آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا

باريس تسعى للعودة إلى الواجهة في المنطقة عبر بوابة بغداد

آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا
TT

آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا

آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا

بعد مرور 11 عاما على رفضها اتباع خطى واشنطن ولندن في اجتياح العراق، تسعى فرنسا الآن للعودة إلى الواجهة في المنطقة، من خلال هذا البلد الذي يحارب تنظيم «داعش» المتطرف، أكان على الصعيد الدبلوماسي، أو في إطار تحرك عسكري.
وقبل 3 أيام من انعقاد مؤتمر دولي في باريس حول «السلام والأمن في العراق»، زار فرنسوا هولاند بغداد وكردستان ليعبر «للسلطات العراقية عن دعم فرنسا في محاربة إرهابيي (داعش)».
وفرنسا التي زودت المقاتلين الأكراد بالأسلحة لمواجهة هذا التنظيم، وترسل مساعدة إنسانية إلى اللاجئين المسيحيين والإيزيديين في شمال البلاد، تقوم بعودة لافتة إلى العراق الذي ربطتها به علاقات تاريخية قوية، لكنها غامضة، في ظل نظام صدام حسين الذي أطاح به الاجتياح الأميركي البريطاني في عام 2003.
ويبدو أن الدعم الفرنسي يطمئن القلقين في المنطقة وخارجها من تدخل عسكري أميركي بدأ منذ الثامن من أغسطس (آب) بضربات على مواقع تنظيم «داعش».
ويذكر كريم إميل بيطار، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، بأن «الدبلوماسية الفرنسية اعتمدت موقفا صائبا في 2002 - 2003 برفضها الانخراط في الحرب وبتوقعها نتائج التدخل: جعل البلاد معسكر تدريب لـ(القاعدة) في حين كان هذا التنظيم غائبا عنها قبل سقوط نظام صدام حسين».
وخلافا للولايات المتحدة تبدي باريس حرصها على الحصول على شرعية قانونية دولية مع مباركة السلطات العراقية والأمم المتحدة. وفي هذا السياق، أقر دوني بوشار من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بأنه «لا شيء يمكن أن يحدث في العراق من دون موافقة إيران. فالشيعة الحاكمون في بغداد قريبون جدا من طهران، كما أنهم متهمون بتهميش السنة مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر دفعهم للانضمام إلى المقاتلين المتطرفين».
وأوضح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الأربعاء الماضي، أن فرنسا ستشارك «إن اقتضت الضرورة» في تحرك عسكري جوي في العراق. ولفت مسؤول فرنسي طلب عدم الكشف عن اسمه إلى أن «مثل هذه المشاركة يجب أن تكون فعالة ومحددة الهدف. وينبغي الاحتفاظ بجانب من الاستقلالية. لا نريد أن نكون بمثابة متعهد ثانوي للأميركيين».
وترفض باريس في الوقت الحاضر اتباع الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي توعد بـ«تدمير» تنظيم «داعش» وهدد بضربه ليس في العراق، بل وأيضا في سوريا، حيث ظهر هذا التنظيم المتطرف في إطار الحرب الدائرة بين المقاتلين المعارضين ونظام الرئيس بشار الأسد.
واعتبر المسؤول الفرنسي أنها «ليست الأزمات نفسها. ويجب عدم الخلط بين المشكلتين حتى وإن كان تنظيم (داعش) موجودا في البلدين».
ولم يغب عن بال الدبلوماسيين الفرنسيين أن ـباريس كانت قبل عام رأس الحربة للقيام بتوجيه ضربات جوية على سوريا آنذاك ضد نظام بشار الأسد، لكنها اضطرت لإعادة النظر في اللحظة الأخيرة في مخططاتها عندما تراجعت الولايات المتحدة عن تلك العملية.
وتخشى فرنسا أن يؤدي توجيه ضربات إلى تنظيم «داعش» إلى تعزيز النظام السوري عسكريا على الأرض ويعطي مزيدا من الشرعية لبشار الأسد الذي تصفه باريس بأبشع الأوصاف منذ سنوات عدة.
وقال دبلوماسي فرنسي: «إننا عضو دائم في مجلس الأمن الدولي ولدينا مسؤوليات في هذا الإطار. إن مصلحتنا الوطنية، وأمننا القومي على المحك، ولذلك نتدخل. لا يجوز أن نسمح بقيام معقل إسلامي على مسافة 5 ساعات طيران من باريس».
كذلك أشارت باريس أيضا إلى المهمة التاريخية لحماية الأقليات المسيحية.
وكان عدة آلاف من المسيحيين العراقيين تقدموا بطلبات من أجل اللجوء إلى فرنسا، بعدما شجعهم على هذه الخطوة إعلان باريس إعطاء الأولوية لاستقبال الأقليات المضطهدة من تنظيم «داعش»، غير أن الطريق للخروج من العراق قد يكون طويلا.
وأعلن الرئيس الفرنسي، أمس (الجمعة)، من أربيل، إقامة «جسر إنساني فعلي» للاجئين العراقيين الذين يرغبون في مغادرة بلادهم. وقال هولاند في مؤتمر صحافي بعاصمة إقليم كردستان العراق: «سنواصل مع أوروبا مساعدتنا للاجئين. سنقيم جسرا إنسانيا فعليا، وسنتعامل أيضا مع الحالات الأكثر إيلاما لعائلات تربطها علاقات بفرنسا، وتريد المجيء لوقت معين للجوء لدى أقربائها».
وفي القنصلية الفرنسية العامة في أربيل تتوالى المقابلات مع طالبي اللجوء. لكن يستحيل معرفة كم من الملفات ستجري معالجته، ولا على أساس أي معايير، فالقنصل أو مستشاروه ليس لديهم متسع من الوقت للرد على الأسئلة.
وتشير تقديرات جمعية مساعدة الأقليات في الشرق إلى أن نحو 10 آلاف مسيحي عراقي قدموا ملفات إلى القنصلية في أربيل منذ بدء هجوم تنظيم «داعش» في العراق، قبل 3 أشهر.
وقد استولى هذا التنظيم «الجهادي» الناشط أيضا في سوريا المجاورة على مناطق كاملة في العراق، خاصة الموصل ثاني مدنها التي يقطنها عدد كبير من المسيحيين أو قره قوش، مما دفع عشرات آلاف الأشخاص للهرب.
وتفيد شهادات لاجئين بأن مقاتلي التنظيم المتطرف أجبروا المسيحيين على الخيار بين اعتناق الإسلام ودفع الجزية، وهددوهم بقتل عائلاتهم.
وأمام هذا الوضع، أعلنت الحكومة الفرنسية أواخر يوليو (تموز) عزمها تشجيع استقبال الأقليات المضطهدة.
وفي الوقت الحاضر، استقبل نحو 50 مسيحيا عراقيا فقط في فرنسا، بحسب جمعية مساعدة الأقليات في الشرق، التي طالبت، أثناء مؤتمر صحافي في مجلس الشيوخ، بتسريع العملية.
لكن بعض الجمعيات تشكك حتى في رغبة الحكومة الفرنسية في استضافة هؤلاء النازحين. وعبرت ايف شهشهاني المسؤولة عن برامج اللجوء في الجمعية المسيحية لمكافحة التعذيب، في اتصال هاتفي بالوكالة الفرنسية، عن خشيتها من «مفعول الإعلان». وقالت: «إننا سعداء لـ40 شخصا الذين استقبلوا أمام الكاميرات قبل بضعة أسابيع (من قبل وزير الخارجية لوران فابيوس) لكن لم نر منذ ذلك الحين كثيرين آخرين».
وعدّ فرج بونوا كامورا من منظمة الإخوة غير الحكومية في العراق أن فرنسا لن تتمكن في مطلق الأحوال من «استقبال 10 آلاف لاجئ».
وبعد أن أشار إلى أن «عشرات آلاف العوائل غادرت منازلها»، دعا إلى «تكثيف المساعدة الإنسانية بغية أن يتمكن هؤلاء الأشخاص من العودة إلى قراهم قبل الشتاء».
لكن مسألة إبعاد المسيحيين تبقى موضوعا حساسا. ورغم دعوة كثير من الجمعيات والسياسيين الفرنسيين، في اليسار أو المعارضة، إلى مساعدة الأقليات المسيحية، فإن تصور العراق خاليا من مسيحييه أمر مثير للقلق، لا سيما أن عدد العراقيين المسيحيين في العراق تراجع بشكل كبير منذ الاجتياح الأميركي في 2003 وأعمال العنف الدموية التي تلت الغزو.
فقبل عام 2003، كان أكثر من مليون مسيحي يعيشون في البلاد، أكثر من 600 ألف منهم في العاصمة بغداد، و60 ألفا في الموصل، لكن أيضا في مدينة كركوك النفطية (شمال) وفي مدينة البصرة جنوبا. غير أن عددهم انخفض إلى حد كبير، ولم يكن سوى نحو 400 ألف أواخر يوليو في جميع الأراضي العراقية.
وعبر مسؤولون في جمعيات خيرية عن مخاوفهم من أن يخدم إخلاء البلاد من المسيحيين مصلحة «الجهاديين» الذين يقومون بعملية «تطهير إثني وديني» في المناطق التي يستولون عليها، بحسب الأمم المتحدة.
وفي منتصف أغسطس (آب)، أكد وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف على رغبة فرنسا أولا بالعمل، من أجل أن تتمكن الأقليات من مواصلة العيش في العراق.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.