السعودية تشدد على حق العودة... وبلير يؤكد أهمية الحل السياسي

واشنطن تريد إبقاء «الباب مفتوحاً» أمام الفلسطينيين

TT

السعودية تشدد على حق العودة... وبلير يؤكد أهمية الحل السياسي

اختتمت في العاصمة البحرينية أمس ورشة «السلام من أجل الازدهار»، بالتأكيد على أن الحلّ السياسي يمثل الركيزة الضرورية لخلق الاستقرار في منطقة تعاني من الصراعات الطويلة.
وفي حين أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أن المنطقة بحاجة إلى تحقيق سلام قائم على حلّ الدولتين يشكل أساساً لازدهار اقتصادي، أكدت السعودية على حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، مشيرة إلى أن هذا «الحقّ غير قابل للتصرف»، كما أكدت أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي «جوهر القضية الفلسطينية».
من جانبه، قال جاريد كوشنر مستشار الرئيس دونالد ترمب وصهره، إن الإدارة الأميركية تود إبقاء الباب مفتوحا أمام الفلسطينيين، رغم مقاطعتهم ورشة المنامة، متّهما السلطة الفلسطينية بالفشل في مساعدة شعبها. وقال: «لو أرادوا فعلا تحسين حياة شعبهم، فإننا وضعنا إطار عمل يستطيعون الانخراط فيه ومحاولة تحقيقه». وأضاف أن الإدارة الأميركية ستبقى «متفائلة»، مضيفا: «لقد تركنا الباب مفتوحا طوال الوقت».
وقال «إننا نسعى لمساعدة الشعب الفلسطيني وإسرائيل والمنطقة وليس لمعاقبة القيادة الفلسطينية على تخلفها عن هذا المؤتمر». وأشاد بـ«نجاح» الورشة وردود الفعل الإيجابية التي تلقاها، واعتبر أن الورشة تظهر أن مشكلة الشرق الأوسط يمكن حلّها اقتصاديا. وبحسب المستشار الأميركي، فإن إدارة دونالد ترمب ستطرح الجانب السياسي من خطة السلام في «الوقت المناسب»، مضيفا أن «أحد الموضوعات المشتركة في ورشة العمل هذه كما يقول الجميع هي أن هذه الإصلاحات ممكنة» في إشارة إلى توصيات بتحسين الاقتصاد الفلسطيني. ورأى كوشنر أنّ «ما قامت به القيادة (الفلسطينية) هو لوم إسرائيل والآخرين على كافة مشاكل شعبهم، بينما في الحقيقة الموضوع المشترك هو أن كل هذا قابل للتحقيق إن كانت الحكومة ترغب في إجراء هذه الإصلاحات».
واختتمت أمس أعمال اليوم الثاني من جلسات النقاش حيث شارك فيها رجال أعمال ورؤساء مصارف دولية، وصناديق استثمار لبحث فرص نجاح الشق الاقتصادي من خطة السلام الأميركية الجديدة لإنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
وكان كوشنر، أكد مساء أول من أمس، أن الخطة التي أشرف عليها لحل النزاع في الشرق الأوسط من بوابة الاقتصاد. ودعا كوشنر، الذي تحدث بكثير من التفاؤل عما وصفها بـ«فرصة القرن»، الفلسطينيين إلى الاطلاع على الخطة واغتنام الفرص التي تقدمها. وتقترح خطة إدارة ترمب جذب استثمارات تتجاوز قيمتها خمسين مليار دولار على مدى عشر سنوات، بهدف إيجاد مليون فرصة عمل، ومضاعفة إجمالي الناتج الفلسطيني المحلّي، وتقليص البطالة ودعم دول الجوار - لبنان ومصر والأردن.
إلا أن الفلسطينيين قاطعوا الورشة، معتبرين أنّه لا يمكن الحديث عن الجانب الاقتصادي قبل التطرق إلى الحلول السياسية الممكنة للنزاع المستمر لعقود. وامتنع كوشنر عن الخوض في أي تفصيل سياسي خلال أعمال الورشة التي امتدت على يومين، وسط توقعات بأن يتم تأجيل الإعلان عن خطة ترمب للسلام حتى نوفمبر (تشرين الثاني) وألا تنصّ على قيام دولة فلسطينية مستقلّة.

بلير: الحل السياسي أولاً

وفِي حوار له مع كوشنر، في اختتام أعمال ورشة «السلام من أجل الازدهار» قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إن الشق الاقتصادي لخطة السلام يمكن أن تكون لها فوائد كبيرة للشعب الفلسطيني. لكنه شدد على أن هذه الخطة ينبغي ألا تكون بديلا عن الحل السياسي. وأكد بلير أنه «لن يكون هناك سلام اقتصادي بل سيكون هناك سلام سياسي يشمل الجانب الاقتصادي». وأضاف: السياسة تعمل إذا ما تعمقت (في حلّ القضايا) وكانت قائمة على توفير الثقة وتحقيق الاستقرار الضروري لنمو الاقتصاد. وتابع: «من الحماقة أن نسعى نحو حل اقتصادي دون بناء استقرار سياسي».
ودعا بلير إلى تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يقوم على حل الدولتين واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وقال: إذا ما تم إعداد الإطار السياسي المناسب فسوف نوفّر فرصة للإطار الاقتصادي، حيث يشعر الناس بالتحسن ويكون لديهم أمل في المستقبل.

السعودية: اللاجئون «جوهر القضية الفلسطينية»

إلى ذلك أكدت السعودية أن حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم غير قابل للتصرف، وأكدت أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي «جوهر القضية الفلسطينية»، ودعت إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس.
وقال السفير عبد الله بن يحيى المعلمي، مندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة، إن حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، هو «من الحقوق الثابتة والراسخة ولا ينقضي بمرور الزمان ولا يسقط بالتقادم، وإنه فضلاً عن كونه حقاً إنسانياً وأخلاقياً، فهو حق قانوني وسياسي كفلته لهم القرارات الدولية». وكان السفير المعلمي يتحدث أمام مؤتمر دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى «الأونروا» الذي أقيم أول من أمس بمقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وقال المعلمي إن قضية اللاجئين الفلسطينيين «هي جوهر القضية الفلسطينية، وأن نعي تماماً أن أزمة اللاجئين الفلسطينيين ليست أزمة إنسانية بقدر أنها أزمة سياسية لن يتم معالجتها إلا بمعالجة السبب الرئيسي وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية وبقية الأراضي العربية وفقاً للقرارات الدولية والمبادرة العربية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وتمكين أبناء الشعب الفلسطيني من العودة إلى وطنهم الأصلي وفق قرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار الجمعية العامة رقم 194 لعام 1948».
ولفت السفير عبد الله المعلمي إلى أن المملكة العربية السعودية هي إحدى أكبر الدول دعماً للشعب الفلسطيني، وأكبر الدول المانحة لوكالة الأونروا تجسيداً لدورها المشرف في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني من أجل تحقيق آماله وطموحاته المشروعة، وهذا ما أكدت عليه قمم مكة الثلاث «الخليجية، والعربية، والإسلامية» التي استضافتها المملكة الشهر الماضي.
وقال: «قدمت السعودية لوكالة الأونروا منذ العام 2000 وحتى العام 2019 ما يقارب المليار دولار لدعم برامجها النبيلة وتوفير المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وإن مجموع المساعدات المقدمة من المملكة لفلسطين بلغ ما يقارب الـ7 مليارات دولار خلال نفس الفترة عبر دعم أكثر من 200 مشروع إنساني وتنموي وخيري».
من جانبه، ذكر وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أمس، خلاله مشاركته في إحدى جلسات ورشة المنامة أن المملكة ستؤيد أي خطة اقتصادية تحقق الازدهار للفلسطينيين. فيما قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون المالية عبيد حميد الطاير إنه ينبغي إعطاء فرصة لهذه المبادرة.

الازدهار مرهون بأمل السلام والأمن

أجمع المستثمرون العرب والغربيون على أنه لا ازدهار في غياب استقرار سياسي وأمني، لكن غالبية المشاركين عبّروا عن تفاؤل كبير حيال الطاقات الاقتصادية الفلسطينية. وقالت مدير عام صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد إن تحسن الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية وغزة قد يحدث «ولكن بثلاثة شروط». وأشارت إلى أن تلك الشروط هي «إجراء السلطة الفلسطينية إصلاحات شاملة، وقيام إسرائيل بتخفيف القيود على حركة السلع والأفراد ورأس المال، وقيام المانحين الدوليين والإقليميين بزيادة دعمهم المالي لضمان الاستثمارات الصحيحة».
وقالت بعد حضور ورشة المنامة: «يعتمد تحسين الأوضاع الاقتصادية وجذب الاستثمارات الدائمة إلى المنطقة على القدرة على التوصل إلى اتفاقية سلام. فالسلام والاستقرار السياسي واستعادة الثقة بين كل الأطراف المعنية هي عوامل ضرورية لنجاح أي خطة اقتصادية للمنطقة»، كما نقلت عنها وكالة «رويترز».
وأضافت لاغارد في جلسة افتتحت أعمال أمس أن النمو في الضفة الغربية وغزة يجب أن يركز على توفير الوظائف. واعتبرت أن «إحدى النواحي الجيدة حقا لهذه الخطة تتمثل في أنها تحدد بعض القطاعات، الصناعية والاقتصادية، التي ستكون مواتية لخلق الوظائف». وأضافت أن «النمو الاقتصادي في الضفة الغربية وغزة يجب أن يركز على توفير فرص عمل مناسبة»، مشيرة إلى قطاعات الزراعة والسياحة والبناء والبنية التحتية باعتبارها قطاعات «ستستوعب الكثير من العمالة». وجاءت تصريحات لاغارد ضمن إحدى جلسات العمل التي بحثت ركائز الخطة الأميركية الثلاث، لدعم الاقتصاد الفلسطيني، وتمكين الأشخاص وتعزيز الحكامة.
من جهته، ربط محمد آل الشيخ وزير الدولة السعودي عضو مجلس الوزراء فرص نجاح الخطة الاقتصادية الأميركية بإعطاء أمل حقيقي للفلسطينيين بإمكانية تحقيق السلام وازدهار مستدام، معتبرا كذلك أن القطاع الخاص ينبغي أن يكون في مقدمة المنخرطين في تنفيذها. وأوضح أنه يعتقد أن من الممكن تنفيذ الخطة «إذا آمن الناس بأن من الممكن تنفيذها»، مشيرا إلى أن السبيل لإقناع الناس بها هو منحهم الأمل بأنها ستكون مستدامة وباقية وستؤدي إلى الرخاء والتنمية في نهاية المطاف.
وقال الوزير السعودي إنه شهد جهودا مماثلة لخطة كوشنر في الفترة التي تلت توقيع اتفاق أسلو، شارك خلالها المجتمع الدولي بين 1995 و2000 بتبرعات وبرامج اقتصادية شبيهة بتلك المستهدفة في الخطة الجديدة، بما يشمل بناء آلاف كيلومترات الطرق والمصحات والمدارس. ويقول إن تلك الجهود أتت آنذاك بثمارها، وشهدت الأراضي الفلسطينية انخفاضا في مستويات البطالة، ونمو الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع مستويات التعليم. ولفت آل الشيخ إلى أن الفرق الجوهري بين الجهود السابقة والخطة الحالية يتمثّل في أن القطاع الخاص يلعب دورا جوهريا في تنفيذ أهداف الرؤية الاقتصادية الحالية، مشددا في المقابل على ضرورة ترسيخ والتأكيد على الأمل بتحقيق السلام.
وضمت لاغارد صوتها إلى صوت آل الشيخ، معتبرة أن ديمغرافية المنطقة تمثل فرصة كبيرة، لكنها قد تطرح مشكلة كبيرة كذلك في حال لم تتوفر فرص العمل المناسبة لملاين الشباب الجاهزين لدخول سوق العمل. وشددت لاغارد على جودة التعليم ونوعيته، معتبرة أن التعليم والتدريب ينبغي أن يواكب حاجات سوق العمل.
من جانبها، قدمت هالة محمد جابر الأنصاري، الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة في البحرين، مشاركة في إحدى جلسات ورشة العمل الاقتصادي استعرضت خلالها تجربة البحرين فيما يتعلق برفع نسبة مساهمة المرأة في القطاع العام والقطاع الخاص وفي مجال يتعلق بريادة الأعمال. وتركزت المداخلات على تحقيق تقدم لمساعدة النساء الفلسطينيات على المشاركة في تحقيق الازدهار الاقتصادي، من خلال تمكين المرأة ورفع مشاركتها في الناتج العام.
واستعرضت الأنصاري تجربة البحرين في تمكين المرأة، معتبرة أن ذلك قد يمثل نموذجاً بالنسبة للمرأة في الأراضي الفلسطينية. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن المرأة الفلسطينية كونت خبرة تراكمية في العمل والمشاركة في مجال تمكين المرأة والمساهمة في الجهود المدنية، لكن هناك الكثير من الصعوبات تعاني منها بيئة المرأة الفلسطينية. وأكدت الأنصاري أن الاستقرار وخلق بيئة آمنة ومستقرة يشكل ضرورة لتمكين المرأة الفلسطينية. وأضافت، أنه في ظل انعدام الاستقرار ترتفع نسب البطالة التي تعاني منها المرأة على نحو الخصوص.
من جانبه، شدد خالد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية البحريني، على أن «الكرامة الإنسانية أساسية لتحقيق الاستقرار»، مضيفا أنه ينبغي على الفلسطينيين أن يعيشوا بكرامة في أراضيهم. ومتحدثا حول تخوف المستثمرين الدوليين من المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بالاستثمار في الأراضي الفلسطينية، قال الرميحي إن «الخطر السياسي ليس جديدا على منطقة الشرق الأوسط، ورغم ذلك فإن الاستثمارات تدفقت على المنطقة»، مشيرا إلى أن عائدات الاستثمار في المنطقة «رائعة. فالمنطقة تعلمت مواكبة المخاطر». كما ذكر أن العائدات في المنطقة أعلى من مناطق أخرى عبر العالم، ما يعوّض عن المخاطر المرتبطة بها.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.