«الاغتيال»... دعوة لتنظيف البيت العربستاني

رواية تندرج ضمن أدب المقاومة الأحوازية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«الاغتيال»... دعوة لتنظيف البيت العربستاني

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تندرج رواية «الاغتيال» لمحمد عامر، الصادرة عن مؤسسة «أروقة» في القاهرة، ضمن أدب المقاومة الأحوازية، ولو شئنا الدقة لقلنا إنها رواية واقعية تستمد مادتها من أحداث حقيقية وقعت بالفعل على أرض الواقع، وإنّ بعض الأسماء ليس وهمياً، مثل الشيخ كاظم آل علي، المُحرّض على عملية الاغتيال، وفايز، العقل المدبّر الذي ساهم في عملية القتل... ووهاب أبو شجاع وهو المناضل وهاب خانجي الذي نظم زباري في «جبهة تحرير عربستان» ليصبح عضواً بارزاً ومؤثراً فيها.
أمّا بقية الأسماء؛ فهي وهمية صنعتها مخيّلة الروائي تفادياً لعمليات الثأر التي يمكن أن تمزّق النسيج الاجتماعي للأسَر والقبائل العربستانية.
تكمن أهمية هذه الرواية الواقعية في الإجابة عن السؤال المحوري الذي ورد في العنوان قبل أن يرد في التيمة الرئيسة؛ وهو: مَن قتل زباري؟ الشاب الذي سينخرط في «جبهة تحرير عربستان» ويسعى بكل السُبل المتاحة لتحريرها من الاحتلال الإيراني.
ورغم أنّ الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ أيام رضا خان حتى الآن كانت العدوّ الأول لعربستان، فإن تيمة هذه الرواية تؤكد أنّ الخونة والعملاء ومخالب المحتلين هم أكثر خطراً من الاحتلال نفسه، وإنه بغية تحرير البلد من ربقة المحتل ينبغي تنظيف البيت العربستاني والتخلّص من كل المتواطئين الذين يتعاملون مع الأجهزة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم الشيخ كاظم؛ وغيرهم من المرتزقة والمأجورين.
تقع الأحداث في قرى عربستانية وعراقية عدة؛ من بينها قرية نهر يوسف، وفي جزيرتي الحاج صلبوخ، والبوارين، كما تتوسع دائرة الأحداث لتشمل البصرة، والمحمّرة، وعبادان. وبما أنّ الرواية لا تخلو من اللمسة التاريخية، فلا غرابة في أن نصادف بعض الإحالات إلى الصفويين والإنجليز والانتفاضات التي أعقبت وفاة الشيخ خزعل الكعبي عام 1936 في مقر إقامته الجبرية في طهران، وظلت تندلع بين آونة وأخرى حتى يومنا هذا.
يمكن اختصار تيمة الرواية بأن تنظيم «جبهة تحرير عربستان» يُكلّف زباري المحمراوي باغتيال الشيخ كاظم، لكن شاءت الظروف أن تنقلب الخطة رأساً على عقب، فبدلاً من أن ينفّذ منصور عملية اغتيال الشيخ يتحول هو وأبناء عمومته (صمد وفايز وحسين) إلى قتلة يتناوبون إطلاق الرصاص على الضحية زباري ويردونه قتيلاً أمام عيني ولده الأكبر نعيم الذي كان يصرخ بأعلى صوته: «لا تمت يا أبي... لا تمت».
تتساوى في رواية محمد عامر الشخصيات والأحداث ويشتبك بعضها مع بعض إلى درجة التماهي بحيث يصعب التمييز بين الشخصية والحدث، وهذا الأمر ينطبق على الشخصيات المُقاوِمة مثل زباري، وعزيز، ووهاب، ومحيي الدين آل ناصر، وزوجته ملوك، وعلي الشيخ حميدان... وسواهم كثير، وشخصيات الاحتلال وأزلامهم مثل العقيد رضا نوروزي، والشيخ كاظم، وعبادي، وطهران الكعبي، وفايز، وصمد، وحسين، الذين سيتجرعون كأس الخيانة، ولم ينجُ منهم سوى منصور الذي كان يُطلق النار على الأرض بعيداً عن رأس الضحية المغدور زباري المحمراوي.
تحتاج الرواية إلى أنساق متعددة تؤثث المتن السردي الذي يتآزر مع الحبكة لتشييد الهيكل المعماري سواء أكان واقعياً أم فنتازياً أم بينَ بين. ولو تأملنا هذه الرواية جيداً لوجدناها تقوم على أربعة أنساق سردية رئيسية يقودها على التوالي زباري المحمراوي، وعزيز ناصر الشغيني، والشيخ كاظم، والعقيد رضا نوروزي، ويجب ألا ننسى الأنساق السردية الأخرى مهما كانت صغيرة وامضة، مثل السجين العربي الذي يتعرّض للتعذيب، أو «الأهبل» الذي ينطوي على معنى رمزي واضح، وشخصيات مقاومة تظهر وتختفي لكنها تؤازر تيمة الرواية وتمنحها نكهة وطنية آسرة.
يتضمن النسق الأول نشأة زباري وعمله في تهريب البضائع والمتاجرة بها في البصرة والمحمرة وعبادان. وفي أثناء تردده على البصرة ينتمي إلى «جبهة تحرير عربستان»، ويكلّف بقتل الشيخ كاظم، أحد عملاء السافاك في المحمرة. تتحسن أوضاعه المادية ويوافق برحابة صدر على تقديم المساعدة لأبناء عمومته وأصدقائه الأربعة صمد وفايز وحسين ومنصور الذين منحهم فرصة العمل في التجارة وتصريف البضائع المهربة التي يجلبها من البصرة. يعمل فايز سائقاً عند الشيخ كاظم، وسوف يستعمل سيارته في نقل البضائع المهرّبة وتصريفها من دون أن يفتشها أحد.
وحين يعلم بالمؤامرة التي تُحاك ضد الشيخ يخبره بأنّ زباري هو العقل المدبر لعملية الاغتيال، وأنه ينوي تكليف ابن عمه منصور بهذه المهمة الصعبة.
يتوسّع الشيخ كاظم في النسق الثاني الذي يعرّي الشخصية العميلة التي تقف بالضد من الشخصيات الوطنية مثل زباري وعزيز ومحيي الدين آل ناصر... وغيرهم. وسنعرف أنه يتمتع بفراسة قوية ويعرف ما يدور في ذهن مُحدّثه، كما يخشاه كثير من الشيوخ وزعماء القبائل حتى صار أكثرهم أهمية وحظوة في مدينة المحمّرة بعد أن ارتبط بأجهزة السافاك الأمنية. وبموازاته ينتظم النسق السردي الثالث الذي يرويه عزيز الشغيني الذي يقيم في مدينة التنّومة حيث يشرف على تدريب فايز الذي جنّده السافاك لأكثر من سبب، الأول هو التأكد من إصرار زباري على تنفيذ مهمة الاغتيال، والثاني: معرفة إن كان قد كلّف منصور بهذه المهمة أم لا؟
أما النسق الرابع والأخير فيتمثل بدور العقيد رضا نوروزي، الضليع في عمله الاستخباري؛ حيث يُعيد صياغة اللعبة من جديد ويحبكها بالطريقة الأمنية المناسبة له، فيورط فايز مع أبناء عمومته الثلاثة الذين يستدرجون زباري من حفل الزواج إلى الساتر الترابي ويشرعون بإطلاق النار عليه تباعاً باستثناء منصور الذي كان يتفادى التصويب على جسد زباري الملطخ بالدماء بينما كانت صرخات ابنه البكر تشقُّ عنان السماء على مرأى ومسمع عشرين فرداً من المخابرات الإيرانية الذين كانوا يتأكدون من مقتل زباري وهم يتنكرون بالزي العربي خلف أشجار النخيل الباسقة التي تتوارى تحت جنح الظلام.
يسترجع الكاتب محمد عامر في هذه الرواية جانباً من ثورة 1943 التي فجّرها الشيخ جاسب، نجل الشيخ الراحل خزعل، الذي آزرته القبائل العربية في عربستان لكنها سرعان ما خذلته بحجة عدم التكافؤ مع القوات المُهاجمة، كما منعت الحكومة العراقية آنذاك مدّ العربستانيين بالذخيرة والمؤونة والرجال، وقد استشهد في هذه الثورة محيي الدين آل ناصر الذي كان يشغل منصب رئيس «جبهة تحرير عربستان».
وفي سياق المقاومة التي تفضي غالباً إلى السجن، يمكننا أن نعدّ هذه الرواية من «أدب السجون».
ولعل شخصية العربي المُعتقَل الذي تعرّض لمختلف أنواع التعذيب خير نموذج لأدب السجون في عربستان، فقد تعرّض لاقتلاع أظافره، والحرق بالمكواة، والصعق بالأسلاك الكهربائية، والوخز في المناطق الحسّاسة.
يتمتع الروائي محمد عامر بنَفَس سردي جيد، وقدرة واضحة على رسم الشخصيات ومتابعة نموها، وتطورها الذهني الذي يقنع المتلقي بأنه يقرأ نصاً روائياً واقعياً، مكتمل الأركان.
لكن يجب تنبيه الروائي إلى الأخطاء اللغوية التي جاوزت العشرين خطأ، لأنها تربك القارئ في أثناء القراءة، وتسرق منه فرصة الاستمتاع بالتدفق السردي الذي تتمتع به الرواية منذ مُستهلها وحتى جملتها الختامية.
وكانت صدرت للشاعر والروائي محمد عامر مجموعة شعرية بعنوان: «أول المشوار»، ورواية «طيور الأحواز تُحلِّق جنوباً».



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».