على 12 جندياً ومسلحاً من الميليشيات المتحالفة مع جيش النظام السوري، يومياً خلال الأسابيع الأخيرة، حسب وكالة «أسوشيتد برس». وتسلط هذه الحملة «الواهنة»، الضوء على حدود قدرات القوة الجوية السورية والروسية وعجزها عن إحراز نصر حاسم في خضمّ الحرب الأهلية المشتعلة بالبلاد منذ فترة طويلة، وتدخل الآن عامها الثامن.
وبمساعدة عسكرية حيوية من روسيا وإيران، تمكنت القوات السورية خلال السنوات القليلة الماضية من استعادة السيطرة على معظم المناطق التي كانت خاضعة لجماعات المعارضة المسلحة داخل البلاد، عبر حملات هجومية كاسحة وفرض حصار لفترات طويلة. وفي كلٍّ من هذه المناطق، إما استسلم المعارضون المسلحون أو أُجبروا على التوجه إلى المنفى في إدلب، حيث أصبحوا محاصَرين اليوم دون ملجأ آخر يمكنهم الذهاب إليه. واليوم، تمتلئ نفوس هؤلاء المسلحين بقدر بالغ من المرارة واليأس، ولا يبدو أمامهم خيار سوى القتال حتى النهاية. وكان أبو محمد الجولاني، زعيم جماعة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، قد دعا جميع الأفراد القادرين على «الاضطلاع بواجبهم الديني» والانضمام للقتال.
في هذا الصدد، قال سام هيلر، الخبير بالشأن السوري لدى «المجموعة الدولية للأزمات» والتي تتولى متابعة الموقف داخل المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين المعارضين: «ربما ليس بإمكان المعارضة المسلحة في إدلب الفوز في معركة مفتوحة في الشمال الغربي، لكن بمقدورها جعل مسألة تحقيق نصر عسكري سوري مكلفة للغاية، ربما مكلفة على نحو فادح».
سياسياً، تعكس إدلب خريطة تحالفات الحرب بين عناصر دولية فاعلة تدعم أطرافاً متناحرة داخل الصراع السوري. يُذكر أن وقفاً لإطلاق النار أُقر في سبتمبر (أيلول) الماضي بوساطة روسيا، الحليف المحوري للأسد، وتركيا الداعمة للمعارضة المسلحة، انهار في 30 أبريل، عندما شرع النظام في شن هجوم بعد شهور من الانتهاكات لوقف إطلاق النار من الجانبين. من جهتها، تخشى تركيا التي تستضيف 3 ملايين لاجئ سوري، شن قوات النظام هجوماً كاسحاً يسفر عن موجة جديدة من اللاجئين نحو حدودها. ومع ذلك، ظلت تركيا عاجزة عن، أو ربما غير مستعدة للسيطرة على المسلحين الذين تدعمهم في إدلب.
اللافت أن مقاتلين مدعومين من إيران، بينهم أعضاء في جماعة «حزب الله» اللبنانية كانت مشاركتهم محورية في معارك سابقة، لم ينضموا إلى القتال في إدلب، واعتبروا المنطقة ذات أولوية منخفضة، على خلاف الحال مع مناطق أكثر استراتيجية تقع على الحدود مع العراق ولبنان. حتى روسيا لم تُلقِ بكل ثقلها في هذه المعركة واستمرت في محادثاتها مع تركيا حول سبل إعادة إقرار وقف إطلاق النار.
وبدلاً من شن هجوم كاسح لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب، التي تزدحم بـ3 ملايين نسمة، قصرت حكومة الأسد حالياً هجومها على أطراف المحافظة بهدف إعادة فتح طرق سريعة حيوية تمر عبر مناطق خاضعة لسيطرة معارضين مسلحين. إلا أنه حتى هذه الجهود أثبتت عدم جدواها مع مقاومة المسلحين بضراوة.
في مقدمة الحملة ضد إدلب والأجزاء الشمالية من محافظة حماة وسط سوريا، تشارك «قوة النمر» النخبوية بقيادة العميد سهيل الحسن، وهو ضابط سوري مدعوم من روسيا نُسب إليه الفضل في بعض أكبر انتصارات النظام على مدار الصراع الممتد لثمانية أعوام حتى الآن. ومع هذا، لم يفلح العميد الحسن في تحطيم دفاعات إدلب. وتبعاً لما ذكره نشطاء معارضون، فإن قوات نخبوية من الحرس الجمهوري واللواء الرابع الذي يقوده شقيق الأسد الأصغر، ماهر، بدأت في الفترة الأخيرة تشارك في الهجوم.
كان هجوم إدلب قد بدأ بسيطرة قوات النظام على أكثر من 10 قرى، بينها قلعة المضيق وكفر نبوذة اللتان تشكلان خط الدفاع الأول للمسلحين في إدلب. ومنذ ذلك الحين، تبدلت الجهة المسيطرة على كفر نبوذة عدة مرات. وفي وقت لاحق، فاجأ معارضون قوات النظام بشن هجوم عليها وفتح جبهة جديدة نجحوا من خلالها في السيطرة على قرى مدرسة الضهرة وتل ملح وجبين، وأخفقت هجمات قوات النظام المتكررة لاستعادة السيطرة على المنطقة.
من ناحيته، قال محمد العلي، وهو صحافي مقيم في إدلب، لوكالة «أسوشيتد برس»، إنه «بعد مرور شهرين على الهجوم الآن، لا تسيطر قوات النظام إلا على قرية قصيبية في إدلب، إضافة إلى عشرات القرى شمال محافظة حماة وبلدة قلعة المضيق».
وأضاف العلي أن واحداً من أكبر النجاحات التي حققها المسلحون كان فتح جبهة جديدة نجحوا من خلالها في قطع طريق رئيسي يربط قلب مدينة حماة وقرى خاضعة لسيطرة النظام على أطراف إدلب. وتابع: «ثبات المسلحين والخسائر الفادحة التي تكبدها النظام جعلت الأخير يخفق في تحقيق تقدم مشابه لما حققه في البداية». وأشار إلى أن الصواريخ المضادة للدبابات لعبت دوراً محورياً في إبطاء وتيرة هجوم النظام.
قد تستمر المعركة لشهور أخرى وتحصد مزيداً من الأرواح إلا إذا توصلت تركيا وإيران وروسيا إلى اتفاق جديد بخصوص المنطقة على غرار وقف إطلاق النار الأخير. وربما يدفع الهجوم المتداعي، روسيا، نحو محاولة التوصل إلى مثل هذا الاتفاق مع تركيا.
في هذا الصدد، قال هيلير، من «المجموعة الدولية للأزمات»: «عجز القوات السورية حتى الآن عن إحراز مزيد من التقدم داخل إدلب لا يعني أنه ليس بإمكانها تحقيق النصر في النهاية على مستوى البلاد، وإنما يكشف أن النصر العسكري مرهون بالتطورات على الصعيد السياسي، وهي تطورات أكبر من مجرد سوريا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.