«أما بعد» للسعودي ناصر السالم فيه الكثير من الفلسفة... والخط العربي

المعرض الفردي الأول للفنان في لندن

الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
TT

«أما بعد» للسعودي ناصر السالم فيه الكثير من الفلسفة... والخط العربي

الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)
الفنان السعودي ناصر السالم أمام أحد أعماله (دلفينا فاونديشن)

في إحدى الدورات السابقة من معرض «آرت دبي» استوقفني منظر فنان شاب ينحني على الأرض وأمامه حفنة من التراب، جلس يشكلها لتتمثل فيما بعد لوحة فنية بديعة بالخط العربي. الفنان هو السعودي ناصر السالم الذي يشكل من حروف اللغة العربية أعمالاً فنية بطابع مختلف عما هو موجود في الساحة. في كل عرض له هناك عمل أو أكثر يستوقف الناظر بتميزه عن غيره والطريقة التي تتحول بها الكلمات العربية الفصيحة لتحمل معاني اجتماعية وفلسفية تعكس تفكير الفنان وتطوره المستمر.
سنحت لي الفرصة أن أزور المعرض الفردي الأول لناصر السالم في لندن والمقام في مقر «مؤسسة دلفينا» بحي سانت جيمس. المعرض يحمل عنوان «أما بعد» وتطالعنا في مدخل المركز لوحة بديعة كلاسيكية الطابع بالخط العربي تجسد الكلمة. البداية تمثل بدايات السالم في مشواره مع فن الخط العربي وفي الطابق الأسفل هناك أعمال أخرى متعددة تعبر عن أسلوب مختلف للسالم، أقرب للتجريدية، يستخدم نفس الجملة «أما بعد» في عدد من الأعمال، يمكن قراءة الكلمات أحياناً وفي أحيان أخرى تصبح عملية البحث عن الأحرف ممتعة رغم صعوبتها.
ما بين الرسم على الورق وما بين المجسمات تتنوع أعمال المعرض لتعكس تناول السالم للخط العربي سواء من حيث الشكل أو من حيث المفهوم. يستكشف أبعاد «أما بعد» ويبدأ من المعنى الأساسي للكلمات، فيقول في حوار مع «الشرق الأوسط» إن أعمال المعرض كلها تدور حول «أما بعد» وكلها تتناولها بطرق مختلفة. «لماذا اخترت (أما بعد)؟»، أجدني أسأله ويجيب قائلاً: «(أما بعد) تحمل أكثر من معنى بالنسبة إليّ، تعني المستقبل وأيضاً تعني لحظة في الوجود. لا نقول (أما بعد) إلا إذا كان هناك أمر حدث وأمر آخر سيتبعه». النقطة فلسفية إلى حد كبير ويشرح لي السالم أنه قضى وقتاً طويلاً في القراءة والبحث في أبعاد التعبير: «أرى أننا عندما نقول تعبير (أما بعد) نكون على علم بما سيأتي بعده، وبنظرة أشمل أراها تعبّر عن المستقبل». في نظر الفنان الكلمات تعبر عن أحداث كثيرة مضت وتركناها خلفنا ولكننا ننتظر ما الذي سيأتي بعد ذلك. بنظرة أقرب إلى الواقع المحلي يرى السالم أن ذلك المعنى ينطبق على التغييرات المتلاحقة في السعودية، إذ يقول: «أحس أن التجربة جديدة علينا، أن فيها رؤية قادمة، أصبح أمامنا هدف نسعى للوصول إليه».
من المعنى الفلسفي للكلمات التي تجسدها؟ يجيب: «بالنسبة إليّ هي كلمة لها معنى من ناحية فلسفية أيضاً من ناحية استخدامها وفي تجربتي في الخط دائماً كنت أحاول أن أخلق صورة المعنى. كلمة (أما بعد) لها وجود ولها مستقبل فكيف يمكن أن أخلق صورة لهذا المعنى؟»، التساؤل يأخذنا للنظر إلى أول الأعمال المعروضة، وهو مكعب صغير الحجم من الحديد المعلق بخيط في ركن الحجرة. بالاقتراب منه نرى أنه مكون من طبقات مكونة من أحرف، يشرح لنا: «المشروع كله بدأ بهذا العمل وعنوانه (1 كيلو في 1 كيلو). يعبّر عن فكرة أننا كلما نقترب منه ونحاول قراءة الأحرف تصبح الكلمة بعيدة عنّا». وبالفعل فالتشكيل يبدو غامضاً من بعيد ولكن بالاقتراب منه ومع وضوح الأحرف وقراءة كلمة «أما بعد» يطغى معنى الكلمة ليأخذنا إلى أبعد، لأمر سيحدث في المستقبل. أتساءل: «العمل يعتمد على إدراك المتلقي لفكرة الزمن؟»، ويقول: «بالضبط الزمن شيء شخصي جداً، الكلمة معاصرة دائماً، كلما نظرت إليها تجدها ترتبط بالوقت الحالي، هي طول عمرها كلمة معاصرة».
في كل الأعمال أمامنا وعلى اختلاف مستوياتها ومعانيها المجردة يظل السالم محافظاً على هويته كفنان متخصص في الخط العربي، وإن كان يأخذ هذا الفن إلى أبعاد جديدة ومختلفة. يحاول التعبير عن الكلمة ومعناها بتطويع حروفها لتتشكل أمامنا، يعرف أنه يحاول التعبير عن كلمة ليست لها صورة: «كل الأعمال هي كلمة (أما بعد)، المهم هو كيف يمكن أن توصلها وتعبر عنها وتفهمها ككلمة، كلمة ليست لها صورة».
أسأله: «تهتم بالكلمة والمعنى في الوقت نفسه؟»، يجيبني قائلاً: «المعنى مهم لي فالكلمة عندما لا يكون لها معنى لا يكون لها وجود وبالعكس. صار لها وجود ولها أبعاد حقيقية، فكيف تحاول تحويل هذا البعد إلى شكل مرئي؟».
في العمل الثاني الذي يبدو على هيئة عصا من المعدن الأسود ممتدة على مسافة مترين، يطلق على العمل اسم «ثانية» ويشرح لنا المعنى ويقول إنه عبّر بهذا العصا الأفقية الممتدة عن كلمة «أما بعد» أيضاً. كتبها بطريقة مختلفة وبالخط الكوفي، كُتبت بطريقة مختصرة، تشترك في الحروف نفسها مختصرة بعضها مع بعض. يقول: «العمل يقوم على فكرة المتر كوحدة قياس، وهو أساساً تم قياسه على أساس رحلة الضوء من نقطة لأخرى. الأبعاد مأخوذة من الوقت، فالعمل يعد بعداً مكانياً (2 متر) فهو وحدة قياس لكن هو أيضاً يعبر عن الزمن، عن الثانية». بهذا المفهوم أنظر إلى العمل أمامي وأجدني أقرأ حروف «أما بعد» في بداية العصا غير أن الحروف تمتد على امتداد المترين، وبالنظر من الجنب يمكننا تخيل الكلمة وهي تمتد على امتداد النظر، كأن الأحرف تكتسب بعداً مختلفاً. أعلق قائلة: «يبدو أن الكلمة تعبّر عن اللانهائية؟»، يقول: «كأنها لا منتهية وكأنها متعددة الأوجه، فتمكن قراءة الأحرف من أكثر من جهة، وبالتالي يجعلنا نتساءل: أين اتجاه المستقبل؟ وهذا الشي صعب تخيله، وفي النهاية يعتمد على أين تقف أنت ومن أين تراه؟ في العمل منظور شخصي قوي في موضوع الوقت، وبصيغة فلسفية».
بالانتقال إلى العمل الثالث نجدنا أمام رسم لدائرة ضخمة، يقول: «العمل عنوانه (متزامن) ويعبر عن اللحظة التي يتزامن فيها الزمان والمكان، كتبتها بهذه الطريقة الدائرية المستمرة حيث تشتبك الحروف وتظل مستمرة لا إرادياً». لماذا اخترت الدائرة؟ أسأله ويجيب: «الدائرة شكل غير منتهٍ من الحركة وليست له بداية أو نهاية، وذلك يتمثل في تاريخ الأرض، كأننا نعيش في دائرة لا نعرف فعلياً متى بدأت ومتى ستنتهي، مثل فكرة (أما بعد)».
العمل التالي وعنوانه «الكون» يعبّر عن حركة الأرض بشكل بيضاوي، يقول: «هي نفس فكرة (أما بعد) ليس فقط من المنظور الشخصي أو من منظور المستقبل، فهناك منظور ثالث وهو الكون، الذي ننتمي إليه ويتحكم بنا أكثر مما نتحكم به، ماذا بعد هذا الدوران؟».
عمل «الخداع البصري» يبدو للوهلة الأولى كأنه تجسيد لمتاهة ضخمة، ويشرح لنا السالم ما أراد التعبير عنه أيضاً باستخدام كلمة «أما بعد» وإن كان من الصعب التوصل إلى الأحرف هنا، فهو يستخدم الأحرف كما يستخدم المثّال أدواته، تتخلى عن شكلها التقليدي لتصبح أداة طيّعة في يده. يقول: «كلما حاولت أن تلتقط اللحظة التي تتمثل في (أما بعد) وتكوّن فكرة عن المستقبل وتكون عندك رؤية واضحة للمستقبل يظل هناك عدم وضوح أو خداع بصري».
يرشدني لقراءة الأحرف لنصل إلى «أما بعد» ونتحدث عن صعوبة قراءة الحروف بالنسبة إلى غير المتحدثين باللغة؟ ويبدو سؤال له صدى لدى السالم الذي يقول إنه أمر صعب جداً وإنه يفكر في طريقة ربما لإضافة بعض العبارات التوضيحية مع العمل، ولكنه يعود لحبه للغة العربية والكتابة بها ويقول: هي «لغة قوية جداً، قرأت أن بها 12 مليون كلمة. كلغة عندها وصف واضح لكل شيء، وأنا سعيد لأني أعمل بالعربية».
في العمل التالي لوح من الورق الأبيض عليه كتبت أحرف منتظمة في كلمات صغيرة بعضها يمتد أفقياً وبعضها منكمش، يقول إن الكلمات التي لا تحمل «حركات تشكيل» هي كلها تنويعات على الكلمة موضوع المعرض، ويضيف: «كلمة (أما بعد) يمكن تشكيلها بسبع وعشرين طريقة، على حسب تشكيلها يمكنك التعبير عن معنى البعد الكامن فيها، هنا كتبتها 27 مرة وأزلت حركات التشكيل وبشكل ما تصبح الكلمة هنا تحمل الـ27 معنى لأنها من دون حركات تشكيل». في هذا العمل يصبح دور الناظر أكبر، فهو عليه دور تخيل الحركات على الأحرف ليستطيع قراءة الكلمة بالشكل الصحيح، وبهذا يصبح العمل تفاعلياً بشكل ما.
على الأرض هناك دائرة كبيرة سوداء اللون، العمل يحمل عنوان «الثقب الأسود». ورغم أن العنوان يعبّر عن حالة في عالم الفضاء فإن السالم يقرر أن يقتبس الاسم ليعبر بالأحرف ذاتها التي لا نراها هنا، ولكنه يشير إلى أطراف الأحرف التي تظهر على حواف الدائرة. يقول إنه كتب كلمة «أما بعد» لتكون دائرة مشتبكة الأحرف: «عندما كتبتها سحبت اللون الأسود من الحروف لداخل الدائرة لتمتلئ به وتصبح دائرة سوداء بالكامل وليصبح اللون الأسود معبّراً عن الحروف وهي تندمج معاً مشكّلةً تلك الدائرة السوداء كأننا نستكشف ما داخل الكلمة نفسها من احتمالات كثيرة». يقول عن العنوان: «سميتها (الثقب الأسود) لأن الثقب الأسود في الفضاء هو مكان يتغير فيه الزمن». أسأله: «لا تقصد المعنى السلبي للكلمة؟»، ويقول: «بالنسبة إليّ لا يوجد شيء سلبي في الكون، لا شيء يذهب للعدم، هو يذهب لشيء ليتحول إلى شيء آخر وهكذا، لا شيء يختفي، حتى أكبر النجوم التي تنفجر تصبح شيئاً آخر، باقية وموجودة وعايشة، مثل الإنسان».
ورغم أن الأعمال المعروضة قليلة العدد فإنها تحمل من الأفكار الكثير حول الوجود والزمن والمستقبل و... الخط العربي.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.