مذيع الملوك يروي ذكريات الإعلام السعودي في كتابه الجديد

محمد أحمد الصبيحي حاور القادة والزعماء... وأسمعَ صوته «مسافري» السماء

الملك فيصل يفتتح محطة تلفزيون جدة عام 1966 وكان الصبيحي مذيع الحفل
الملك فيصل يفتتح محطة تلفزيون جدة عام 1966 وكان الصبيحي مذيع الحفل
TT

مذيع الملوك يروي ذكريات الإعلام السعودي في كتابه الجديد

الملك فيصل يفتتح محطة تلفزيون جدة عام 1966 وكان الصبيحي مذيع الحفل
الملك فيصل يفتتح محطة تلفزيون جدة عام 1966 وكان الصبيحي مذيع الحفل

يعد الإعلامي السعودي الدكتور محمد أحمد الصبيحي أحد أقدم الوجوه في الإعلام المسموع والمرئي والمقروء في بلاده السعودية. عرفه الملايين الذين يجوبون الأرض والسماء عبر المركبات والطائرات بصوته المميز الرزين وهو يردد على مسامعهم «دعاء السفر» الذي اعتمدته الخطوط السعودية قبل إقلاع رحلاتها الداخلية والخارجية، كما أدخلته بعض وكالات السيارات في أجهزة التسجيل التي يتم تركيبها في السيارات التي تباع في السوق السعودية، وساهم انطلاقاً من خبرته الإعلامية بجهد في البدايات المبكرة لتأسيس الإذاعة والمحطات التلفزيونية في بلاده والخارج، وكان قبلها مذيعا لافتا في إذاعة بلاده، قدم من خلالها برامج منوعة لقيت صدى طيبا ومتابعة من قبل المستمعين، كما صاحب ملوك الدولة السعودية في رحلاتهم ومناسباتهم المختلفة مذيعا معتمدا.
في رحلة الدكتور الصبيحي مع العمل الإعلامي السعودي، محطات ومواقف، تعد تاريخا مهما يرصد البدايات الصعبة ورحلة الكفاح لتأسيس أرضية للانطلاق في قطاع الإعلام المسموع والمرئي والمقروء، في ظل إمكانات محدودة وقبل ثورة الاتصالات التي حدثت في كل القطاعات ومنها قطاع الإعلام.
وضع الدكتور الصبيحي أطيافا من سيرته الذاتية ووقائع رحلته في الحياة وفي الإعلام، التقطها من ذاكرته، واختلط فيها (الذاتي) كسيرة إنسانية، بـ(الموضوعي) كسيرة عملية، بدءاً بميلاده بمكة المكرمة والدراسة بمراحلها الأولى، ثم الانتقال إلى جدة وتكملة الدراسة في مراحل التعليم العام، وبداية الرحلة مع الإذاعة السعودية ومرحلة الشهرة، وبعدها رحلته مع التلفزيون السعودي وتأكيد تلك الشهرة، معرجا على انتقاله إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة الماجستير والدكتوراه في إحدى جامعاتها العريقة، ليعود إلى بلاده وإلى وزارة الإعلام تحديدا، والبدء بتأسيس القناة الثانية بالتلفزيون السعودي، ثم مرحلة العمل بشركة الكهرباء بجدة، ليشد الرحال إلى لندن ويعمل ملحقا إعلاميا في سفارة بلاده ببريطانيا، وتجربته الثرية في المركز الإعلامي الذي تحول إلى معلم ثقافي كبير، وصوت سعودي مسموع في العاصمة البريطانية إبان الحضور الباهر للسفير السعودي هناك الدكتور غازي القصيبي، متذكرا مساهمته الأولى في إنشاء قناة ال(MBC)، ثم عودته إلى حضن الوطن وتوليه مسؤولية اتحاد الإذاعات الإسلامية كأمين عام لها لعدة سنوات، ثم مستشارا لهذا الاتحاد.
في كتابه الذي صدر مؤخرا «رحلة الأيام وذكريات في الإعلام» يتذكر الصبيحي أول تجربة إذاعية له، وهي تجربة لا تنسى ولم تعبر الذاكرة، فبعد أن تم تكليفه بتغطية وصول الملك سعود - ثاني ملوك الدولة السعودية الحديثة - من الرياض إلى جدة، حيث هيأ نفسه لهذه المهمة، واتجه إلى المطار في وقت مبكر ومعه جهاز التسجيل، وبصحبته مهندس الصوت المختص، وعند وصول الملك سعود وتوجهه إلى مقر إقامته في جده، ركب المذيع الجديد والمهندس في إحدى سيارات الموكب، وكانت سيارات مكشوفة، واتخذ مكانا على طرف السيارة ليقوم بالوصف، وما إن بدأ الموكب الملكي بالتحرك بسرعته المطلوبة، حتى وجد المذيع نفسه على وشك السقوط خارج السيارة، فما كان من المهندس المرافق له أحمد باجابر ومعه بعض الجنود المرافقين للموكب إلا الإمساك به بسرعة وأعادوه للسيارة بعد أن كاد يسقط منها.
وسرد الدكتور محمد بن أحمد الصبيحي تجربته مع الملك فيصل عندما كان وليا للعهد ثم ملكا، حيث حضر ولي العهد حفل افتتاح مشروع مياه الكيلو 14 طريق مكة إلى موقع الحفل عصرا دون مرافقين بسيارته البيضاء يقودها سائقه عمر باجابر، وكان الحفل بسيطا، والصبيحي هو مذيع الحفل، وكان من ضمن فقرات الحفل كلمة ألقاها عزيز ضياء ركز فيها على الماء وشحه وضرورة الترشيد في استخدامه، ولمح وصرح في هذا الإطار، وكان الملك فيصل منشغلا أثناءها بالحديث مع الشيخ عثمان باعثمان المسؤول عن وقف الملك عبد العزيز لمشروع المياه، ورد الملك فيصل على ما قاله عزيز ضياء مبينا جهود الدولة في توفير المياه وما تقوم به من مشاريع عملاقة في هذا الإطار، وكان الجميع يتصور أن الملك فيصل لم يسمع جيدا كلمة المتحدث، وعندما توجه المذيع الصبيحي إلى مبنى الإذاعة ليجري المونتاج على مادة تغطية الحفل ليذيعها لاحقا، حضر ضياء وطلب إجراء بعض المونتاج على كلمته التي ألقاها أمام ولي العهد في الحفل، اعتقادا أن الكلمة أثارت غضب الملك، وتم إبلاغ المتحدث أن المادة لا يمكن منتجتها ثانية وهي تذاع الآن على الهواء، ومرت الحادثة بسلام.
واعتبر الصبيحي أن تعيين الشيخ جميل حجيلان عام 1964 وزيرا للإعلام يعد بداية التغيير في خريطة الإذاعة استفادة من توجيهات الملك فيصل بخصوص «الترفيه البريء» والتي فسرت عدة تفسيرات لكنها في النهاية تعني كل عمل فني لا يخدش الحياء ولا يتجاوز العادات والتقاليد، من خلال ذلك بدأ الهيكل العام للإذاعة ينطلق من هذا الأساس وهو ما مثّل نقلة في تاريخ الإذاعة السعودية، مبرزاً ما كانت تقدمه الإذاعة من برامج ناجحة ووجود مسرح لها، وإنشاء مجلة تصدر عنها وإقرار إنشاء فرقتها الموسيقية لمصاحبة الفنانين، إضافة إلى قيام الإذاعة بتسجيل أغان وأناشيد عن المملكة ومدنها تجاوزت الخمسين، ولعل أشهرها أغنية «سلمك الله يا أبو عبد الله» أداها الفنان اللبناني وديع الصافي.
ويعود الصبيحي بذاكرته ليتحدث عن التلفزيون وبداية أول بث له في بلاده، ملمحا إلى أنه تم افتتاح محطتي تلفزيون الرياض وجدة في اليوم والوقت نفسه وذلك في السابع من يوليو (تموز) 1965 وكان مبنى التلفزيون في كل من جدة والرياض معلما من أبرز المعالم في الدولة حيث كان يزوره ملوك ورؤساء ومسؤولو الدول أثناء زيارتهم للمملكة، وكان التلفزيون في تلك الفترة شابا يافعا نشطا، استقطب عددا من كبار المذيعين العرب من الأردن ولبنان السودان وسوريا، وتم في عام 1966 افتتاح مبنى الإذاعة والتلفزيون وتم تصميمه على نمط مبنى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.
صاحب الصبيحي ملوك وأمراء الدولة السعودية من سعود إلى سلمان في رحلاتهم الخارجية المتعددة وكان هو المذيع الرسمي فيها أو رئيساً للوفد الإعلامي، ولعل أبرزها افتتاح الملك سلمان بن عبد العزيز (عندما كان أميرا للرياض) معرض المملكة بين الأمس واليوم في القاهرة، وقام الصبيحي بتقديم الحفل الذي حضره الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وحقق المعرض نجاحا باهرا «وحدثت فيه قصة لمواطن مصري من زوار المعرض قابله التلفزيون السعودي تمنى في المقابلة أن يوفقه الله ويؤدي فريضة الحج ليتلقى الصبيحي مكالمة من مكتب وزير الإعلام السعودي يخبره بصدور التوجيهات السامية للاتصال بهذا المواطن المصري وإبلاغه بتحقيق رغبته واستضافته لأداء فريضة الحج مع أسرته بعد أن تم الاستعانة بالكاميرات لمعرفة هذا المواطن من بين الآلاف الذين يزورون المعرض».
ويشير الصبيحي إلى «أنه بعد وقت طويل من عمله في لندن وإنشاء الـ(إم بي سي) ونشاط المركز الإعلامي في لندن جاءه اتصال من عساف أبو ثنين وكان يعمل سكرتيرا في مكتب الملك سلمان بن عبد العزيز عندما كان أميراً للرياض أبلغه أن الأمير أحمد بن سلمان (مؤسس المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق 1987) يقرئك السلام وقد رشحك لتسلم رئاسة تحرير (جريدة الشرق الأوسط في لندن)، وقد سرني هذا الخبر للغاية، وأثلج صدري، غير أني اعتذرت لارتباطي بأمر قناة الـ(إم بي سي) فضلا عن عملي كملحق إعلامي».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».