«رالف أند روسو» عضوا رسميا في برنامج الأزياء الراقية بباريس

أول دار أزياء بريطانية تشارك في أسبوع الـ { هوت كوتير} منذ نحو قرن

تمارا رالف ومايكل روسو
تمارا رالف ومايكل روسو
TT

«رالف أند روسو» عضوا رسميا في برنامج الأزياء الراقية بباريس

تمارا رالف ومايكل روسو
تمارا رالف ومايكل روسو

لمدة ست سنوات ظل اسمها محاطا بالسرية، لا تعرفه إلا قلة من أنيقات العالم مثل كايلي مينوغ وأنجلينا جولي وبيونسي، لكن «لاشومبر سانديكال»، وهي منظمة الموضة الفرنسية التي تقرر من له الحق أن يشارك في برنامج «الهوت كوتير» الرسمي ومن لا يشارك فيه، كشفت السر أخيرا. فقد طلبت من «رالف أند روسو» أن تصبح عضوا في ناديها النخبوي، وتكون أول دار بريطانية تشارك في هذا الأسبوع منذ نحو قرن من الزمن تقريبا. فسجلات الموضة تشير إلى أن آخر مشاركة بريطانية في هذا الأسبوع كانت في عام 1915 مع دار «لوسيل» التي أسستها لايدي داف غوردن، المصممة البريطانية التي دخلت العالمية حينئذ. الثنائي، تامار رالف ومايكل روسو، مؤسسا «رالف أند روسو» أستراليان في الأصل، لكنهما أطلقا دارهما في لندن، ما يجعلهما ماركة بريطانية. ديدييه غامبراش، رئيس «لاشومبر سانديكال» صرح بأن سبب طلبه من «رالف أند روسو» المشاركة في الأسبوع، أنه لمس فيها الكثير من الحرفية والتميز والإبهار، وكلها عناصر افتقدها الأسبوع الباريسي في السنوات الأخيرة. غني عن القول إن الخبر كان لافتا ومثيرا للفضول الصحافي، إذ ما هو سر هذه الدار وما الذي جعل ديدييه غامبراش يسعى إليها؟. لحسن الحظ لم يكن الوصول إليهما صعبا، بل رحبا بالفكرة بحرارة خصوصا أن زبوناتهما من الشرق الأوسط كثيرات، كما أن في جعبتهما الكثير ليقولاه.
في يوم ممطر قبل حلول عام 2014 بأيام قليلة، كان اللقاء في مقرهما الواقع في وسط لندن بـ«سلوان ستريت». عندما تصل إلى الطابق الثالث وينفتح المصعد، يطالعك اسمهما مكتوبا بالخط العريض، ثم تزكم أنفك رائحة الفخامة التي يضج بها المكان، وتنبعث من الخشب الذي يغطي الجدران ومن بعض الشموع المتناثرة في الردهة. على عكس المتوقع، كان المكان هادئا يشوبه الصمت، رغم وجود مجموعة من الخياطات والأنامل الناعمة، منكبات على إنهاء بعض القطع وتطريزها بالأحجار. لكن فجأة تتغير ديناميكية المكان، عندما يدخل شاب أسمر أنيق ببدلة مطبوعة بالمربعات من المصمم توم فورد، وشابة شقراء لا تقل عنه أناقة ورشاقة ببنطلون ضيق وسترة توكسيدو. عرفا عن نفسيهما بأنهما تمارا رالف ومايكل روسو. يسارع هذا الأخير بالقول وكأنه قرأ ما يجول في ذهني: «اليوم ليس الأفضل لمعاينة سير العمل، فنحن في عطلة قبل رأس السنة، وعدد العاملات غير مكتمل». ويضيف بابتسامة واسعة: «أنا رئيس عمل إنساني ومتفهم، وأعرف أنه علي أن أعطي العاملات وقتا لكي يستمتعن بحياتهن الخاصة». ثم يعلق والجدية تعلو محياه: «في الأيام العادية، يكون المكان مثل خلية نحل يعمل فيه فوجان من العاملات يتناوبان على العمل حتى نتمكن من تسليم الطلبيات لأصحابها في موعدها، وهو الأمر الذي نتوقعه أيضا في الأيام المقبلة لاستكمال التشكيلة التي سنقدمها في باريس». تابع: «لا بد من الإشارة إلى أن معظم العاملات معنا تخصصن في الـ(هوت كوتير) وتدربن في بيوت أزياء باريسية عريقة مثل لوساج وغيرها، إضافة إلى متدربين تخرجوا حديثا من معاهد الموضة».
الحديث مع الثنائي، مايكل، الذي لا يتعدى عمره 33 عاما وتمارا (32 عاما)، كان بمثابة متابعة مباراة كرة تنس حبية بينهما، ما إن يرمي الواحد فكرة حتى يتلقفها الآخر ويعيدها له بمرونة. كان التوافق بينهما مدهشا، يزيد كلما تطرق الحديث إلى الإبهار الرومانسي الذي يعتمدان عليه لكسب قلوب الباريسيين والمتابعين لعرضهما المرتقب يوم الخميس المقبل.
تقول تمارا إن الصدفة لعبت دورا كبيرا في لقائهما. فقد تم بعد ساعتين فقط من وصولها من أستراليا إلى لندن، حيث كانت لا تزال تعاني من تعب السفر الطويل، ومن بعض الحنين إلى بلدها الأم. اكتشفت من لكنته أنه أسترالي مثلها، مما قرب بينهما، وبعد أن تجاذبا الحديث اكتشفا أن هناك نقاطا مشتركة كثيرة بينهما تتعدى اللغة المشتركة. كانت هي تعشق الموضة وتجري في دمها، وكان هو يحب الفن ويتقن لغة الأرقام ومجال المال بحكم دراسته، لذا قررا أن يكثفا جهودهما ويؤسسا دار «رالف أند روسو».
يقول مايكل، «لم أكن أعرف الكثير عن صناعة الموضة والتصميم لكني آمنت بموهبة تمارا مباشرة، وشعرت بأننا يمكن أن نكون شركة ناجحة، إذا قدمنا منتجا رائعا من كل الجوانب، لأنه سيبيع نفسه بسهولة. ومع الوقت، تعلمت الكثير عن الأقمشة والتصميم وكل ما يتعلق بهذا المجال، إلى حد القول إننا الآن نكمل بعضنا البعض. صحيح أني خبير في الأرقام إلا أن هذا لا يمنعني من أن أدلي بدلوي في مجال التصميم، خصوصا أني درست الفن وكنت أريد أن أكون فنانا قبل أن أتحول لدراسة التجارة وإدارة الأعمال».
على العكس من مايكل، كانت الموضة قدر تمارا رالف حتى قبل أن تولد. فجدتها ووالدتها كانتا مصممتي أزياء في سيدني، ما جعلها تعشقها وتتنفسها. بدأت تتدرب على أصول التصميم والقص والخياطة والتطريز وعمرها لا يتعدى الـ10 سنوات، وعندما بلغت الـ15 من العمر، بدأت تبيع قطعا خاصة من تصميمها. رغم أن محيطها مدرسة قائمة بحد ذاتها، كانت تعرف أنها لكي تكون لها بصمتها، يجب أن تصقل الخبرة التي اكتسبتها في البيت بالدراسة، لذا التحقت بمعهد وايتهاوس للتصميم بسيدني لمدة ثلاث سنوات. بعد التخرج فتحت لها أبواب التعاون مع دور أزياء أسترالية متخصصة في تصميم أزياء الحفلات والمناسبات الكبيرة لكن صوتا قويا كان يصرخ بداخلها دائما ويحرضها على الاستقلال بنفسها. بعد أن ادخرت مبلغا من المال، هاجرت إلى لندن بحثا عن آفاق جديدة، ولحسن حظها قابلت مايكل رالف. كان هذا منذ ست سنوات، وتحديدا في عام 2007، حيث اتفقا على تأسيس دار «رالف أند روسو» والتركيز فيها على التفصيل على المقاس، أو ما تسميه باريس بـ«الهوت كوتير». تقول تمارا: «لم تكن فكرة أزياء جاهزة مطروحة، لأن السوق يزدحم بها إلى حد التخمة فضلا عن المنافسة الشرسة. في المقابل، لاحظنا أن هناك نقصا في أزياء مفصلة بجودة عالية وتصاميم فريدة لا مثيل، تجمع الترف والإبهار، لهذا قررنا أن نملأ هذا الفراغ».
كان من الممكن أن تتعرض التجربة للفشل لا سيما أنه بعد عام واحد، وفي عام 2008 عصفت الأزمة الاقتصادية بالعالم متسببة في إفلاس بعض دور الأزياء والمصممين مثل كريستيان لاكروا، لكن الحظ كان حليفهما. فقد كانت هناك أسواق متعطشة للترف، لم تؤثر عليها الأزمة بقدر ما زادت من رغبتها في الحصول على كل ما هو متميز وفريد وكل ما غلا ثمنه وارتفع.
هنا أيضا كان للصدفة دور، حيث صادف أن الصديقة الأسترالية الوحيدة لتمارا في لندن، كانت تعرف الأختين كايلي وداني مينوغ. قدمت المصممة لهما، فاشترت الأختان كل ما عرضته لهما. وكان لظهورهما بهذه الأزياء في مناسبات مهمة مفعول السحر، إذ أثارا الانتباه إلى الماركة، واستقطبا لها زبونات أخريات. تتذكر تمارا البداية قائلة: «مجال الموضة ليس سهلا، فالمنافسة شرسة خصوصا في بريطانيا، وقد بدأنا بزبونة واحدة ثم توسعنا بالتدريج. اتفقنا منذ البداية أن ننمو بطريقة عضوية وصحية حتى لا نتعرض لأي مشكلات. بدأنا بتصميم فساتين لسيدات مجتمع تعرفنا عليهن، وكن يرغبن في تصاميم تحاكي الهوت كوتير، وسرعان ما توسعت دائرة الزبونات بعد أن سمعن عنا من صديقاتهن ومعارفهن». هذا التوسع أكد لمايكل وتمارا أن هناك ثغرة في السوق يمكنهما استغلالها على أحسن وجه، وهو ما كان، إذ يضم سجلهما حاليا أسماء زبونات من كل أنحاء العالم، من دون دعاية في المجلات أو حتى المشاركة في عروض أزياء. تقول تمارا: «تعتبر لندن مركزا عالميا، والكثير من الزبونات يمتلكن بيوتا ثانوية فيها، ما يعني أنهن يزرنها بانتظام أو يقمن فيها لفترات طويلة، وهذا ما ساعدنا كثيرا». يلتقط مايكل خيط الحديث منها مضيفا «كان من المهم الحفاظ على خصوصيتنا، أو بالأحرى نخبويتنا، حتى يبقى اسم (رالف أند روس) مرادفا للترف والفخامة والتميز، أي بمثابة ناد خاص، ونجحنا في ذلك إلى حد كبير، بدليل أننا كسبنا نوعية من الزبائن من الوزن الثقيل. نحن لا نريد أن نقدم أزياء يمكن لأي أحد أن يحصل عليها، فنحن نقدم خدمة التفصيل على المقاس والخاص، وبالتالي نريد أن نبقى سرا يتداوله العارفون فقط، فهذا يشعل الفضول ويجعل النخبة تبحث عنا». هذه الاستراتيجية أعطت ثمارها، لست سنوات، بيد أن مايكل يدرك الآن أنه أصبح من الصعب الحفاظ على هذه الخصوصية، بعد أن ظهرت بتصاميم بتوقيع «رالف أند روسو» نجمات مثل أنجلينا جولي وبيونسي وغيرهن ممن يلفتن الأنظار بأناقتهن، ناهيك عن مشاركتهما يوم الخميس المقبل في واحد من أهم أسابيع الموضة العالمية، ألا وهو أسبوع باريس للأزياء الراقية.

تمارا رالف: الرومانسية والإبهار عنوان أول عرض لنا يوم الخميس المقبل

منذ أن خرج كريستيان لاكروا وجون غاليانو من دائرة الموضة، الأول مفلسا والثاني مطرودا، وعالم الموضة يفتقد إلى عناصر الإبهار والحلم والدراما التي كانت تثيرها عروضهما. بدخول «رالف أند روسو» البرنامج الرسمي للأسبوع، يأمل الكثير من المتابعين أن تعيد للأسبوع بريقه من خلال أزياء درامية لا تعترف بالحلول الوسط بقدر ما تعترف بالفنية والرومانسية. توقعات كبيرة تضع المصممة تمارا تحت ضغط كبير، لكنها ليست مستحيلة على مصممة ورثت فن التصميم أما عن جدة وتفهم ما تريده المرأة تماما، كما يتبين من حديثها:
* كانت الفكرة من «رالف أند روسو» أن تبقى سرا تعرفه النخبويات فقط، وهو ما سيتغير تماما الآن بعد أن أصبحت عضوا في موسم «الهوت كوتير»، كيف حصل ذلك؟
- كان الأمر مفاجأة سارة، إذ اتصلت بنا «لاشومبر سانديكال الفرنسية» للانضمام إلى الأسبوع، بعد أن سمعت عنا من بعض الزبونات وصناع الموضة. وأعتقد أن الأشياء التي سمعوها كانت إيجابية وإلا ما اقترحوا علينا المشاركة ضمن البرنامج الرسمي لأسبوع بهذا الحجم والأهمية.
* متابعو الموضة يأملون بأن تعيد «رالف أند روسو» عنصر الحلم الذي كان يقدمه كل من جون غاليانو وكريستيان لاكروا، وغاب بغيابهما، هل هذه كانت نفس فكرة «لاشومبر سانديكال»؟
- ما يمكن أن أقوله إن ما تبحث عنه «لاشومبر سانديكال الفرنسية» عنصران. الأول أسلوب مختلف وجديد، وهو ما يمكن أن ينطبق على أسلوبنا الدرامي والأنثوي، والثاني الخبرة التي يبدو أنها بدأت تغيب عن الـ«هوت كوتير». والمقصود بهذه الخبرة التقاليد التي يمكن توارثها جيلا عن جيل، إذ إن الملاحظ أن الكثير من المصممين أصبحوا كبارا في السن، وللأسف لا يسلمون المشعل للشباب حتى تبقى هذه الصنعة حية ومستمرة. من جهتنا، نركز كثيرا على هذه الخبرة والتقاليد ونقدم دورات تدريبية للتأكد من استمرارها. وأعتقد أن هذا الجانب مهم بالنسبة للمنظمة الفرنسية المشرفة على حماية الـ«هوت كوتير».
* مشاركتكما في أسبوع باريس خطوة مهمة من شأنها أن تجذب إليكما أنظار العالم، ما الذي نتوقعه في عرض «رالف أند روسو»؟
- أملنا أن نعيد لموسم «الهوت كوتير» عنصر الإبهار الذي افتقده في السنوات الأخيرة من خلال أزياء رومانسية لا تعترف بزمن معين، لا سيما أن الكثير من العروض أصبحت تجارية أكثر من اللازم.
التشكيلة تتضمن الكثير من هذا الإبهار إضافة إلى لمسات عصرية مستلهمة من أربعينات وخمسينات القرن الماضي، على الأقل فيما يتعلق بالأحجام والأشكال. يمكن أيضا توقع الكثير من التطريز والتفاصيل الدقيقة التي استلهمناها من حدائق أو مباني فرنسية مختلفة، وستتجسد في أشكال ورود وبتلات وتصاميم هندسية، لأننا فكرنا أن نقدم تحية لفرنسا في أول تجربة لنا فيها. ولا بد من الإشارة إلى أنني استلهمت أيضا الكثير من التصاميم من كتاب يتناول أعمال الرسامة والمصورة الفوتوغرافية، ليليان باسمان في الأربعينات من القرن الماضي. كانت هذه الصور مبهرة مع بعض الغموض، ما جعلني أقع في سحرها وأرغب في دمجها في هذه التشكيلة.
* لكن الملاحظ أن أسلوب «رالف أند روسو» لم يتغير منذ البداية إلى الآن، وتبدو فيه دائما لمسات من حقبتي الأربعينات والخمسينات التي ذكرت سابقا؟
- بالفعل، لأنه أسلوب يروق لزبوناتنا، ويطلبنه دائما. فهو يجمع الأناقة والأنوثة والدراما، وكلها عناصر تستحضر الزمن الجميل وعصر السينما الذهبي. فكل امرأة تحلم بأن تكون نجمة متألقة تلفت الأنظار عند دخولها إلى مكان ما. لكن هذا لا يعني أننا نترجم هذه الصورة بشكل حرفي، بل على العكس نحرص أن تكون مواكبة للعصر، يتزاوج فيها الدرامي الأنيق بالإبهار الواقعي، حتى لا نقع في المبالغة. فمهمة الأزياء أن تجد لها طريقا إلى خزانة المرأة ومناسباتها، سواء كانت خاصة بحفلات الزفاف أو بحفلات السجاد الأحمر، لهذا من المهم أن نفهم الزبونة ونتعرف على أسلوب حياتها حتى نستطيع تحقيق هذه المعادلة.
* هل أفهم من كلامك أن الماركة متخصصة في أزياء السهرة والمساء وحدها؟
- لا أبدا، بل نقدم أيضا قطعا مفصلة للنهار، يمكن للمرأة أن ترتديها في المساء مع إكسسوارات لافتة، أو التخفيف من دراميتها في النهار بتنسيقها مع جاكيت مثلا. من هذا المنطلق، أعتبر التفصيل استثمارا جيدا، لأن المرأة يمكن أن تستفيد منه أكثر وبأشكال مختلفة تعطيها في كل مرة مظهرا متجددا وجديدا.
* ست سنوات فقط على إطلاق «رالف أند روسو» ومع ذلك فإن النجاح الذي حققته هائل، هل توافقيني الرأي بأن التوقيت كان في صالحكما، إذ منذ عشر سنوات تقريبا، نعى البعض الـ«هوت كوتير» على أنها تحتضر، لكنها الآن مزدهرة أكثر من أي وقت مضى وتحقق الكثير من الأرباح؟
- نعم أعترف بأن التوقيت كان في صالحنا. فهذا وقت الـ«هوت كوتير»، والمرأة المتميزة تريد أزياء فريدة من نوعها، لا تريد أن تنافسها فيها أي امرأة أخرى. وبما أننا معروفون بقطع درامية من حيث تفصيلها وتفاصيلها، فهذا يجعلنا عز الطلب.
 



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».