عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

قراءة في التحديات التي تواجه رئيس الحكومة العراقية

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني
TT

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني

رغم أن منصب رئيس الوزراء في العراق هو المنصب التنفيذي الأول الذي يكاد يحصر معظم الصلاحيات والسلطات بيده، فإنه لا يتمنى أحد من الساسة الناشطين في الساحة العراقية أن يكون بديلاً لرئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي. والجدير بالذكر أن هذا المنصب، الذي هو موضع اهتمام كل القوى السياسية، قاتل كثير منها من أجل إما الاستحواذ عليه عن طريق حصره بمرشحيها (خصوصاً، الكتل الشيعية التي تحتكر المنصب طبقاً لمبدأ المُحاصصة المعمول به في العراق بعد عام 2003، مع أنه غير منصوص عليه في الدستور)، أو المجيء بأشخاص لا يخرجون عن إرادة هذا الطرف أو ذاك داخل هذه الكتل.
لقد سعت الكتل السياسية الشيعية بكل قوة لإنهاء هيمنة حزب «الدعوة» على منصب رئيس الوزراء الذي تولاه ثلاثة من قياديي «الدعوة» من بين خمسة رؤساء وزراء في العراق هم: الدكتور إبراهيم الجعفري (2005 - 2006)، ونوري المالكي (2006 - 2014)، والدكتور حيدر العبادي (2014 - 2018)، في حين تولى اثنان (من الشيعة أيضاً) منصب رئيس الوزراء بعد التغيير، هما الدكتور إياد علاوي رئيس الوزراء الانتقالي (2004 - 2005)، والآن عادل عبد المهدي، القيادي القديم في المجلس الأعلى الإسلامي، الذي تولى المنصب أواخر العام الماضي، لدورة من أربع سنوات.
غير أن دورة عبد المهدي تكاد تنصرم سنة منها بعد شهور (نال الثقة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2018) ولم تكتمل حتى لحظة كتابة هذه السطور حكومته التي كانت حتى قبل أقل من أسبوعين «ناقصة» أربع حقائب، اكتمل منها ثلاث أخيراً، هي الدفاع والداخلية والعدل، بينما بقيت حقيبة التربية شاغرة.

حكومة ناقصة... تربية
بالمناسبة، لأن العراقيين أصحاب نكتة حتى في الظروف الصعبة، بعد فشل البرلمان في تمرير المرشحة الرابعة لمنصب وزير التربية أطلق المغردون العراقيون «هاشتاغ» على وسائل التواصل الاجتماعي بقدر ما هو مليء بالسخرية، فإنه يعبر عن مرارة ما يجري... هو «حكومتنا ناقصة تربية».
غير أن الأمر لم يعد يقتصر على التربية، سواء كانت حقيبة أم سلوكاً اجتماعياً. والعراق يعاني منذ فترة غير قصيرة من أزمات ومشاكل، من ضمنها أزمة كل موسم صيف، ألا وهي المظاهرات، لا سيما في مدن ومحافظات الجنوب، وفي مقدمتها البصرة. هذه المظاهرات تجعل مهمة مَن يتولى منصب رئيس الوزراء في بلد مثل العراق أشبه بمن ينفذ عملية انتحارية. ومن ثم فعبد المهدي، الذي شكّل حكومة خارج نطاق الكتلة البرلمانية الأكبر في مخالفة صريحة للدستور، يجد نفسه اليوم وحيداً ومفتقراً للدعم البرلماني المباشر بلا ثمن.
عبد المهدي جاء من خارج قبة البرلمان، بمعنى أنه ليست لديه كتلة داخل البرلمان هي التي رشحته، وتتولى دعمه، والدفاع عنه. أيضاً الرجل جاء بنتيجة توافقٍ هشّ بين تحالفي «الإصلاح» و«البناء». وبالتالي، جرى اختزال هذا التوافق إلى كتلة «سائرون» التي يدعمها السيد مقتدى الصدر التي هي جزء من تحالف «الإصلاح»، وكتلة «الفتح» التي يتزعمها هادي العامري ضمن تحالف «البناء». ولكن، اليوم، بعد أكثر من ثمانية شهور يواجه رئيس الحكومة المطبات التالية:
أولاً: تعذّر اكتمال الحكومة بكل أركانها (وزارة التربية نموذجاً)، وهو ما يعني الإخلال في تطبيق البرنامج الحكومي الذي وعد العراقيين بتطبيقه خلال فترة حكمه التي تدوم في العادة 4 سنوات، طبقاً للنظام الانتخابي في العراق.
ثانياً: العجز عن البت بملف الوكالات التي تُدار بموجبها الدولة العراقية منذ 16 سنة. ففي حين ألزم البرلمان العراقي نفسه طبقاً لقانون الموازنة بالانتهاء من ملف إدارة الدولة بالوكالة حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي، فإنه اضطر إلى إعادة النظر بالفقرة وتعديلها بما يمدد المهلة إلى بضعة شهور تالية. وهو ما يعني أن الحكومة، على صعيد الدرجات الخاصة، مثل الوكالات والهيئات والمديريات العامة، ما زالت «عرجاء».
ثالثاً: أزمة المظاهرات الصيفية بسبب سوء الخدمات مثل الماء والكهرباء. هذه الأزمة تتفجر بدءاً من الشهر السابع، يوليو (تموز)، وتستمر حتى أوائل الشهر العاشر، أكتوبر (تشرين الأول)، حين يتحسن الجو، وتنتهي تلقائياً أزمة الكهرباء... التي تحوّلت إلى معضلة، في بلد موازنته السنوية أكثر من مائة مليار دولار أميركي، وينفق على هذا القطاع عشرات المليارات سنوياً، من دون فائدة أو حل.
رابعاً: قضية التصعيد الأميركي - الإيراني الخطير، وضيق خيارات العراق كدولة حيال هذه الأزمة، فيما لو تحولت إلى صراع عسكري. ذلك أن العراق، الذي يحتفظ بصداقة بين الطرفين المتخاصمين، أميركا وإيران، يعاني من أزمة ثقة عند كلا الطرفين. أميركا ترى أن موقف الحكومة العراقية ضعيف حيال هيمنة إيران، وأذرعها داخل البلاد، مثل الفصائل المسلحة التي تهدد الأميركيين علناً بوقوفها إلى جانب إيران. والحقيقة أن ثمة مصاديق لهذا الكلام، مثل إبلاغ واشنطن عبد المهدي أن الطائرات المسيرة من دون طيّار «الدرون» التي ضربت المطارات السعودية انطلقت من العراق. وكذلك عملية اقتحام السفارة البحرينية، عندما اعترفت كتائب «حزب الله» بأنها دعمت جزءاً من عملية الاقتحام. وفي المقابل، فإن الإيرانيين يرون أن الحكومة العراقية ضعيفة حيال النفوذ الأميركي في العراق المتمثل بوجود قواعد أميركية في العراق، وكذلك وجود آلاف الجنود الأميركيين، الذين تقول عنهم الحكومة العراقية إنهم «مستشارون»، بينما يقول أصدقاء إيران في العراق إنهم قوات عسكرية قتالية.
خامساً: قضية إعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وما يمكن أن يسببه هذا القرار من صدامات وإشكاليات عند التطبيق.

تعليمات تنتظر التنفيذ
من حيث المبدأ قد لا تبدو التعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء عبد المهدي، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، بإعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، وإمهال الفصائل المسلحة غير المنتمية له، مدة شهر، لتصفية أمورها جديدة تماماً، إذ سبق لسلفه حيدر العبادي أن أصدر عام 2018 قبيل بضعة شهور من انتهاء ولايته تعليمات مشابهة تقريباً. بيد أن الفارق بين مارس (آذار) عام 2018، حين صدرت تعليمات العبادي، وبين الأول من يوليو عام 2019، حين صدرت تعليمات عبد المهدي. ومع أن العبرة تبقى في تطبيق الفقرات العشر الواردة في الأمر الديواني، يبقى التصعيد الأميركي الإيراني، الذي يأخذ الآن أبعاداً خطيرة، المسألة الأهم التي جعلت المراقبين ينظرون إلى تعليمات عبد المهدي اليوم بمنظار آخر غير ما رأت فيه تعليمات العبادي.
الأميركيون، وهذا أمر واضح للجميع، بدأوا يضغطون على الحكومة العراقية حيال أسلوب تعاملها مع أذرع إيران، بالذات داخل العراق، في أعقاب سقوط سلسلة صواريخ «كاتيوشا» على السفارة الأميركية في قلب بغداد، فضلاً عن انطلاق الطائرات المسيرة الـ«درون» من داخل العراق إلى الأراضي السعودية.
الخلط حصل في العلاقة بين «الحشد الشعبي»، بوصفها هيئة تابعة للقوات العسكرية العراقية، مع أن قانونها مختلف، وقد صوّت عليه البرلمان العراقي عام 2015، والفصائل المسلحة الأخرى غير المنتمية لـ«الحشد الشعبي».
الخبير الأمني المتخصص فاضل أبو رغيف رصد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» سياق هذه العلاقة، وكيف يمكن أن تحصل عملية تطبيق التعليمات العشر، فقال شارحاً إن «هذا القرار فيه عدة مضامين، حيث يبدو كما لو كان إعادة هيكلة فيما يتعلق بإعادة تنظيم أفراد الحشد الشعبي، فضلاً عن إلغاء جميع المكاتب الاقتصادية، وهو ما يعني أنه لم يعد هناك أي مكتب اقتصادي عائد للحشد». وبيّن أن «القرار كان واضحاً في تخيير مَن يريد أن يعمل ضمن المؤسسة العسكرية، أو يختار طريق العمل السياسي». وأوضح أبو رغيف أن «هذا الأمر سوف يشمل أيضاً الحشود العشائرية السنّية، وبالتالي، فإن هذا القرار يأتي متسقاً مع إنهاء دولة التمكين الداعشية، وأهمية الانتقال إلى العمل الاستخباري دون العمل الميداني».
لكن للخبير الاستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي رؤية أخرى في هذا السياق، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «ينبغي ألا يُنظَر إلى تعليمات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على أنها جاءت لتقليص توسّع فصائل الحشد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على حساب جسد الدولة العراقية فقط». وأوضح أن «هذه التعليمات لم تأتِ لإبرام صفقات تآمرية، وفرض إرادة القائد العام للقوات المسلحة بالضد من الحشد، ذلك أن العبادي كانت له تعليمات تنظيمية مشابهة إلى حد كبير وتتطابق كثيراً مع تعليمات عبد المهدي». وحسب الهاشمي، فإن «تلك التعليمات كانت أفشلتها بعض قيادات الحشد»، مبيناً أن «التعليمات في حالتي العبادي وعبد المهدي تنصّ على إخراج المعسكرات من المدن، وفكّ الارتباط السياسي والحزبي وإغلاق المكاتب الاقتصادية».
كذلك أوضح الهاشمي أن «التعليمات تميّز بين الفصيل المنضبط والآخر الخارج على القانون. وهذا يلزم ملاحقة قانونية وأمنية قد تنتهي بتمرُّد مسلح ومعارضة سياسية وانقسام داخل البيت السياسي الشيعي، وربما حتى الشارع في محافظات الجنوب والفرات الأوسط والعاصمة بغداد»، ثم أشار إلى أن «هذا كله يبقى معلقاً بجدية الحكومة في تنفيذها لهذه التعليمات، ومدى استجابة قيادات الفصائل لهذه التعليمات. ولا بد أن يؤخذ بنظر الاعتبار تشكيك السيد الصدر حول تنفيذ التعليمات بعدالة على الجميع».
وثمة من يشير إلى ما سيواجهه عبد المهدي من ذرائع خلال الشهر المحدد للتنفيذ، خصوصاً حملة التشكيك بشأن دوافع القرار، وما إذا كان الهدف منه تذويب «الحشد» وإنهاء دوره، أو عدم تطبيقه بشكل سليم، لهذا السبب أو ذلك. ولعل ما صدر عن كتائب «حزب الله» يعزز إلى حد كبير هذه الفرضية، خصوصاً أنها رأت أن رئيس الوزراء استثنى قوات «البيشمركة» الكردية من هذا القرار، بينما يفترض أن شمولها بهذا القرار أيضاً. والواقع أن اتساع حملة التشكيك، لا سيما، على صعيد عدم ضم «البيشمركة» متوسعة، رغم أنها دافعت عن نفسها بالقول إن وجودها كحرس للإقليم الكردي مرتبط بالدستور.

«كاتيوشا» بلا حدود
في سياق متّصل، في ضوء تكرار إطلاق صواريخ «الكاتيوشا» وقذائف الهاون، واضح أن الحكومة العراقية لم تتمكن بعد من إحكام السيطرة على السلاح المنفلت إلى حد كبير. ومع أن سياق العلاقة بين إيران وأميركا أصلاً لم يكن مريحاً بالنسبة للعراق وحكوماته المتعاقبة منذ عام 2003 وإلى اليوم، فإن الأمر بات مختلفاً الآن.
وبالفعل، تنظر الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى الاستمرار في إطلاق الصواريخ، وبالذات استهداف السفارة الأميركية، على أنه يأتي في سياق الاستفزاز الإيراني المتعمَّد لواشنطن. ومع أنه سبق لواشنطن تحذير الحكومة العراقية من مغبة تمادي الاستفزازات الإيرانية عبر وكلائها في العراق، فإن حكومة بغداد واقعة بين مطرقة التصعيد وسندان الضغوط الداخلية، وبالتالي، ما زالت تجد نفسها في حيرة من أمرها إزاء كيفية التعامل مع مثل هذه الوقائع.
وللعلم، في غضون الفترة الأخيرة سقطت عدة صواريخ على «المنطقة الخضراء» حيث مقر السفارة الأميركية في قلب العاصمة بغداد، وكذلك في مدينة البصرة ومحيطها حيث موقع شركات النفط، خصوصاً «إكسون موبيل» الأميركية، التي اضطرَّت مرتين خلال بضعة شهور إلى إجلاء العشرات من موظفيها من موقع العمل بالبصرة بسبب مخاوف من تعرضهم إلى إصابات.
هذه الصواريخ العابرة للحدود ما زالت مصدر إرباك داخل المشهد العراقي الذي يئن تحت وطأة الأزمات الداخلية التي يعيشها، مثل أزمة الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء واحتمال اتساع نطاق المظاهرات ودخول أطراف داخلية وخارجية من أجل حرفها عن مسارها الذي رسمه لها الدستور، ناهيك بالتحديات الأخرى التي تواجهها البلاد... وفي مقدمتها تحديات الأزمة الاقتصادية، رغم الوفرة في موارد النفط، وتحدي تنظيم «داعش» الذي ما زالت خلاياه النائمة تضرب هنا وهناك في العراق.
وحول مجريات الصراع الأميركي - الإيراني، وموقع العراق منه، قال القيادي في تحالف «الإصلاح» حيدر الملا في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «الولايات المتحدة الأميركية نجحت في تقديم شكل الصراع الدائر بينها وبين إيران، على أن إيران باتت مصدر تهديد للأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، كما استطاعت أن تقدم الصراع على أن إيران مصدر تهديد لمصادر الطاقة في العالم». وتابع أن الولايات المتحدة «حوّلت الصراع من كونها دولة عظمى تريد، كما تقول طهران، أن تعتدي على إيران، إلى دولة تريد أن تقوم بإجراءات دفاعية حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها... وهو ما يعني أن الولايات المتحدة نجحت في كسب المعركة السياسية».
وحول موقف العراق من هذه الأزمة، رأى الملا أن «موقف العراق كان متميزاً عبر اتجاهين، هما: أولاً رفض العراق أن يكون جزءاً من محور ضد محور آخر، وثانياً أنه نجح في إرسال رسائل تستخدم ورقة العراق بين طرفي الصراع». وأوضح أن «واشنطن أجادت التعامل في هذه القضية، بعكس الجانب الإيراني، حيث إن حالة الحصار الاقتصادي الذي تعانيه حاولت أن تبعث رسائل مفادها أن العراق سيبقى خط الدفاع الأول لها».

شكوك وملابسات على صعيد التشكيل الحكومي
> اضطر البرلمان العراقي إلى تمديد فصله التشريعي لمدة شهر للانتهاء من ملف الوكالات والدرجات الخاصة وسواها من القضايا المعلقة. ويُذكر أن تعذّر استكمال الكابينة الحكومية من جهة حقيبة التربية، واحتمال تأخر إكمال تطبيق البرنامج الحكومي يمكن أن يرتبا مصاعب وملابسات تخص الحكومة ورئيسها عادل عبد المهدي. وبالتالي، فإن المطلوب اليوم أهمية التعجيل بتنفيذ فقرات هذا البرنامج الذي تتوقف على تنفيذه طريقة تقييم الحكومة وهي تمر بمنعطف كبير. والواقع، أن ثمة قوى سياسية عراقية منحت عبد المهدي فرصة سنة كاملة لإعادة تقييم حكومته، وفي المقابل، منها مَن ذهب إلى المعارضة مثل «تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم. ومن هنا، فإن السياسيين والبرلمانيين العراقيين يرون أن تطبيق مفردات البرنامج الحكومي بات يمثل أولوية أولى في الوقت الحاضر. هشام السهيل، عضو البرلمان العراقي عن كتلة «وطن»، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن استكمال الكابينة الوزارية أمر في غاية الأهمية، خصوصاً بعد فترة طويلة من التأخير، إذ إن من شأن ذلك أن يصبّ في مصلحة استقرار البلد، والعملية السياسية وسوف ينعكس على الأداء الحكومي. وأضاف السهيل أن «ما تبقى من الكابينة هو فقط حسم مصير وزارة التربية وهو ما نحتاج إلى الانتهاء منه خلال الفصل التشريعي الحالي».
من جهة أخرى، دعا آراس حبيب كريم، عضو البرلمان العراقي عن محافظة بغداد وزعيم «المؤتمر الوطني العراقي» في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية البدء في تنفيذ مفردات البرنامج الحكومي، لا سيما أننا تأخرنا كثيراً في استكمال الكابينة». وأردف قائلاً إنه «بقطع النظر عن المبرّرات، فإن ما حصل قد أكل من جرف الدولة كمؤسسات ومن جرف الحكومة كبرنامج واجب التنفيذ طبقاً لتوقيتاته الزمنية، ذلك أنه لم يعد ثمة مبرّر لأي قصور في أي ميدان من ميادين العمل، لا سيما على الصعيد الأمني، حيث ما زلنا نواجه العديد من التحديات، سواء على مستوى تجفيف منابع الإرهاب أو التصعيد في المنطقة»، ثم أوضح أنه «مع استكمال التصويت على مرشح التربية، لأن التكامل بين المؤسستين التشريعية والحكومية سيكون مهماً جداً على صعيد تنفيذ الوعود والتعهدات التي قطعناها للشعب».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟