آبي يقترح «هدنة تجارية» بين ترمب وشي لإنجاح قمة أوساكا

الأمن الياباني يفحص مركبات قرب مقر انعقاد قمة مجموعة العشرين في أوساكا (إ.ب.أ)
الأمن الياباني يفحص مركبات قرب مقر انعقاد قمة مجموعة العشرين في أوساكا (إ.ب.أ)
TT

آبي يقترح «هدنة تجارية» بين ترمب وشي لإنجاح قمة أوساكا

الأمن الياباني يفحص مركبات قرب مقر انعقاد قمة مجموعة العشرين في أوساكا (إ.ب.أ)
الأمن الياباني يفحص مركبات قرب مقر انعقاد قمة مجموعة العشرين في أوساكا (إ.ب.أ)

تكاد تكون الاجتماعات الثنائية بين القادة المشاركين في «مجموعة العشرين»، أكثر أهمية من قمة أوساكا يومي الجمعة والسبت المقبلين. وتتجه الأنظار إلى قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ الجمعة لأنها تكاد تحدد مصير القمة بأكملها، لذلك فإن رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي يسعى إلى «التوسط» بين ترمب وشي للوصول إلى توافقات مع بدء وصول القادة اليوم إلى أوساكا.
وإذ يراكم ترمب الرسوم الجمركية على الصادرات الصينية ويهدد بزيادة الرسوم على مجمل هذه الصادرات، يستأنف مع نظيره الصيني الحوار في أوساكا. وتحدث خبراء عن ثلاثة خيارات: عقد صفقة بين الطرفين، أو فشل القمة قبل انعقادها في ضوء التصعيد على خلفية احتجاجات هونغ كونغ التي تدعمها واشنطن، توصل الرئيسين إلى «هدنة» كما حصل في «قمة العشرين» السابقة في الأرجنتين، سرعان ما انهارت. ويعزز ترجيح الخيار الأخير أن ترمب مقبل على انتخابات في 2020.
ولن تكون قمة ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أقل أهمية من قمة ترمب - شي خاصة أنهما وفق ما أعلن الكرملين سيناقشان منع انتشار الأسلحة النووية والأزمة في سوريا وإيران، «ويبقى الموضوع الإيراني مقلقاً للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة وتهديد الملاحة البحرية، وتصاعدت أزمته خلال الشهرين الماضيين مع حشد واشنطن قواتها البحرية والعسكرية في الخليج العربي واستهداف إيران أربع ناقلات نفط في مضيق هرمز ومن ثم أسقطت طائرة أميركية مسيرة لتتجه الأنظار لما سينتج عن تلك القمة خاصة في الملف الإيراني».
ومن المقرر أن يجري بوتين مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان محادثات حول العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، كما سيجري بوتين محادثات مع رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة تيريزا ماي في أول لقاء بينهما منذ انخرطا في سجال على خلفية عملية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال العام الماضي، يضاف إلى ذلك، لقاءات ثنائية أخرى تخص إيران، بينها زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لطوكيو أمس لتنسيق المواقف ولعب دور الوسيط بين ترمب و«المرشد» الإيراني على خامنئي. ويجتمع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على انفراد مع الرئيسين ترمب وبوتين للبحث عن تسويات تخص خفض التوتر الأميركي - التركي إزاء صفقة «إس - 400» الروسية.
رئيس الوزراء الياباني، الذي يريد نجاح القمة قبل الانتخابات الشهر المقبل، يسعى بكل جهده إلى تهدئة خط ترمب - شي. وقال مسؤول ياباني لـ«الشرق الأوسط» إن آبي سيلتقي شي بعد وصوله إلى أوساكا اليوم على أن يلتقي آبي ترمب غدا قبل لقاء الرئيس الأميركي والصيني يوم الجمعة. ويراهن على وعود شي بـ«ضمان نجاح قمة أوساكا قبل زيارته الرسمية المقبلة إلى اليابان». وقال إن آبي يراهن أيضاً على «رغبة ترمب بإنجاحها خصوصاً أن لقاء غد سيكون الثالث بينهما خلال ثلاثة أشهر بعد زيارة آبي إلى واشنطن في أبريل (نيسان) الماضي وزيارة ترمب لطوكيو في مايو (أيار)».
تابع المسؤول أن ترمب وآبي «سيؤكدان تعزيز العلاقات بين اليابان والحليف الأميركي وتبادل وجهات النظر حول ملف كوريا الشمالية والشرق الأوسط والقضايا التي تواجه العالم وتنسيق سياساتهما الخارجية وضمان إنجاح قمة العشرين في أوساكا»، إضافة إلى أنهما سيبحثان «تعزيز العلاقات الثنائية بموجب الثقة المتبادلة». وأوضح المسؤول الياباني: «ربما لن يكون هناك انفراج في قضايا التجارة. بدلاً من ذلك، ينصب التركيز على ما إذا كان بإمكان الزعيمين إظهار إشارات إلى مواصلة المحادثات».
وقبل مجيئه لأوساكا، زار الرئيس الصيني كوريا الشمالية، في وقت جرت محاولات استئناف الحوار بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ حول البرنامج النووي عبر رسائل «رائعة» و«ممتازة» قال ترمب وكيم إنهما تبادلاها. وقالت الرئاسة الفرنسية، من جهتها، إنه «لا ينبغي أن تتحول قمة العشرين إلى نادي للمواجهة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة».
ومنذ انعقادها لأول مرة قبل عقدين، تعتبر «قمة العشرين» منتدى للدول المتقدمة والنامية لاتخاذ إجراءات جماعية لمكافحة الشكوك الاقتصادية. لكن الولايات المتحدة تتراجع عن دورها كقائدة للتجارة المتعددة الأطراف مع تصاعد الشعوبية والقومية. وبالتزامن مع «الحرب التجارة» الأميركية - الصينية، تفشل «منظمة التجارة العالمية» في مواكبة التغيرات التكنولوجية السريعة ما جعل فاعليتها موضع تساؤل. لذلك، باتت قمة أوساكا واحدة من أكثر اللحظات أهمية بالنسبة لمستقبل التجارة متعددة الأطراف، التي قد يكون لها تداعيات خطيرة على المشهد الاقتصادي لعقود قادمة.
وإذ يحذر خبراء من فقدان أميركا دورها القيادي في صوغ النظام الاقتصادي الجديد و«وضع القواعد والمعايير لكيفية إجراء التجارة والاستثمار»، تسعى اليابان ودول أخرى إلى إحراز تقدم في بعض المجالات المتعلقة بالتجارة المتعددة الأطراف، وبين جداول الأعمال تحديث منظمة التجارة العالمية، التي هي بمثابة مدير للاتفاقيات التجارية ومحكم في المنازعات التجارية، لكن إدارة ترمب المحبطة من نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية وتعتبره «تدخلا في الشؤون الداخلية»، تعيق تعيين قضاة في هيئة الاستئناف ما أدى إلى «تجميد» وظيفة المنظمة بشكل فعال. وكان ترمب قال في 2017: «ببساطة، لم نعامل معاملة عادلة من قبل منظمة التجارة العالمية».
وقال مسؤول ياباني لـ«الشرق الأوسط» إن طوكيو تسعى إلى إقناع واشنطن بإضافة كلمة «تسريع» إلى بند يخص «إصلاح منظمة التجارة» في البيان الختامي للقمة، الأمر الذي يتوقع أن يكون على جدول لقاء ترمب - آبي. وكانت طوكيو نجحت في الوصول في الاجتماع الوزاري للتجارة والاقتصاد الرقمي لـ«مجموعة العشرين» قبل أيام إلى بيان نص على دعم «إجراء إصلاحات ضرورية لمنظمة التجارة العالمية بشعور من الإلحاح» و«تأكيد أهمية دور منظمة التجارة العالمية في توليد الفرص والتصدي لمختلف التحديات». وقال فوكوناري كيمورا، الخبير الاقتصادي في جامعة كيو ومعهد أبحاث الاقتصاد والتجارة والصناعة لـ«الشرق الأوسط»، إن بيان الاجتماع الوزاري أضاف قوة دفع لقمة أوساكا بشأن «جهود إصلاح منظمة التجارة العالمية».
وكان الرئيس ترمب أعلن بعد انتخابه في عام 2016 سحب ترمب الولايات المتحدة من شراكة عبر المحيط الهادي، وهي صفقة تجارية تاريخية كانت ستغطي 40 في المائة من الاقتصاد العالمي. وهو يلمح حالياً إلى أن الولايات المتحدة قد تنسحب من «منظمة التجارة العالمية».
مفهوم «التعددية» غير مقبول من ترمب الذي انسحب من اتفاقات دولية عدة بينها اتفاق المناخ الذي وقع في باريس في 2015، لكن الدولة المضيفة قلقة من الفراغ وانعكاس توجهات ترمب على قمة أوساكا، الأمر الذي يعقد مهمة آبي. وقال خبير أمس: «تولي اليابان القيادة ليس هو نفسه الذي تفعله الولايات المتحدة، ببساطة بسبب حجم اقتصادها»، لافتا إلى أن «استعادة ثقة الجمهور في التعددية هو أحد أهداف القمة»، فيما قال مسؤول: «في ضوء تزايد مخاطر الانكماش الاقتصادي، من الواضح أن قمة أوساكا يجب أن تركز على هذا الشرط. لكن التحدي يكمن في أننا يجب أن نفعّل ذلك ضد تراجع ثقة الجمهور في التعددية». وحض خبراء حكومة آبي على «رفع صوتها في معارضة الحمائية من خلال بيان رئاسي لقمة أوساكا لا يتطلب الإجماع من القادة المشاركين». وأوضح أحد الخبراء: «إذا كان رئيس الوزراء آبي صديقا جيدا حقا للرئيس ترمب، فعليه أن يشرح بدقة وصبر لماذا الحمائية ليست لصالحه (ترمب) بدلاً من القلق بشأن ردود فعل الإدارة الأميركية».
أفادت تقارير الثلاثاء بأن ترمب أخبر مقربين أنه يفكر في الانسحاب من المعاهدة الأمنية اليابانية - الأميركية، التي يعتبرها غير عادلة للولايات المتحدة، ما قد يلقي بالماء البارد على المحادثات الثنائية. لكن خبراء قللوا من احتمال أن يفعل ذلك، بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية للجيش الأميركي. لكنه لا يزال قادرا على استخدام ذلك كأداة ضغط في محادثات التجارة الثنائية الجارية مع اليابان بالنظر إلى أن طوكيو اعتمدت بشدة على الجيش الأميركي للدفاع عن البلاد ضد تهديدات الصين وكوريا الشمالية.
لن يكون اجتماعا آبي – ترمب، وترمب - شي الوحيدين المهمين على هامش أوساكا. وكان آبي يأمل أصلاً في التوصل إلى اتفاق انفرادي في أوساكا مع بوتين بشأن النزاع الإقليمي المستمر منذ عقود حول أربع جزر تسيطر عليها روسيا قبالة هوكايدو. لكن مع عدم وجود احتمال للتوصل إلى اتفاق، فمن المحتمل أن يؤكد اجتماع يوم السبت على حقيقة أن خطة آبي - التي تضمنت ضمان عودة ما لا يقل عن جزيرتين من الجزر الأربع - قد فشلت. وأحد الأسباب الرئيسية لهذا الفشل هو عدم رغبة الجانبين في التنازل عن سيادة الجزر.
ومع ذلك، حافظت موسكو على موقف صارم، وأصرت على أنه يتعين على طوكيو أولاً أن تدرك أن روسيا فازت بشكل شرعي بالسيادة على الجزر الأربع نتيجة للحرب العالمية الثانية - وهو أمر قال الساسة اليابانيون إنه غير مقبول على الإطلاق. وكان وزير الخارجية سيرغي لافروف حض طوكيو علـى قبول «الأمر الواقع» بعد الحرب العالمية الثانية.
إلى ذلك، وصلت العلاقات بين طوكيو وسيول حاليا إلى نقطة حيث من شأن عقد اجتماع ثنائي على هامش «مجموعة العشرين» أن يزيد الأمور سوءا. واقترح مسؤولون يابانيون عقد لقاء بين آبي والرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن، لكن من غير المرجح أن يتم عقد اجتماع رسمي ما لم تكن هناك أي تطورات بشأن قضية العمل في زمن الحرب التي تشمل الحكم الاستعماري الياباني لشبه الجزيرة الكورية في الفترة 1910 - 1945. وقال مسؤول: «أي اجتماع رسمي قد يسلط الضوء بشكل أكبر على العلاقات الدبلوماسية المتدهورة بين الجارتين».
توترت العلاقات بسبب حالات العمل في زمن الحرب. قالت كوريا الجنوبية إنه تم جلب كثير من الكوريين إلى اليابان ضد إرادتهم في العمل. لكن طوكيو تقول إن كثيرا من العمال جاؤوا طوعيا وإن البلدين قد حسموا بالفعل قضية التعويضات بموجب اتفاق عام 1965. وقدمت طوكيو مساعدة اقتصادية ضخمة لسيول، والتي وافقت في المقابل على دفع أي تعويض للعمال وقت الحرب، باستخدام بعض هذه الأموال.
تفاقمت الأزمة العام الماضي، عندما أمرت المحكمة العليا في كوريا الجنوبية الشركات اليابانية بدفع تعويضات للعمال القسريين. انتقدت طوكيو سيول لفشلها في اتخاذ أي إجراءات لحماية تلك الشركات.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.