هزيمة حزب «المؤتمر» الهندي تجبر رئيسه راهول غاندي على الرحيل

تثير علامات استفهام حول مستقبله السياسي وقبضة عائلة نهرو - غاندي عليه

غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
TT

هزيمة حزب «المؤتمر» الهندي تجبر رئيسه راهول غاندي على الرحيل

غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)
غاندي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات الأخيرة التي خسرها حزب المؤتمر أعرق الأحزاب السياسية الهندية (إ.ب.أ)

بعد 42 يوماً على هزيمة «حزب المؤتمر»، أعرق الأحزاب السياسية الهندية منذ انطلاق حركة استقلال الهند، في الانتخابات الوطنية الهندية، للمرة الثانية على التوالي (الأولى عام 2014، والأخيرة في مايو | أيار الماضي)، أعلن رئيسه راهول غاندي استقالته متحملاً كامل المسؤولية عن الفشل الانتخابي.
راهول، البالغ 49 عاماً، هو حفيد أول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو، ويمثل الجيل الخامس من عائلة نهرو - غاندي الأيقونية، وكان يسعى لأن يصبح العضو الرابع في العائلة الذي يتولى منصب رئيس الوزراء، بعد أن يتفوق على رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وحزبه بهاراتيا جاناتا. وحتى اللحظة الأخيرة قبل إعلان النتيجة، كان لدى حزب المؤتمر إيمان حقيقي بأن بهاراتيا جاناتا يخسر الانتخابات، وأن ائتلافاً معارضاً، بزعامة «المؤتمر»، سيشكل الحكومة. ولذلك جاء فوز بهاراتيا جاناتا الكاسح ليلجم ألسنة المعارضة والمعلقين السياسيين الذين توقعوا تراجع نسبة المؤيدين لمودي.
اللافت أن جد راهول الأكبر وجدته الكبرى ووالده تقلدوا جميعاً منصب رئيس الوزراء. كما كانت والدته سونيا، الإيطالية المولد، تتمتع بكامل صلاحيات هذا المنصب خلال السنوات العشر التي تولى خلالها مان موهان سنغ منصب رئيس الوزراء.
ومنذ استقلال الهند عام 1948، هيمن «حزب المؤتمر» على المشهد السياسي الهندي، لكنه شهد انهياراً كارثياً في معدلات التأييد له خلال العقد الماضي. واتضح ذلك في فوز الحزب بـ52 مقعداً فقط من إجمالي 543 مقعداً بالمجلس الأدنى من البرلمان. في المقابل، فاز حزب بهاراتيا جاناتا، بزعامة مودي، بـ303 مقاعد، ليعزز بذلك الأغلبية الخاصة به، مع فوزه بـ5 سنوات أخرى في سدة الحكم. وفي عام 2014، فاز «حزب المؤتمر» بـ44 مقعداً فقط. وقد خسر راهول غاندي مقعده في أميتي، الذي ظل لفترة طويلة بمثابة حصن منيع للحزب، وهو ما اعتبر بمثابة نهاية حقبة الهيمنة السياسية لأقوى أسرة سياسية في تاريخ الهند الحديث. ومع هذا، فاز راهول بمقعد في دائرة انتخابية أخرى.

- ماذا بعد استقالة غاندي؟
منذ إعرابه عن عزمه الاستقالة، تحول حزب المؤتمر إلى مسرح هزلي، على أمل أن يبدل راهول رأيه. واستعد كثيرون لتقديم استقالات جماعية، وتنظيم مظاهرات وإضرابات ضخمة «لإجبار» راهول على مراجعة قراره. ورفضت اللجنة التنفيذية في الحزب استقالته. ويأتي ذلك في وقت لم تجر فيه اللجنة المركزية انتخابات منذ عقود. وفي آخر مرتين جرت خلالهما انتخابات، كانت القيادة في يد شخص من خارج آل غاندي. وكتبت الصحافية البارزة باركها دوت تغريدة قالت فيها: «مسرحية رفض اللجنة المركزية بحزب المؤتمر استقالة راهول غاندي أسوأ عن عدم تقديمه استقالة على الإطلاق».
وذكرت مصادر مطلعة داخل الحزب أنه ليس هناك شخص لديه الاستعداد أو القدرة على اقتحام المنصب الذي تخلى عنه راهول غاندي رسمياً، وذلك لعدم اقتناعهم بأن الثلاثي القوي المسيطر على الحزب، الأم سونيا وابنها راهول وابنتها بريانكا، لديهم رغبة حقيقية في نقل القيادة إلى شخص من خارج أسرة غاندي. وقال أحد الشخصيات رافضاً كشف هويته: «هذه أزمة قيادة ذات طبيعة خاصة للغاية. وحتى إذا جرى انتخاب رئيس جديد، فمن غير المحتمل أن تطلق يده في إدارة شؤون الحزب. مثل هذا المستوى من الكفاءة والانضباط أمر لم يسبق وجوده داخل حزب المؤتمر».
جدير بالذكر أن حزب المؤتمر خضع لقيادة عائلة نهرو - غاندي طوال 37 عاماً منذ عام 1947، وكانت فترة القيادة الأطول من نصيب والدة راهول، سونيا غاندي، منذ عام 1998 حتى عام 2017. وأفادت المصادر بأن المفارقة تكمن في أن جميع الأسماء التي طرحت لقيادة الحزب للفترة المقبلة من الموالين لأسرة غاندي، ولا يعد أي منها من القيادات الحقيقية، مما دفع كثيرين للتشكيك في مدى جدية أسرة غاندي في ترك السلطة.
من ناحيتها، قالت أرتي جيرات، المعلقة السياسية، إنه لن يغير أي شيء من حقيقة أن أسرة غاندي ستظل «مركز السلطة داخل حزب المؤتمر»، وقالت إن حزب المؤتمر بحاجة لعقد انتخابات داخلية كي يظهر قادة جدداً، وأضافت: «حتى يومنا هذا، دار حزب المؤتمر في فلك أسرة غاندي التي عملت كمركز القوة الحقيقي الوحيد في الحزب».
وأعربت عن اعتقادها أن «السبيل الوحيد لتجديد الدماء داخل الحزب وكذلك أفكاره في رحيل أسرة غاندي. لا يمكن أن يستمر النظام الحالي القائم على تزعم الأسرة للحزب».
من ناحية أخرى، يكشف تاريخ حزب المؤتمر أن الرؤساء الذين جرى انتخابهم من خارج أسرة نهرو - غاندي أدوا إلى حدوث انشقاقات داخل الحزب. على سبيل المثال، خلال فترة قيادة كل من بي في ناراسيمها راو (1991 - 1996) وسيتارام كيسري (1996 - 1998) لحزب المؤتمر، استقالت كثير من شخصياته القيادية المشهورة نظراً لولائهم الشديد لأسرة غاندي. وعلق المحلل السياسي فيجو شيريان على الأمر بقوله: «لذلك، فإنه من الناحية الفنية، كان حزب المؤتمر أقرب إلى حزب عائلي على مدار نصف القرن الماضي».
من ناحية أخرى، من المؤكد أن راهول هو أكثر شخصيات الحزب التي تملك شعبية كبيرة، وقدرة على اجتذاب الجماهير. وقد انطبق الأمر ذاته على والدته سونيا خلال فترة قيادتها. وقد نظم حملات انتخابية بمختلف أرجاء البلاد لصالح الحزب، ونجح في تحسين مستوى التأييد له. وقال الصحافي بونيت نيكولاس ياداف: «في ديسمبر (كانون الأول) 2017، عندما تولى راهول منصب الرئيس، قالت سونيا أمام وسائل الإعلام: الآن، أصبح دوري أن أتقاعد. لكن الإخفاق الشديد الذي مني به الحزب، بقيادة راهول، عام 2019 أجبر الأم على إرجاء خططها. وبذلك، تولت الأم القيادة من جديد. وبالنسبة لسونيا، تبدو الأزمة التي يواجهها الحزب اليوم مألوفة، وإن كانت أكثر حدة بكثير عن ذي قبل. كانت سونيا قد تولت رئاسة الحزب للمرة الأولى عام 1997، في وقت كانت فيه شعبية الحزب في تراجع. وأثبتت سونيا أنها تملك القدرة على دفع الحزب نحو السلطة من جديد. أما هذه المرة، فإن شعبية الحزب ليست في تراجع فقط، وإنما على وشك التلاشي تماماً».

- تحديات الرئيس الجديد
يواجه خليفة غاندي، الذي دون شك سيكون موالياً لأسرة نهرو - غاندي، مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء الحزب، وبث روح جديدة فيه. وسيتعين على الرئيس الجديد العمل بالتناغم مع الرئيسين السابقين: سونيا غاندي وراهول غاندي، إلى جانب شقيقة راهول، بريانكا غاندي، الأمين العام للحزب، علاوة على قيادات الحزب الكبرى الذين يشكلون محور النفوذ الوحيد داخل الحزب، خارج أسرة نهرو - غاندي.
وتكمن المسألة الثانية فيما إذا كان الرئيس الجديد سيتميز بقوة أكبر عن آل غاندي؟ وفي هذا السياق، قال المعلق السياسي سي إل مانوج: «سينجح الرئيس الجديد لحزب المؤتمر فقط إذا لم يكن هناك مركز قوة موازٍ. وسيتعين على أعضاء الحزب إعادة تعريف دور أسرة غاندي داخل جهاز الحزب قبل تعيين رئيس من خارج الحزب، من أجل ضمان نجاح تجربة القيادة الجديدة للحزب.
وفي الوقت الحالي، يملك 3 من أفراد الأسرة ما يمكن وصفه بـ«حصة مسيطرة» داخل الحزب، ويشكلون «مركز قوة موازٍ» يمكن أن يحول الرئيس الجديد إلى مجرد دمية في يدي آل غاندي الذين يمكن أن يمارسوا السلطة الحقيقية دون أن يخضعوا للمحاسبة. ومن شأن هذا الوضع تحويل التجربة بأكملها إلى مهزلة».
باختصار، يشعر كثيرون أن تعيين رئيس جديد للحزب سيشكل اختباراً لقدرة الحزب على العمل دون قيادة من آل غاندي، وكذلك قدرة الأسرة على التسامح تجاه فكرة الابتعاد عن قيادة الحزب. وإذا كان راهول جاداً في الاستقالة، فإنه سيتعين على ثلاثي غاندي داخل الحزب تقديم رسالة ذات مصداقية بأنهم سيبقون أيديهم بعيداً عن الرئيس الجديد. وسيتعين على راهول غاندي اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان آل غاندي على استعداد حقيقي لفعل ذلك.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.