«صرعة نباتية» تجتاح مطاعم العالم

مدن تسوق نفسها سياحياً بالغذاء النباتي

الوجبات النباتية هي اختيار المستقبل
الوجبات النباتية هي اختيار المستقبل
TT

«صرعة نباتية» تجتاح مطاعم العالم

الوجبات النباتية هي اختيار المستقبل
الوجبات النباتية هي اختيار المستقبل

من بدايات هامشية، تحولت الوجبات النباتية إلى تيار رئيسي يستكشفه الملايين بصفته خياراً صحياً وتهتم به المطاعم وتسوق به المدن نفسها سياحياً حول العالم. هذا التحول يروجه النباتيون على أنه بديل لذبح الحيوانات والطيور على نطاق صناعي ممنهج، ورفقاً بصحة الإنسان من انسداد الشرايين والذبحات الصدرية، والأمراض الأخرى.
ومع انتشار الظاهرة تخرج إلى الأسواق يومياً وجبات نباتية جديدة، يبدو بعضها غريباً بعض الشيء، لكنها تتمتع بإقبال كبير من الأجيال الجديدة. فحبوب البازلاء الغنية بالبروتين تدخل في تصنيع أنواع من السجق النباتي، ووجبات ماسالا هندية حارة، ومشروبات بروتينية مختلفة النكهات.
وحتى الوجبات السريعة مثل التاكو المكسيكي تحول إلى الخيار النباتي من منافذ سريعة مثل «ديل تاكو»، الذي يقول إن الوجبات النباتية الجديدة التي قدمها هذا العام تكاد تتساوى في المبيعات التقليدية بالدجاج واللحوم.
وفي مجال المأكولات البحرية، تتفوق البدائل النباتية المصنوعة من أعشاب البحر والنباتات الأخرى. ويمكن طلب نباتات بطعم وشكل أسماك التونا، كما يطلب الزبائن قطع السوشي اليابانية النباتية. وحتى الجمبري يأتي الآن في صيغة نباتية.
ويعكف خبراء التغذية على ابتكار وجبات توفر عناصر الغذاء الرئيسية البديلة للبروتين الحيواني والمستخلصة من نباتات مثل الكوسة والقنبيط والافوكادو والفطر.
وضمن هذا التيار تحول قطاع كبير من الزبائن إلى شرائح مصنوعة من الحمص والفلفل الأخضر والجبن الأبيض، مع تجنب البطاطس المقلية. ويمكن شراء هذه الشرائح من شركة «أمازون» التي توصلها إلى المنازل من مطعم اسمه «هيبيز». كما يقدم مطعم آخر اسمه «روب بافس» وجبات مكونة من الجبن الشيدر الخالي من منتجات الحليب والبنجر والزبادي، وهي أيضاً تباع على موقع «أمازون».
وعلى النمط نفسه تباع شرائح الذرة والكينوا وخبز خالٍ من الغلوتين ضمن الأنواع المتعددة التي يمكن طلبها في المطاعم أو عبر شركات توصيل الوجبات للمنازل. وتعلن هذه الشركات عن منتجاتها عبر شعارات مثل «الاعتماد على الحيوانات في الغذاء هو أمر غير مستدام، وغير صحي وغير رحيم بالبيئة».
ويرى النباتيون أن هناك عالماً جديداً من المنتجات الغذائية النباتية تنتظر اكتشافها. ومن ناحية أخرى، زادت نسبة النباتيين في أميركا بنحو 600 في المائة في خلال ثلاث سنوات فقط. وفي المدن الكبرى حول العالم مثل نيويورك ولندن وطوكيو يتزايد عدد المطاعم التي تتحول إلى تقديم الأصناف النباتية لتلبية الطلب. ولا يجد المستهلك في هذه المدن أي مشقة في العثور على بدائل اللحوم.
لكن انتشار الأسلوب النباتي في المعيشة لا يقتصر على هذه المدن، بل يعتبر تياراً عالمياً يشمل دولاً مثل كندا، وأستراليا، ونيوزلندا. وفي بريطانيا هناك 3.5 مليون نسمة أو نسبة 7 في المائة من السكان يصفون أنفسهم نباتيين. وهي نسبة تصل إلى 27 في المائة في دول نباتية تقليدياً مثل الهند.
أسباب هذا النمو في أعداد النباتيين متعددة، وتشمل الحفاظ على الصحة وخفض الوزن. ومن النباتيين من يدخل في اعتباره الحفاظ على المناخ والرفق بالحيوانات. وهناك البعض الذي يخشى ممارسات تجارة اللحوم وحقن الحيوانات بالمضادات الحيوية والهرمونات التي يمكن أن تضر الإنسان. وهناك فئة لا تستسيغ طعم اللحم بالمرة. من الأسباب المعروفة أيضاً تجنب الحساسيات من الأطعمة البحرية ومن منتجات الألبان.
ويتطلع النباتيون إلى معيشة صحية وحياة أطول من آكلي اللحوم. وهم يتجنبون الكثير من الأمراض التي تنقلها لهم وجبات تحتوي على لحوم. ويشتهر الدجاج بنقل مرض السالمونيلا، بينما تحتوي الأسماك على نسب متفاوتة من الزئبق السام.
وتشير دراسة من جامعة نورث كارولينا الأميركية بأن الحمية الغذائية النباتية هي الأفضل من جهة خفض الوزن، وأكدت دراسة أخرى من الجامعة نفسها علاقة بين الغذاء النباتي وانخفاض أمراض القلب والسرطان. ومع ذلك، توجد أيضاً دراسات معاكسة في النتائج على أساس أن النباتيين لا يحصلون على كل مكونات الغذاء الصحي الكامل.
وأدى انتشار الوجبات النباتية إلى تأثير عميق على مطاعم المدن العالمية التي قرر بعضها التحول إلى الغذائي النباتي بالكامل واكتفى البعض الآخر بتوفير قائمة طعام نباتية مستقلة بعد أن كانت الوجبات النباتية القليلة تحتل ذيل القائمة العامة للمأكولات. وتتوقع مطبوعة «فوربس» الأميركية أن تتحول المطاعم السريعة، مثل «ماكدونالد» و«برغر كنغ» إلى الوجبات النباتية أو على الأقل تقدم البديل النباتي لمن يريد.

مدن نباتية
اختار موقع «هابي كاو» النباتي أفضل عشر مدن في العالم للأطعمة النباتية، وقال إن الاختيار تم بناءً على ثلاثة عناصر، هي: عدد المطاعم النباتية في محيط خمسة أميال داخل المدن، وعدد الخيارات النباتية التي تقدمها المطاعم في المساحة نفسها، ثم الانطباع العام عن المناخ المشجع للأكلات النباتية في هذه المدن. وتسوق هذه المدن نفسها سياحياً على أنها ترحب بالزوار النباتيين من إرجاء العالم.
ووفق هذا التصنيف، تأتي لندن في المركز الأول؛ لأنها تتميز بتوفير 110 مطاعم نباتية في محيط كل خمسة أميال. ويعيش في لندن نحو 120 ألف شخص نباتي ضمن 542 ألفاً على مستوى بريطانيا. ويأتي الطعام النباتي في صيغة عربات شوارع ومطاعم وكافتيريات. كما يتم تنظيم مهرجانات وأسواق للأطعمة النباتية على مدار العام. وفي لندن لا يبعد أي شخص عن مطعم نباتي بأكثر من مسافة محطة مترو واحدة. وبدأت المطاعم العالمية تنتبه إلى الظاهرة وتقدم هي الأخرى خيارات نباتية مثل «بيتزا هت» الذي بدأ هذا العام في توفير خيارات بيتزا نباتية.
وفي المركز الثاني تأتي برلين التي تشتهر بأنها مدينة عالمية تهتم بالأطعمة النباتية. ويصل عدد المطاعم في محيط خمسة أميال في المدينة إلى 65 مطعماً. وهي توفر أنواعاً بديلة للحوم مصنوعة من مواد نباتية تشمل البيتزا والشاورما، كما توفر مطاعم المدينة وجبات متنوعة وأنواع من الخضراوات غير المطبوخة للنباتيين.
وهناك شارع في برلين مخصص بالكامل للأطعمة النباتية يسمى «شيفيلباينر» (Scshivelbeiner Strabe). ، وهو يضم إلى جانب المطاعم الكثير من المتاجر الأخرى والكافتيريات، وكلها تتخصص في البدائل النباتية. وهناك مخابز أيضاً توفر الكعك والآيس كريم والدونات النباتي. ويوجد متجر لرسم الوشم النباتي الذي يعتبره البعض تذكاراً من المدينة النباتية.
وبعد ذلك يأتي دور مدينة نيويورك غزيرة التنوع في أنواع الأطعمة العالمية التي تتاح في المدينة. وهو توفر 64 مطعماً نباتياً في محيط كل خمسة أميال داخل المدينة. وتنتشر في المدينة المطاعم الصغيرة التي توفر البرغر النباتي والسلاطات وبدائل البيتزا والفاهيتا والعصائر النباتية. كما توجد مطاعم نباتية فاخرة تقدم أنواع أطعمة «فيوجن» نباتية، ومنها «كاندل 79» و«بلوسوم» وكافيتريا «فرانشيا» التي تتخصص في الوجبات الفرنسية الخفيفة. ويمكن عن طريق تطبيقات إلكترونية العثور على أقرب مطعم نباتي في دقائق.
وتأتي مدينة بورتلاند الأميركية في المركز الرابع، التي تعتبر أن أسلوب الحياة النباتي هو جزء من نسيجها. وفي متجر واحد للجبن اسمه «فيتوبيا» يتوفر 20 نوعاً من الجبن النباتي. وتوجد بعض المطاعم غير الأميركية من أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا توفر الخيارات النباتية بطعم شهي. وبالطبع، تنتشر مطاعم البرغر النباتي. وبالإضافة إلى المطاعم توجد في المدينة عربات الطعام السريع التي تتراوح فيها المأكولات ما بين السوشي الياباني النباتي والشيكولاته البلجيكية.
وفي لوس أنجليس يوجد 42 مطعماً نباتياً في كل مساحة تبلغ خمسة أميال مربعة، وتوجد الكثير من الاصناف النباتية الصحية وغير الصحية في إرجاء المدينة. وهي تشتهر بالتنوع في المطاعم، حيث يوجد في المساحة نفسها 18 مطعماً تايلاندياً والكثير من المطاعم اليابانية والفيتنامية.
ومن المدن النباتية غير المعروفة تأتي العاصمة البولندية وارسو بعدد 47 مطعماً نباتياً لكل مساحة خمسة أميال مربعة في المدينة. ولا يبعد الزائر إلا ميل واحد عن أقرب مطعم نباتي في وارسو. وتشتهر المدينة بسلسلة مطاعم برغر نباتية اسمها «كرورزيوا» تم التصويت لها أربع مرات كأفضل مطاعم برغر، متغلبة بذلك على مطاعم البرغر الحيواني.
وتوجد في وارسو مجموعة مطاعم شرق أوسطية تقدم الفلافل وتتنافس فيها المطاعم اللبنانية مع المطاعم التركية. والأخيرة تقدم أنواعاً من الكباب النباتي تطلق عليها اسم «كابوم». ويستمر المشهد النباتي في وارسو في التوسع ويضم أنواعاً جديدة شهرياً من الكعك والحلوى التي تلتزم بالمكونات النباتية.
ومن كندا، تتميز مدينة تورونتو بالأكلات النباتية التي توفرها مطاعم متعددة، بعضها فروع لمطاعم نباتية من مدن أميركية تقدم أنواع البرغر والبيتزا النباتية. وتقدم بعض المطاعم أكلات على طريقة البوفيه بحيث يعد الزبائن أطباقهم النباتية بأنفسهم. وتشمل الأطباق أنواع السندويتشات والأطعمة النباتية غير المطبوخة.
وتقع مدينة براغ التي يصل تعدادها إلى 1.3 مليون نسمة ضمن المدن العشر الأوائل على مستوى العالم في توفير الطعام النباتي. وهي توفر 48 مطعماً نباتياً في محيط كل خمسة أميال داخلها. ويمكن الوصول إلى أقرب مطعم نباتي في مسافة تقل على الميلين داخل المدينة. وتتوفر الأطعمة التشيكية الرخيصة في هذه المطاعم. وتتمتع المدينة بتنوع المأكولات النباتية التي تجعلها مدينة جاذبة للسياحة النباتية.
وتنضم باريس أيضاً إلى المدن العالمية التي تجذب السياح النباتيين على رغم اعتماد مطعمها التقليدي على اللحوم والأسماك. وتنتشر المطاعم النباتية في أرجاء المدينة التي تقدم أنواع البيتزا والكباب والبرغر والهوت دوغ النباتي، بالإضافة إلى الحلويات والآيس كريم النباتي أيضاً. وتوجد جولات باريسية تمر على أهم شوارع المطاعم النباتية، وهي تتوفر على تطبيقات الجوال مثل تطبيق «هابي كاو».



المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.