«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني
TT

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

بتصور كلود ليفي شتراوس، ليس بمقدور ابن القبيلة أن يتحدث عن قبيلته، وذلك لانتفاء الحياد فيما سيقوله. حيث الارتباط العاطفي الذي يجرفه باتجاهات غير متعادلة من الوجهتين: المعرفية والوجدانية. وذلك هو ما عاندته جوخة الحارثي في روايتها (سيدات القمر). إذ بدت محاولتها واضحة للانحياز بالسرد من وظيفته الإخبارية التعليمية إلى مهمته الجمالية. فالمكان العماني كما تستذكره، ليس مجرد خلفية حاضنة لوقائع الحُبّ التي تتبدد بكثافة في الرواية لأسباب موضوعية، بقدر ما هو أحد العناصر الفاعلة والمؤثرة في تشكيل مزاج وأفكار الشخصيات، وتزمين الأحداث.
الرواية مسرودة بمنظور (سيدات) وهو ما يعني من الوجهة النقدية أن الرواية تتكئ على نزعة نسوية، ليس بالمعنى الخطابي، المحمول على نبرة المرافعات الحقوقية الصاخبة، بل بحمولات نسوية ناعمة قوامها الحسّ الأنثوي. وهذا هو ما يفسر الحضور الطاغي لثيمة الحُبّ، التي تشكل قدر المرأة في كل مفاصل الرواية. كما تفسر كثافة الفضاءات النسائية التي تتحرك فيها الشخصيات، مقارنة بالهامش الضئيل للفضاءات الذكورية. وانخفاض منسوب الوجود الأنطوقي للرجل. وهو ما يعنى أن عدسة جوخة الحارثي كانت أكثر حضورا والتصاقا بالعوالم النسائية منها بعالم الرجال. ومرد ذلك كما يبدو إلى أنها استهلت الرواية بالكتابة من داخل الحالات التي تعرفها وليس عن تلك التي تجهلها.
وهذا البعد خاصة هو الذي رفع من منسوب جاذبية الزوايا المتوغل فيها، حيث التفاصيل الدقيقة وجماليات الإحساس السردي بها، فيما جعل من الفضاءات المتكلم عنها بشكل عابر مجرد هوامش لا قيمة بنيوية لها. وهو منحى يبدو على درجة من الوضوح والإتقان التفصيلي فيما ترويه وتتلفظ به (ظريفة) العبدة الوحيدة التي يُسمح لها باقتحام عالم نساء الأسياد. حيث تستأثر بمفاصل طويلة في السرد، باعتبارها لسان القاع أو الهامش الاجتماعي، وخزان العادات والتقاليد والأمثال والطقوس الاجتماعية. لدرجة أن السرد يتحول إلى فضاء إغوائي أنثوي باعتباره حيلة سردية نسوية مضاعفة، مقابل المرور العابر للفضاء الذكوري في حرب الجبل الأخضر مثلا، أو سوق (عبرية) وهكذا.
النصوص السردية بالمجمل لا تمتلك ذلك الترتيب الهرمي التعلمي المنظم، برأي رولان بارت. وهو استنتاج ينطبق تمام الانطباق على رواية (سيدات القمر). حيث تتوفر القصدية لفرط النص. كما بدا ذلك جليا في العرض الشكلي للرواية. الذي تبدى بهيئة لوحات على شكل نُتف نصّية، يتناوب على سردها شخصيات الرواية بالإضافة إلى الراوي، بما هو امتداد لصوت جوخة الحارثي، باعتبارها الإله الخفي الذي يحرك كل شخصيات الرواية، ويحضر في كل تفاصيل النص، من دون أن يشعر القارئ بوجوده. وذلك بالتحديد هو ما أدى إلى استعصاء (حبكنة) النص، وانعدام لحظات التوتر الدرامي. إذ لا عقدة كُبرى تتبأر حولها الأحداث، التي كانت تنجدل في سلسلة من الوقائع المتتالية والحبكات متناهية الصغر بشكل خطي داخل الزمن الواقعي، المبعثرة في المتن الروائي.
هذا السرد الانبساطي إنما يعني في جانب من جوانبه انتصار جوخة الحارثي لمفهوم القصة بمعناها الحكائي، كما يبدو ذلك في سيرة السيدات العاشقات وخيباتهن في درس الحُبّ. إلا أن ذلك لا يعنى أيضا عدم وجود طبقات للنص التحتي الذي يرفد الحكاية ويقويها، فكل قصة من تلك القصص المتداخلة تعيد تركيب عالم عائلة (عزان) من منظور يخدم مراداتها الاستنطاقية للمكان ذي الطابع الذكوري. حيث يتخصب السرد بالتفاصيل المعرفية والعاطفية، التي تجسد الفضاء العماني بين عهدين، ما قبل الدولة الحديثة وما بعدها من مشاهد عصرية. كما تتورط الرواية في عرض وتفكيك البناءات القبلية والطبقية، وكذلك تقديم سجل اجتماعي ثري للعادات والتقاليد وطقوس الموت والميلاد والزواج، في الريف والبادية. حيث ارتقت الرواية إلى مستوى الوثيقة الاجتماعية، ولم تكن في وارد التأريخ على ما يبدو.
هكذا بدا النص الروائي المكتوب بمزاج وإحساس. ومفردة عمانية، وكأنه قد صُمم لإشباع خبرات القارئ الحياتية والمعرفية وتحريضه - بوعي أو لا وعي - على القيام بما يسميه أمبرتو إيكو الجولات الاستدلالية لسبر طبوغرافية المكان بمقتضى حيلة سردية بينصية، تستقرئ الفضاء العماني انطلاقًا مما يتردد كمآثر مشهدية في النص. وكل ذلك يحدث في مكان متخيل هو قرية (العوافي) التي تحتشد فيها كل عناصر المكان العماني، بعد نزع حمولاته التصنيفية. فهو النص المكاني الجامع لكل الفضاءات العمانية، ولذلك جاءت تلك الانحرافة المجازية بمثابة منبه من منبهات التخييل، المفارق للواقع والمرتد إليه في الآن نفسه.
الرواية مهندسة بلغة تعبيرية ملتصقة بالفضاءات وأحاسيس الشخصيات. بجُمل قصيرة خاطفة، وإيقاعات استرواحية بطيئة. خصوصا في بداية الرواية. عندما كانت (ميا) تتبتل بما يشبه الصلاة السرية «يا ربّي حلفت بك... حلفت لك بكل شيء. فلماذا أرسلت ولد سليمان لبيتنا؟ تعاقبني على حبّي؟». وهذا التبتل إنما جاء بعد أن رسمت جوخة الحارثي هيئة جاذبة لعلي بن خلف، أشبه ما تكون بالتمثال المنغرس بعمق في محراب العشق «حين رأت ميا علي بن خلف، كان قد أمضى سنوات في لندن للدراسة وعاد بلا شهادة. لكن رؤيته صعقت ميا في الحال. كان طويلا لدرجة أنه لامس سحابة عجلى مرقت من السماء، ونحيلا لدرجة أنّ ميا أرادت أن تسنده من الريح التي حملت السحابة بعيدا. كان نبيلا. كان قدّيسا. لم يكن من هؤلاء البشر الذين يتعرّقون وينامون ويشتمون». لكن لذة البطء السردي تلك اختفت بمجرد أن توقفت ميا عن الخياطة. عندما سألتها مرّة: «لماذا لا تخيطين يا ميا؟»، فردت عليها: «إيش أخيط والخياطين في كل مكان... وبصراحة ملّيت». حيث التلازم البنيوي ما بين التهادي الحياتي والبطء السردي.
بعد هذه اللقطة، التي تشكل فاصلا بين زمنين، بدأت الرواية تتخلى عن نسج المشاهد بلغة تفصيلية هادئة، وتسارع الإيقاع بشكل مخل. حيث تسيدت اللغة الإخبارية مشاهد الرواية. وتعطلت مفاعيل وسحرية الشخصيات المؤمكنة. ومرد ذلك يعود إلى اتساع المكان والمسافات، بعد الخروج من محدودية (العوافي) إلى رحابة (مسقط). وانتقال السرد إلى لحظة زمنية سريعة الإيقاع مؤسسة على حركة الشخصيات المستعجلة، والبيوت التي فقدت سحرانية تأثيرها بأضواء النيون، والأدوات الاستعمالية البلاستيكية، التي تحيل إلى واقع جديد بارد الملامح. الأمر الذي لم تتمكن فيه جوخة الحارثي من الإبقاء على ديمومة المتعة المترسبة في النصف الأول من قاع الرواية. وهو أداء بدا أكثر وضوحا في اللوحات المتأخرة، حيث الكتل الكلامية المفككة، والتعبيرات الكلامية المستعجلة. والمشهدية الشكلية التي تؤكد أن تشبّع الروائية بمشاهد القرية والاستمتاع باستذكارها سرديا يفوق درايتها والتصاقها باللحظة والفضاءات الجديدة.
لكل سيدة من (سيدات القمر) قصة حُبّ موجعة سببها الرجل. ليس بالضرورة من خلال حضوره الغادر، وإنما بسبب وجوده على رأس هرم بطريركية راسخة الجذور تجعله في موقع المتسلط على المرأة. وهذا هو جوهر استراتيجية النص. إذ لا وجود للمرأة خارج النظام الاجتماعي المعقد، المحتشد بالعادات والتقاليد والأعراف التي تحد من حرية المرأة على الرغم من الهامش البسيط المتأتي من التحولات التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية. ولا مستقبل لأي حالة ارتواء عاطفي على ذلك القاع الاجتماعي الرجراج الذي لا يسمح باستواء قصة حُبّ. وهذا هو منطق الرواية باعتبارها الكون السردي الصغير الذي يحيط به كون واقعي حياتي أوسع وأكبر بكثير.
لا تشي الرواية بأي قراءة تأويلية ضالة، بقدر ما تستعرض مآزق الذات الأنثوية العاشقة بشكل تكراري إلى الأمام، من خلال عرض تراتبية أجيال يتغير فيها كل شيء إلا قدر المرأة مع الحُبّ. انطلاقًا من (سالمة) التي زوّجها عمها قسرا لـ(عزان) حيث انحرف فيما بعد عنها إلى علاقة جارفة مع (نجية القمر) فانفصلت عنه جسديا. ثم ابنتها (ميا) التي كانت تحلم بالزواج من (علي بن خلف) لكنها تُجبر وفق الأعراف الاجتماعية على الزواج من (عبد الله) ابن التاجر سليمان لتكمل حياتها زوجة شكلية مع زوج يعشقها لكنها لا تبادله الشعور نفسه. وهو المآل الذي صادفته حفيدتها (لندن) في علاقتها بـالشاعر المتمرد (أحمد) المتورط بعلاقة هو الآخر مع رئيسة الجماعة الأدبية في الجامعة. وهو المصير نفسه لعلاقة (خولة) بابن عمها (ناصر) حيث هجرها ليلتحق بزوجته الكندية. لتبقى قصة (أسماء) مع (خالد) استثناء في تلك السلسلة من الإخفاقات، التي تؤكد انهزام المرأة واستسلامها أمام مجتمع يتفنن في إعادة إنتاج البطريركية مهما تقدم في الزمان والمكان.
إنها رواية استجوابية لماضي وحاضر عمان، بالمعنى الحداثي للكلمة. ومن الزاوية التي ترى بها المرأة الوجود تحديدا. حيث تمدد جوخة الحارثي حكايا (السيدات) في نص يستمد قوته في البداية من شكله الجمالي، ومن ثراء مضامينه. وإن كانت واقعيته الصريحة تؤمم المعنى لصالحها بصفتها روائية مهيمنة لا متسائلة. لولا أنها تتخلى فيما بعد عن التعبيرات المسكوكة بعناية بلاغية، وعن العلامات الإشارية التي شيدت بها استهلالات الرواية إلى فكرة تلقين القارئ بما ينبغي عليه أن يستنبطه من حركية النص. وهي أدائية استدراجية لاستدماج القارئ في استراتيجية النص واعتباره جزءا من عملية بنائه. حيث اللهاث وراء قدر شخصيات معاندة للتنميط داخل النص، وسيرورة الواقع. وكأن الرواية بذلك الانحياز لقصص النساء تستنطق ذكورية المكان العماني، أو بمعنى أدق تستعمله، لتشييد لعبة تأويلية بنبرة أنثوية خافتة خالية من عنف المناقدة.
- ناقد سعودي



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».